أبحاث ودراسات

الثقافة وتركيب كيمياء العقل

صفوان قدسي... أديبا ثم مفكرا

أبادر إلى القول إن أية محاولة لوضع اليد على تضاريس المشهد الثقافي في واقعه الراهن، ينبغي أن تأخذ بالحسبان الحقيقة القائلة إنه يصعب تقسيم الثقافة إلى مراحل لأن هناك تداخلا بين هذه المراحل لا تخطئه العين المدققة.

وفي جميع الأحوال، فإن الحديث عن المشهد الثقافي الراهن لا بد من أن يتواضع بعض الشيء فيكتفي بمجموعة إشارات أو ملاحظات قد يكون من شأنها في نهاية المطاف أن تقول شيئا ما.

الطابع الغالب على المشهد الثقافي في واقعه الراهن هو هذا الاهتمام بالعقائد السياسية والإيديولوجيات السائدة في عالمنا المعاصر.

أحاول أن أقول إن هذه الثقافة تتجه شيئا فشيئا لتغدو ثقافة فكر، بعد أن ظلت لفترة ما ثقافة أدب.

قد يعترض معترض فيقول إن في هذا الكلام فصلا جازما بين الفكر والأدب، وفي هذا الاعتراض قدر من الصواب، لكن من الصواب أيضا أن نقول إنني لا أقيم هذا التمايز بين الفكر والأدب إلا على سبيل تسهيل عملية التصنيف والتحديد.

صحيح أن الأدب، شعرا وقصة ورواية، يتغلب من حيث الكم، على النتاج الفكري العربي، غير أن الصحيح أيضا هو أن العودة إلى أرقام توزيع الكتاب العربي سوف تميط اللثام عن حقيقة ناصعة في وضوحها، وهي أن القارئ العربي بدأ يبحث عن الكتاب الذي يقدم له مادة فكرية، بعد أن استهواه الأدب لسنوات وسنوات.

هل هناك تفسير لهذه الظاهرة؟.

أستطيع أن أجازف فأقول إن هذه الظاهرة إنما هي تعبير عن اعتقاد بدأ يتكون يوما بعد يوم، وهو أن الأدب هم فردي، سواء كان الأمر يتعلق بالقارئ أو بالكاتب، أما الفكر فهو هم جماعي بالدرجة الأولى.

وإذا كان وطننا العربي قد شهد في العقود الأخيرة إفلاس العديد من العقائد والإيديولوجيات الفكرية والسياسية، فإن العقل العربي ما يزال يبحث عن حقيقة يعتنقها ويمنحها إيمانه وولاءه. هناك شك يساور المواطن العربي إزاء العديد من الإيديولوجيات المطروحة عليه، لكن هذا الشك لم يتحول بعد إلى نوع من الإنكار الكامل.

وفي جميع الأحوال، لا يمكن الحديث عن ملامح خاصة بالثقافة في قطرنا، تتمايز وتختلف نوعيا عن الثقافة العربية، ذلك أن الوضع الثقافي في سورية هو جزء من كل شامل هو الوضع الثقافي العربي. وأنا بهذا الكلام لا أنطلق من اعتقادات سابقة على الواقع، وإنما أنطلق من الواقع نفسه الذي يقول بوجود ثقافة عربية واحدة، ولا يقول بوجود ثقافات عربية متعددة، والذي يومئ إلى وجود أدب عربي واحد، وليس إلى وجود آداب عربية.

ومع ذلك، فإنه يمكن الحديث عن ثقافة عربية سورية، وذلك من قبيل الحديث عن الجزء، وليس من قبيل الحديث عن كل قائم بذاته.

الثقافة فعل سياسي، وبهذا المعنى فإن خطورة الثقافة تغدو من النوع الذي لا يمكن التقليل من شأنه، وبهذا المعنى أيضا، فإنه ليست هناك ثقافة محايدة، لأن كل ثقافة إنما توضع في خدمة غرض معين، وهو في الغالب الأعم غرض سياسي بالمعنى الواسع للكلمة.

الثقافة التي هي تعيد تركيب كيمياء العقل. والثقافة هي التي تؤسس، وهذه العملية تحتاج إلى بعض الوقت. فالتحولات الكبرى التي تنجم عادة عن الفعل الثقافي، لا تبدو واضحة للعيان إلا بعد مضي وقت طويل، لكنها غالبا ما تكون تحولات من ذلك النوع الذي يغدو راسخا رسوخا شديدا بحيث لا يمكن زعزعته أو التأثير فيه.

وكما أن هناك ثورة مضادة، فإن هناك ثقافة مضادة، بل إن هذه الثقافة المضادة هي التي تمهد السبيل أمام الثورة المضادة.

من هنا يجب تأكيد أهمية الثقافة بحسبانها، في نهاية المطاف، فعلا سياسيا. بل إنها فعل سياسي حاسم.

هناك أزمة ثقافية في حياتنا العربية المعاصرة.

هذه الأزمة ليست سوى المعادل الموضوعي المكافئ والموازي لمجموعة الأزمات الأخرى، الإيديولوجية والسياسية القائمة في حياتنا. وبهذا المعنى يمكن القول إن أزمتنا الثقافية جزء من أزمتنا الحضارية.

أزمة المثقف العربي هي أنه بدل أن يسهم في صنع الأحداث، وبدل أن يتنبأ بها قبل وقوعها، فإنه يلهث دائما وراءها، بل أن تسارع الأحداث في وطننا العربي يفوق قدرة المثقف العربي على الكشف عن مدلولاتها. وفي العقود الأخيرة، كان الوطن العربي يموج بحركة قومية عربية ثورية، ومع أن المفترض هو أن يقوم المثقف العربي بدور محرض الجماهير ومفجر وعيها، فإن الذي حدث هو أن هذه الجماهير كانت أقدر، بفطرتها وحسها السليم، على استيعاب حركة الواقع السياسي والاجتماعي، من نفر من المثقفين كان يقف مدهوشا مما يجري. وما زلت أذكر نصا لهارولد لاسكي  يقول فيه إن الجريمة التي اقترفها رجال الفكر في أوروبا ليست في أن بعضهم دخل المعركة، بل إن الجريمة شيء آخر تماما، وهي أن معظمهم لم يعلم أن هناك معركة تدور، والذي علم منها، كان على استعداد للانحياز إلى الجانب المخطئ في هذا القتال الدائر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى