مقالات

الاعتصام بحبل العروبة

| حسن م. يوسف

صحيح أن الخلافات حول العروبة ليست بجديدة، فالقوميون واليساريون المتحمسون لها يتهمون خصومها بالشعوبية منذ زمن طويل، والمتدينون المتشددون ضدها يرون فيها (شكلا من أشكال الغزو الثقافي الغربي، ونتيجة للدعوات القومية التي نادى بها الغرب والتي تريد تنحية الدين عن واقع الحياة). إلا أن الدعوة للاعتصام بحبل العروبة لم تكن يوما مثيرة للتقولات والخلافات والحزازات كما هي اليوم. لا شك أنه من المبرر أن يكفر السوري بالعملاء والمتصهينين والمتآمركين في البلدان (العربية) التي تمول الإرهاب وتجند الإرهابيين وترسلهم للقتال ضد جيش سورية وشعبها. ولا شك أنه من المفهوم أيضا أن تنعكس سياسات تلك الدول الإجرامية المناصرة للإرهاب سلبا على نظرة بعض المواطنين البسطاء لمفهوم (العروبة).

إلا أنه من غير الطبيعي برأيي أن ينقاد بعض الكتاب والإعلاميين البارزين إلى مواقف انفعالية كهذه. والحق أن دافعي المباشر لكتابة هذا المقال هو قيام إعلامي لا أشك برجاحة عقله ولا بسلامة توجهاته الوطنية بوصف الأمة العربية بأنها (أمة العباءة والخنجر) وقول آخر إن العروبة هي (مجرد وهم صنعه القادة البريطانيون لضرب الإمبراطورية العثمانية).

قد يقول قائل: ما الذي يجمعني أنا السوري مع السعودي؟. صحيح أنه ثمة أشياء كثيرة يختلف فيها أبناء سورية عن أبناء نجد والحجاز، لكن ما يجمعنا بهم أكثر مما يجمع الكثير من أعضاء الاتحاد الأوروبي ببعضهم، فالألماني والفرنسي خاضا حربين عالميتين ضد بعضهما عدا الحروب المتفرقة، ولو دققنا لوجدنا أن أكثر ما يباعد بيننا وبين أبناء نجد والحجاز هو سياسات بني سعود بالدرجة الأولى الذين قطعوا حبل العروبة الذي طالما دعت سورية للاعتصام به.

صحيح أن بعض أولئك الحكام أعطوا طرف الحبل للأعداء كي يتسلقوا بواسطته إلى داخل دارنا ليخربوا بيوتنا ويقتلوا أهلنا. لكن هذا يضعنا في مواجهة سؤالين جوهريين:

هل سوء معظم الحكام العرب يعفينا من الاعتصام بحبل العروبة؟. وهل نستطيع استبدال شقيقنا بواحد أفضل منه عندما ننزعج منه ونكتشف أنه يخدم مخططات أعدائنا؟.

أصارحكم أنني أتمنى أن تكون سورية قوية وأن تعتمد على نفسها وقوة سواعد أبنائها، وألا تعول على مساعدة الحكام (العرب) الذين تآمروا عليها وطعنوها في ظهرها، رغم ذلك فأنا ضد أن تتجاهل سورية عدوها الحقيقي وتستدير لمواجهة الحكام الخونة الذين يفترض بهم أن يكونوا أشقاءها. لأن سورية إذا ما فعلت ذلك تكون قد انساقت لتنفيذ خطة العدو الصهيوني التي كشفها موشيه يعالون وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق إذ قال:

(ليس من المتعة أو السياسة أن تقتل عدوك بيدك، فعندما يقتل عدوك نفسه بيده أو يد أخيه فإن المتعة أكبر، وهذه سياستنا الجديدة أن نشكل مليشيات للعدو فيكون القاتل والمقتول من الأعداء).

لقد سبق لي أن أعلنت مرارا أن الأعراق تفتتنا إلى أقليات وأكثريات، والأديان تفرقنا إلى طوائف ومذاهب وعصبيات، وأن مفهوم العروبة يتسع لنا كلنا، لذا أتمنى على عقلاء هذه الأمة أن يعملوا عقولهم في إعادة صياغة مفهوم العروبة بعيدا عن كل أشكال التعصب العرقي والعنصري والديني.

دعونا نفكر خارج الصندوق، فنحن لسنا عبيد الواقع المر بل أبناء الحلم الحلو، والأحلام لا تعرف المستحيلات.

أما من يريدون الخروج من جلدهم فأقول لهم:

لا أحد يستطيع استبدال والديه وإخوته. وقد صدق أوسكار وايلد إذ قال: (لا أحد غني بما في الكفاية بحيث يستطيع شراء ماضيه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • عن صحيفة (الوطن) السورية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى