أبحاث ودراسات

جدلية العقلنة والعقلانية

| محمد جسوس

إذا أخذنا الحركة العقلانية الأوروبية، فإننا إذ تركنا جانبا الإسهامات الخاصة لبعض الشخصيات الفكرية أو لبعض الزعامات السياسية أو غيرها، نجد أن العقلانية لم تكن مرتبطة فقط باجتهادات أفراد، بل كانت عبارة عن حركة واسعة تمس مختلف فئات المواطنين وتسم مختلف مرافق الحياة، وأنها تحولت إلى ذلك نظرا لأنها كانت تعتمد على قوة دافعة أساسية وعلى شروط تفتح لها المجال لممارسته لاكتساح أقصى ما يمكن من مكونات الواقع. وهنا أريد أن أوضح هاتين النقطتين:

أولا: كانت تعتمد على شروط. هذه الشروط كانت هي انهيار مجالات المقدس، أو انهيار التجليات التاريخية والمجتمعية للمقدس والتي كانت تشكل نوعا من الحدود القصوى التي تفرض حدودا على كل حركة في الواقع أو كل حركة في الفكر. تفرض عليها أن لا تتجاوز مجالا معينا. فالحركة العقلانية في أوروبا برزت في ظرف أصبحت فيه الكنيسة عاجزة عن تسيير المجتمع وعن تأطير كل الديناميات وكل الفعاليات الجديدة التي أبرزها المجتمع. وعجز الكنيسة واقعيا برز قبل أن يأتي الطعن في صلاحيتها نظريا، أو لنقل إن لم يكن قبل. فإن العمليتين كانتا متوازيتين في نفس الوقت. كان هناك من جهة عجز واقعي، مثلا عجز الكنيسة عن تسيير المدن وعن ضمان نوع من الوحدة السياسية القادرة على الاستمرار وعلى تلبية الحاجات الأساسية للسكان، وفي نفس الوقت بروز الحركات البروتستانتية بمختلف الأشكال ومختلف الطروحات التي تطعن في قدرة الكنيسة على تسيير الحياة وعلى تسيير المجتمع. عجز الكنيسة أبرز في نفس الوقت استفادة قدرة النظم الفيودالية والارستقراطية على الاستمرار في السيطرة على الحياة وتقرير مصير ومآل الشعوب المنضوية تحت لوائها. فالشرط الأول لبروز الحركة العقلانية في أوروبا كان تدهور أو تراجع التجليات الكبرى لمجالات المقدس: الفيودالية، النبلاء، باعتبارهما تجسيدا للمقدس في المجال المجتمعي والاجتماعي، تلك الفئات التي كانت تدعي أن لها أهلية، ولها قدرة، ولها شرعية تتجاوز شرعية أية فئة أخرى. وفي نفس الوقت نلاحظ بروز قوى جديدة سوف يكون من مصلحتها الدفع بحركة العقلانية إلى أقوى وأقصى ما يمكن لأن هذا الدفع يخدم مصالحها، يحدث ويزيد في توسيع الفراغ أو يزيد في توسيع الانهيار والتدهور الذي عرفته الفئات المهيمنة سابقا، وهذا هو ما ستعرفه البرجوازية بصفة خاصة.

إذن من أهم أسباب بروز العقلانية تضاؤل مجال المقدس داخل المجتمع، هذا هو الشرط الأول. والشرط الثاني هو بروز قوى جديدة لها قدرة على الاكتساح، لها مشروع طبقي أو مشروع حضاري بعيد المدى، تستعمل العقلانية كأداة للمزيد من تحطيم ما تبقى من النظم السابقة، ومن رواسب المقدس، كما لا زال موجودا داخل المجتمع لكي تقيم مكانه سيطرتها هي، وكي تبني التاريخ كما تريده هي، لا التاريخ كما يؤدي إليه نوع من الطروحات التقليدية أو نوع من الطروحات التراثية. أود أن أشير إلى أنه لا العنصر الأول ولا العنصر الثاني لم يتجليا بعد، أو لم يتجسدا بعد بما يكفي من الوضوح في الوطن العربي.

فبالنسبة للعنصر الأول، يبدو أن الطروحات التراثية على علاتها كثيرة. وفي رأيي أن هذا المد التراثي الطاغي، المسيطر على مختلف مجالات الفكر والسلوك، أصبح يفرض نوعا من الأسبقية على كل محاولات الاجتهاد الأخرى، بحيث لا تفكير مقبول ولا إسهام مقبول إلا إذا أخذ موقفا من مسألة التراث. وإذا كانت له سلبيات كثيرة فإنه أبرز نقطتين أساسيتين: أنه ربما في الظروف الراهنة تتسم المجتمعات العربية ببعض الميزات، ومن أهم هذه المميزات طغيان الماضي على الحاضر. فالماضي لم يصبح ماضيا بل ما زال حيا ومسترسلا. فكما أشار الأستاذ الجابري في بعض طروحاته يقول إن المسلم المعاصر أو العربي المعاصر لا يشعر بأي نوع من أنواع الغربة ولا بأي نوع من أنواع الاغتراب عندما يتعامل مع العديد من الإنتاجات التراثية، فهي تظهر له كما لو كانت تعبيرا معقولا عن جزء هام من واقعه، وعن طموحاته، ولا يرى التباعد المطلق الذي يأتي نتيجة القطيعة المطلقة، نتيجة التجاوز العميق الذي حدث. هذه الاستمرارية للماضي ولرموز ولتعبيرات الماضي ولتركيباته معناها أن المقدس كأرضية عليا، كمنطلق، لا زال له تواجد في العالم العربي يفوق بكثير ما حدث في المجتمعات الأوروبية والغربية عامة. وهذا بالفعل، ما دام الأمر كذلك، يشكل وسوف يشكل إحدى أهم العوائق البنيوية نحو تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية فعلية. سوف نعطي مثالا أوليا على هذه الاستمرارية. من أهم مميزات البنية الاجتماعية في الوطن العربي اليوم أن عدة مجالات تتداخل فيما بينها بصفة أقوى مما لو تتبعت المجتمعات العربية نفس النمط من الصيرورة الذي عرفته المجتمعات الغربية. مثلا في المجتمعات الغربية وقع منذ مدة طويلة انفصال أدى إلى بروز عدة مجالات لكل واحد منها استقلالية نسبية وكل واحد منها يتسم بخضوعه لمنطقة الداخلي في نفس الوقت الذي يتأثر في تعاونه مع المجالات الأخرى. من جملة هذه المجالات التي حصلت على الاستقلالية النسبية، الاقتصاد، المعرفة، العلوم، الفلسفة، الأخلاق، القانون، السياسة، بمعنى أن كل واحد من هذه المجالات لم يبق فقط نتيجة لنفس المنطقات المقدسة والعليا التي كان يفترض وجودها في العصور الوسطى ولم يبق خاضعا للسلطات العليا للكنيسة، ولم يبق خاضعا للسلطات العليا للاهوت، ولم يبق كذلك خاضعا لمراقبة القيمين على التراث، على التقاليد. بل أصبح العديد من هذه المجالات يتسم أحيانا باستقلالية شبه مطلقة، ولم تتسم فقط بالاستقلالية بل أصبحت في كثير من الأحيان مصدرا للطعن في سلطة بعض المرجعيات التقليدية الكبرى. أصبحت العديد من هذه المجالات هي التي تطرح التحديات الكبرى والجديدة. أصبحت هي التي تطرح التحديات وتطعن في التقاليد وسلطة التقاليد. لم يعد التقليد الذي كان سابقا قيمة القيم، هو الوسيلة التي تضفي معقولية ومشروعية مباشرة على كل سلوك أو على كل موقف، بل أصبح مفهوم التقليد مفهوما قدحيا. هذا التحرر وهذا الاستقلال النسبي أدى إلى انفجار العلوم وإلى الثورة المعرفية والفكرية التي عرفها التاريخ المعاصر. هذا شيء أساسي صاحب وفتح مجالات كبيرة للعقلانية كموقف فكري، كحركة اجتماعية، وكصيرورة تاريخية في المجتمعات الرأسمالية. كيف تطرح الأشياء بالنسبة لنا في العالم العربي؟. قلت سأطرح مثالا:

إذا أخذنا العديد من السلوكيات أو التصرفات في المجتمعات العربية المعاصرة مثل القتل أو الانتحار، نرى أنها في نفس الوقت حرام، وهي في نفس الوقت ممنوعة بالمعنى القانوني للكلمة، وهي في نفس الوقت عيب بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. هكذا نجد أن نفس المجال السلوكي خاضع في نفس الوقت لمرجعيات متعددة ومتعارضة فيما بينها، لضوابط ولسلطات متعددة وغير متجانسة فيما بينها، فنفس الشيء هو في نفس الوقت حلال أو حرام أي يحيلنا إلى سلطة مرجعية دينية لا تقبل الاجتهاد في الأصول بل فقط في الفروع، وفقط في التطبيقات.

إذن نفس الشيء يحيل إلى المجال الديني ومجال الضغوط الاجتماعية، وفي نفس الوقت يحيل إلى المجال القانوني، إلى ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به، بما يقتضي به من عواقب ويحيل في نفس الوقت إلى مجال الغيبيات. يعتقد الناس ولا زالوا يعتقدون شعوريا، ولا شعوريا، أن خرق الضوابط أو تجاوزها سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة تتكلف بها مختلف فئات الجن والأنس ومختلف أشكال الكائنات الغيبية التي لا زال الناس يتصورونها، والتي تشكل جزءا من العناصر المؤطرة والموجهة والضابطة للحياة.

إذا لاحظنا أنه ليس هناك بروز واضح للمجال الأخلاقي كسجال مستقل، الخير والشر، وإذا افترضنا أن هناك إمكانية بناء مجال عقلاني يعتمد على إبراز أن الخير هو تلك الأشياء التي تكون في مصلحة أقصى ما يمكن من العناصر المكونة للبشر ولها أقل الأضرار بالنسبة للمصالح العليا والمشتركة فيما بينهم، فإن هذا المجال الأخلاقي المعتمد على أسس عقلانية لا نجده متجسدا لا في الحياة الاجتماعية ولا على الصعيد الفكري. كذلك نلاحظ أن القانون كأحد الضوابط، خاصة القانون الوضعي في أشكاله الجديدة المرتبطة ببناء الدولة الحديثة والمرتبطة كذلك بتطور المعارف، هذا القانون لا يشكل مجالا يتوفر على الحد الأدنى من الاستقلالية الوظيفية التي لها مشروعية. يكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال أنه لا يوجد بلد عربي واحد توجد فيه الشريعة الإسلامية مهيمنة فعلا على كل المعاملات وكل المجالات، بل في الغالب أصبحت الشريعة الإسلامية الآن محدودة في مجال الأحوال الشخصية. فمثلا القانون الجنائي والقانون التجاري وقوانين المعاملات والشركات الخ، والقوانين المرتبطة بالتجارة الخارجية والقوانين المالية، هي قوانين نعرف أنها ليست فقط خارج مجال الشريعة الإسلامية بل تتضمن في كل الدول العربية عددا من السلوكيات التي أصبحت قائمة بحكم الواقع رغم أنها تتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية، مثلا الربا، مثلا الفائدة التي تدفع مقابل قروض معينة، مثلا اعتماد الدولة في ميزانيتها على مداخيل الرهان وبعض أشكال القمار والرخص المرتبطة بأماكن اللهو أو بيع الخمور وغيره. إذن يظهر لي أن هناك هذا العائق الأول والأساسي، هو أنه لكي يكون هناك حركة عقلانية واسعة، يجب أن تستبعد الحدود ويجب أن يصبح عدد من المجالات مستعدة وقابلة لتطبيق مبادئ العقلانية. إن صيرورة العقلانية تفترض أن هذه العملية التي تجعل الجماعات والأفراد والمؤسسات تتنافس فيما بينها وتختبر باستمرار كل إمكانيات الوصول إلى تدابير جديدة أو مجموعة من التدابير تمكننا من تحقيق مستويات أعلى من المستويات السابقة. فيما يخص تحقيق الأهداف والغايات والقيم المرتبطة بها في كل مجال على حدة، لا يمكن أن يصبح ذلك عملية مكتسحة وواسعة إذا كانت هناك ضوابط نهائية أزلية ثابتة لا حق لأحد أن يمس بها باعتبارها نهائية وباعتبار أن كل تجديد بدعة.

ولكن التاريخ يحدث البدعة باستمرار والتطور هو الذي ينشر البدع. ما لم ينتشر بعد هو الاقتناع بأن صيرورة التاريخ لا تشكل بالضرورة رجسا. فنحن حاليا في أوضاع يمكن أن نصفها بتعارض بين جدلية الواقع وجدلية الوعي. فجدلية الواقع في كثير من المجالات أكثر دينامية وأكثر تطورا وأكثر قابلية لاختيار سلوكيات مما هو عليه الأمر على مستوى الأدوات التي تؤطر الوعي وتؤطر الأحكام وتؤطر المواقف التي لا زالت أكثر التصاقا بالمقدسات ولا زالت أكثر التصاقا بالماضي وحولت التراث من مجرد موروث تاريخي إلى قيمة أزلية ونهائية في حد ذاتها عوضا أن تطرحه في بعده التاريخي. وهذا الإشكال الأول، أعني عدم استقلال العديد من المجالات، والتضارب الواقع حاليا بين الوعي وبين السلوك، يظهر لي أن يشكل حاليا أحد أهم الحواجز التي تعرقل بروز حركة عقلانية واضحة. العنصر الثاني الذي أريد أن أتحدث عنه هنا يتعلق بوجود حركة دافعة. العقلانية سلاح، وهي سلاح خطير، بمعنى أن العقلانية إذا وقع دفعها إلى أقصى مستوياتها، تشكل أكثر الأدوات ثورية، على غرار الفكر النقدي، فلا حدود للنقد ولا حدود للعقلانية ولا يمكن أن نتصور نهاية لعملية العقلنة في حد ذاتها. العقلانية هي طريقة الربط بين الإجراءات والوسائل المتوافرة وبين ما هو مرسوم من غايات أو من قيم أو مثل عليا، ولا يمكن تصور أي نظام اجتماعي لا يعتمد على نوع من أنواع العقلنة. أما العقلانية كحركة اجتماعية وفكرية وكاتجاه وكتيار عام فهي توجد في بعض المجتمعات دون غيرها. وما قمت به حاليا هو محاولة تفسير بعض الشروط التي تؤدي إلى انتشار حركة العقلانية أو تعرقل انتشارها. فالعقلنة هي الربط بين الوسائل والأهداف التي تكمن وراءها غايات. هذا الربط معناه أنه يجب أن نقوم بجرد كل الترتيبات التي يمكن أن تحققها. والحل العقلاني هو ذلك الحل الذي يمكن من تحقيق أقصى ما يمكن من الأهداف المخولة لكل إجراء معين. والحل العقلاني هو ذلك الحل الذي يمكن أن يساهم في تحقيق الغايات أو القيم العليا دون غيرها. إذن الربط يتم بين الوسائل والأهداف من جهة وبين الوسائل والغايات من جهة أخرى. هذا الربط ليس بشيء مجرد، بل يحدث في سياق معين وفي إطار معين، وهو ربط يحدث في ظروف طبيعية وديمغرافية، في ظروف اقتصادية، وفي ظروف تكنولوجية، في ظروف معرفية، في تركيبات اجتماعية معينة، في موازين قوى معينة، هذه الظروف ليست شيئا محايدا، بل هي تفرض علينا ضغوطا، وضوابط، وحدودا، وبالتالي فالعقلنة تصبح عملية لا متناهية لأنه يكفي أن يتغير أي عنصر من هذه العناصر الأربعة (نظام الوسائل، نظام الأهداف، نظام الغايات، نظام السياق) لكي يصبح ما كان عقلانيا أقل عقلنة أو لكي يصبح ما كان عقلانيا قابلا للتجاوز. يكفي مثلا أن تقع اكتشافات معرفية جديدة أو تقع تعبئة وسائل جديدة لكي تصبح التدابير السابقة- إذا كانت عقلانية في سياقها وفي ظروفها السابقة- قابلة للتجاوز. وهذا يحدث بصفة موسمية في كل المجتمعات. والعنصر الثاني في إمكان نجاح العقلنة هو وجود قوة دافعة، هذه القوة الدافعة عادة تكون عبارة عن كتلة سياسية اجتماعية تكون لها مصلحة كبرى في قلب النظام السائد وفي تغييره لأنها لا تستفيد منه بما يكفي أو لأنها تعتقد أن لها قدرة على بناء نظام جديد، وهذه القوة أو هذه الكتلة السياسية والاجتماعية سوف تستعمل الضغط سعيا نحو عقلنة مختلف المجالات كوسيلة لتحطيم الفعاليات السابقة وتحطيم القيادات السابقة ولاكتساحها وجعل مجالاتها خاضعة لمشروعها. وهذه القوة الضاغطة يمكن أن تتجلى في طبقة صاعدة لها أسس قوية، لها قدرة على الاكتساح، لها طموحات كبرى لمشروع مستقبلي وحضاري يصبح هو المرجعية الجديدة التي انطلاقا منها يقع تحديد الإجراءات، ويصبح ما يساهم في تجسيد ذلك المشروع هو العقلاني وما يعرقله يصبح هو اللاعقلاني.

وهذه القوة الدافعة يمكن تصورها من المنظور الخلدوني، كما كان ابن خلدون يرى أن قلب نظام وبناء آخر جديد يتطلب شرطين: 1- الشرط الأول وجود عصبية أي حلف أو كتلة، أو قوة اجتماعية تجمع عدة أطراف لها نفس المصلحة المشتركة. 2- ويضيف ابن خلدون إلى العصبية الدعوة، أي وجود نظرة عامة أو ما يمكن أن نسميه اليوم بإيديولوجية تعطي لما تقوم به هذه الكتلة نوعا من المعقولية، نوعا من المشروعية تمكنها من تعبئة أطراف أخرى، تمكنها من تكوين سلوكياتها ومن مجابهة أعدائها أو خصومها. إذن القوة الدافعة عندي هي العصبية، أي هي قوة اجتماعية سياسية بالإضافة إلى دعوة. عندما يتوافر هذا الشرطان وعندما يظهر أن هناك مجالات داخل المجتمع بدأت تنفلت من سيطرة المقدس ومن سيطرة ما هو ثابت وما هو نهائي، تصبح العقلنة عبارة عن عقلانية وتصبح العقلنة كصيرورة مستمرة عبارة عن حركة اجتماعية هي في نفس الوقت واقع وقيمة أي تنقل العقلنة من مجرد واقع إلى واقع ضروري، واقع مشروع، واقع معقول، ويمكن في تلك الحالة الدفع بها إلى أقصى درجة. هذا التمييز لكي تقع بلورته بسهولة يمكن أن نتحدث عنه كفرق بين العقلنة والعقلانية، ولكن يمكن كذلك أن نميز بين العقلانية النظامية والعقلانية النسقية. بمعنى آخر، عندما تتوافر هذه الشروط حول مكانة المقدس داخل المجتمع وحول وجود قوة دافعة لها قدرة على الاكتساح وتوسيع التعبئة، وتوسيع التحالفات، وتوسيع وسائل الضغط التي تتوافر عليها، ولها في نفس الوقت قوة إيديولوجية قادرة كذلك على أن تعمل كإسمنت عام يجمع بين مختلف العناصر المتحالفة ويربط بين مختلف المجالات التي يمكن أن تحدث فيها معارك موازية من أجل العقلانية، عندما تتوافر هذه الشروط نكون أمام بروز عقلانية نسقية، أي تستهدف النسق المجتمعي ككل لا فقط النظام السائد داخل ذلك النسق، وتطرح مسألة حق ذلك النسق المجتمعي العام في الوجود أو عدم الوجود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى