نشاطات حزبية

صفوان قدسي في حفل تأبين عمران الزعبي … في التهميش وفي التهشيم

أعترف بأني تأخرت في التعرف عليك، ولكن هذا التأخر في التعرف لا يعني التأخر في المعرفة. والفارق بين التعرف والمعرفة فارق لا تخطئه العين الفاحصة والمدققة. ذلك أن المعرفة قد تسبق التعرف بأشواط قد تمتد إلى سنوات وسنوات. وهذا هو ذاك الذي حدث.

عرفتك محاميا لامعا، وقانونيا متميزا، وفاعلا ومؤثرا في صياغة الدستور السوري الذي يرقى إلى أن يكون في مستوى أفضل دساتير العالم. كما عرفتك من خلال مواقع شغلتها، وإضافات قدمتها، واجتهادات ابتكرتها.

لكني لم أتعرف عليك إلا عندما صرت إلى أن تكون وزيرا للإعلام، في لحظة سياسية وأمنية وعسكرية ضاغطة، تسللت إلى حياتنا وتسربت بفعل أسباب وفيرة أنأى بنفسي عن الكلام فيها، لأنها أسباب معروفة سرعان ما بذلت جهود مضنية لاحتوائها على طريق تلافيها. تابعتك على الفضائية السورية مرات ومرات، فكنت المتفوق وكنت المتألق في مواجهة الإعلام المضاد الذي امتلأت به عشرات الفضائيات التي كانت مهمتها ممارسة الهرطقة الفكرية والزندقة السياسية، فضلا عن القيام بعملية منظمة ومدروسة استهدفت العقل العربي الذي تعرض إلى عملية غسل دماغ مبرمجة فعلت فعلها، ولو بقدر محدود، في إحداث خلل في آلية عمل كيمياء هذا الدماغ وتفريغه من القدرة على التمييز وحسن الفهم والتقدير.

وحين قدَّر صاحب القرار أهليتك وجدارتك بتحمل مسؤوليات وجودك نائبا لرئيس الجبهة الوطنية التقدمية التي وصفها القائد الخالد ذات يوم بأنها الإنجاز الأكثر أهمية من بين جميع إنجازات الحركة التصحيحية، فإن سنتين اثنتين أمضيتهما في هذا الموقع المتقدم، زادتك حيوية ونشاطا، فكان أن بدأت دورة دموية جديدة في جسد الجبهة، وجَّه بها وتابعها ورعاها وأغناها، القائد القادر والمقتدر. ومن هو غير الرئيس بشار الأسد.

كنا نتجالس ونتحادث ونتناقش ونتجادل، نختلف ونأتلف، لكن المحصلة الأخيرة كانت هي أن نتوافق ونتفق في كل ما من شأنه تفعيل هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي، والارتقاء بها إلى حيث ينبغي لها أن تكون، صيغة فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية السورية. وكنا نستذكر تلك المحاولات الساعية إلى تهميش الجبهة على طريق الوصول إلى تهشيمها، والتي بذلها أحد الذين كانوا في قمة المسؤولية، ثم سرعان ما عمد إلى حزم حقائبه وغادر إلى حيث هو الآن، متوار عن الأنظار، بعد أن تقيأ كل ما في جوفه من فضلات وقاذورات.

كنا بصفتنا أمناء عامين لأحزاب عريقة مضى على تأسيسها عقود عديدة من الزمن ولم تزدها الحرب على سورية إلا قوة وصلابة وتمسكا بقناعاتها الفكرية والسياسية، نلتقي في كل أربعاء لقاءات فيها القدر غير اليسير من الجدية والشعور بالمسؤولية، فكان أن تحققت خطوات هامة، في الاتجاه الصحيح، ومنها انعقاد المؤتمر العام العاشر للجبهة في الثامن عشر والتاسع عشر من شهر نيسان الماضي، وكانت لنا جولات على فروع الجبهة في العديد من المحافظات. وكانت له شخصيا لقاءات مع المكاتب السياسية لأحزاب الجبهة، واستمر بعض منها، ومكتبنا السياسي مثال على ذلك، حوالي الأربع ساعات، جرى الكلام فيها والحوار في كل ما هو مجدٍ ومفيد.

وفي خلال توليه مسؤولياته، أمكن القيام بعملية قراءة متأنية لميثاق الجبهة، بحيث تم إدخال تعديلات حيوية على هذا الميثاق، وبحيث أصبح للجبهة ميثاق متجدد، جذوره موصولة بالميثاق الذي قامت على أساسه الجبهة الوطنية التقدمية، وكان ذلك في السابع من شهر آذار 1972، حيث تم إقرار الميثاق المعدَّل والمحدَّث في اجتماع للقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

جملة قصيرة لا تأخذ من وقتكم أكثر من دقيقة، وهي أن الراحل الكبير هو الذي أزال الالتباس بين الجبهة والدستور، حيث ذهب الظن ببعض منا إلى أن دستور عام 1973 هو الذي أسس لقيام الجبهة. لكن الحقيقة التي قام بصياغتها في جملة مفيدة، هي أن الدستور لم يكن مُنشئا للجبهة، وإنما كان كاشفا عن وجودها.

هذا كله ليس رثاء لمن فقدنا، ولا تأبينا لمن آثر مغادرتنا، وإنما هو وقائع وحقائق لا تعتورها أية شائبة، ولا يجادل فيها مجادل.

 

بعض من الكلمة التي ألقاها صفوان قدسي

في حفل تأبين الراحل

عمران الزعبي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق