أبحاث ودراسات

كلام في عروبة المكان والزمان

| صفوان قدسي

(1)

العروبة، ليست مجرد قرار سياسي. إنها، أولا وقبل كل شيء، حقيقة وجودنا القومي. وليس في يد أحد أن يسلب منا هذه الحقيقة أو يسلبنا منها.

ومازلت أذكر كيف أن مفكرا عربيا كتب ذات يوم يقول إنه مهما تكن طبيعة المواقف التي تعترضنا وتتطلب القرار والعمل، فنحن عرب بالمكـان وبالزمـان معـا، بالواقع الحاضر وبالتاريخ الماضي، بالموقع الجغرافي وبالثقافة الموروثة في آن واحد.

يستطيع العربي أن يهاجر إلى أي أرض أراد، لكنه سيظل عربيا بثقافته، بتاريخه، كما هو عربي بانتمائه إلى أبويه، وإنه لمن التناقض أن يتشكك متشكك في وجود الصلة الوثيقة بين حاضرنا وماضينا في الوقت الذي يجري شكه هذا في لغة عربية لم يخلقها لنفسه صباح اليوم، بل جاءته من ماضيه بمفرداتها وطرائق تركيبـها. وليست اللغة رموزا من نوع الرموز الرياضية المجردة، بل إن كل كلمة فيها مشحونة بفكر ووجدان تولد عن فكر أسلافنا ووجدانهم على طول التاريخ. ولو لم يكن في مفردات اللغة وأساليب تركيبها هذه الشحنة العقلية الشعورية، لما استطاع كاتب أن يعبر بها عن فكرة تراوده، أو عن شعور يختلج في نفسه. فأنت مثقف بثقافة عربية موروثة كلما استخدمت اللغة العربية كتابة وكلاما.

(2)

أمعن في الاختزال فأقول إنه ليس لنا خيار في عروبتنا، خصوصا عندما تكون العروبة عروبة زمان ومكان، أي عروبة تاريخ وجغرافيا.

(3)

هناك إذن، بعدان: بعد مكاني وبعد زماني. فأما البعد المكاني، فهو هذا الوجود الجغرافي الذي يقع فوق رقعة محددة من الأرض. وأما البعد الزماني، فهو هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فوق رقعة محددة من الزمان.

الذي يصنع القومية أولا وقبل كل شيء، هو هذا البعد المكاني مضافا إليه ذلك البعد الزماني، أي هذا الوجود الجغرافي متفاعلا ومتكاملا مع ذلك الوجود التاريخي.

(4)

ويروي مفكر عربي معاصر، كيف أن الصدفة أوقعته ذات يوم على مجلة كانت تصدرها آنذاك إحدى الجامعات الأمريكية، فوجد فيها ترجمة إنكليزية لصفحة وردت في كتاب لكاتب عربي، وكانت المادة المنقولة متعلقة بموقف تاريخي من مواقف عمر بن الخطاب، وأراد المترجم الأمريكي أن يوضح المعان للقارئ، فراح يكتب شروحا في الهوامش تبين الخلفية التاريخية الثقافية التي لابد منها للقارىء الأمريكي حتى يتمكن من فهم العبارة المنقولة. فهالته كثرة الشروح التي رأها المترجم ضرورية لذلك. فبينما القارئ العربي تكفيه النظرة الواحدة السريعة إلى ذلك النص فيُلِّم بمعناه، احتاج القارئ الأمريكي إلى عدة صفحات من الشروح الهامشية قبل أن ُيلِّم بذلك المعنى، لأن القارئ العربي ممتلئ بثقافته العربية امتلاء قد لا يشعر به في كل لحظة من حياته، لكنه امتلاء يبتدىء في اللحظة التي يعايش بها الاقدمين عند النظر إلى شيء من مخلفاتهم التي ورثناها. على أن هذه المخلفات الموروثة ليست ترقيمات ميتة من مداد مسكوب على ورق، بل هي معان وقيم، فلا يكاد العربي يطالعها حتى تغدو في عقله وقلبه حياة نابضة، يحسها هو وإن لم يحسها معه سائر البشر أجمعين.

(5)

وحين تكون عروبتنا عروبة مكان وعروبة زمان في آن معا، أي عروبة وجود جغرافي وعروبة وجود تاريخي. وحين يقع هذا التفاعل وذاك التكامل بين المكان والزمان، أي بين الجغرافيا والتاريخ، أي بين الأرض والثقافة، فإن هذه الثقافة تغدو قادرة على مجابهة التحديات.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل مناهضي القومية العربية يعمدون إلى خلق فجوة بين هذين القطبين التي لا تكتمل العروبة بغيرهما.

(6)

إذا كانت عروبتنا عروبة مكان وزمان في آن معا، أي عروبة وجود جغرافي ووجود تاريخي، فإن هذه العروبة تتكامل وتتعاظم عندما تفلح في أن تقيم توازنا دقيقا بين هذا المكان وذاك الزمان.

أحاول أن أكون أكثر وضوحا فأقول إن هذين الوجودين، الوجود الجغرافي والوجود التاريخي، وجودان متكاملان، بمعنى أن الجغرافيا هنا تمنح التاريخ ذلك الامتداد المكاني، في حين أن التاريخ يمنح الجغرافيا هنا ذلك الامتداد الزماني. ولكي يتحقق التوازن المنشود، فإنه ينبغي أن لا يجور أحد الامتدادين على الامتداد الآخر، ولا أحد الوجودين على الوجود الآخر.

بهذا المعنى، يمكن القول إن العروبة الحقة هي التي تجعل العلاقة بين الحاضر والماضي علاقة متحركة بحيث لا يسلب الماضي كل الحاضر، ولا يسلب الحاضر كل الماضي.

(7)

وفي وقت من الأوقات، فإن حياتنا الفكرية والثقافية أذعنت لتأثير تيارين كان من شأن سيطرة أحدها أن يفضي بنا إلى كارثة محققة.

وكان هناك من يقول إن الماضي مقدس، وإن الأولين قالوا الكلمة الأولى والأخيرة، وإنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. وكان هؤلاء ينطلقون من اعتقاد مفاده أنه ما من يوم إلا والذي يليه شر منه. وكان هؤلاء يرون في العودة إلى هذا الماضي خلاصا من كل شرور الحاضر.

وفي مقابل ذلك، كان هناك من يقول إن الحاضر هو المقدس، وإن الأولين لم يقولوا كلمة واحدة صحيحة. وكان هؤلاء ينطلقون من اعتقاد مفاده أن الشر كله في الماضي، وأن خلاصنا إنما يتحقق بالتخلي عن هذا الماضي.

وكان واضحا أن التيارين معا كان من شأنهما أن يضعا الإنسان العربي في حالة من الاستلاب. ذلك أنه حين نسلب الإنسان من ماضيه، فإننا بذلك إنما نسلبه من جذره الثقافي والحضاري. وحين نسلب الإنسان من حاضره، فإننا بذلك إنما نسلبه من حقه في أن يحلم ويتمنى، أي أننا نسلبه من المستقبل ذاته.

(8)

ليس الماضي مقدسا إلا حين تكون استعادته عونا على حاضرنا. لكن الماضي لا يعود مقدسا حين تكون استعادته عبئا على هذا الحاضر.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأمر هنا يتوقف على من يقوم باستعادة الماضي. فحين تكون استعادة هذا الماضي منوطة بمن استقرت في قرارة نفسه قناعة راسخة بأن في هذا الماضي كل ما نحن بحاجة إليه في حاضرنا، فإن هذه الاستعادة تغدو نوعا من الإجهاز على الحاضر والمستقبل في آن معا. وحين تكون استعادة الماضي منوطة بمن استقرت في قرارة نفسه قناعة راسخة بأن في هذا الماضي أشياء كثيرة نحن في حاجة إليها في حاضرنا، لكنها من ذلك النوع الذي ينبغي إن تطرأ عليه تحولات تجعله قادرا على معايشة حقائق الحياة ونوازع العصـر، فإن هذه الاستعادة تغدو كسبا للحاضر والمستقبل في آن معا.

(9)

عروبة المكان والزمان هي العروبة الحقة، لأنها العروبة التي تقيم توازنا دقيقا بين الماضي والحاضر بحيث لا يغدو أحدهما عبئا على الآخر، وبحيث يكون كلاها عونا لنا في بناء مستقبلنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى