مقالات

سامي الدروبي ماذا يبقى منه للتاريخ؟.

صفوان قدسي... أديبا ثم مفكر

عندما شرع الدكتور سامي الدروبي في ترجمة الأعمال الأدبية الكاملة لتولستوي، تساءل الكثيرون عما إذا كانت الحياة سوف تطول بالمترجم بحيث يتمكن من إنجاز هذا المشروع الأدبي الضخم، مثلما فعل مع دوستويفسكي حين قام بترجمة أعماله الأدبية الكاملة في تسعة عشر مجلدا نشرت في القاهرة ابتداء من عام 1967. وكان التساؤل مشروعا، خصوصا وأن أصدقاء سامي الدروبي كانوا يعرفون الكثير عن المرض العضال الذي أمسك بقلبه منذ سنوات، والذي انتهى به إلى نوبة قلبية أفلحت هذه المرة في إنهاء حياته التي استمرت ستة وخمسين عاما، قبل أن ينجز مشروعه الحضاري الماثل في نقل مؤلفات تولستوي الأدبية إلى اللغة العربية، بعد أن أنجز مشروعه الحضاري الأول بترجمة الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي.

وعلى الرغم من أن سامي الدروبي كان يعرف كل شيء عن مرضه، فإن صراعه ضد الموت كان يبدو ماثلا في عدة مشروعات أدبية ضخمة عزم على إنجازها، ومن بينها مشروع بترجمة الأعمال الفلسفية  الكاملة لبرغسون، وهو مشروع كان يمكن فيما لو تحقق، أن يضيف إلى المكتبة الفلسفية العربية رصيدا ضخما، وأن يجعل قامة هذه المكتبة ترتفع عاليا. ولا أعرف ما إذا كان الدكتور الدروبي قد أنجز شيئا من هذا المشروع، وإن كنت قد فهمت بأنه قطع شوطا لا بأس به في هذا المضمار.

ماذا يبقى من سامي الدروبي للتاريخ؟.

يبقى منه الشيء الكثير. يكفي سامي الدروبي أنه ترجم الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي. يكفيه أنه أضاف إلى المكتبة الأدبية والروائية العربية هذه الثروة التي لا تقدر بثمن. يكفيه أنه أتاح لمن لا يستطيع أن يقرأ دوستويفسكي بلغته الأصلية، أو بأية لغة أجنبية، أن يقرأه باللغة العربية منقولا نقلا أمينا ودقيقا وبأسلوب بالغ النصاعة والنقاوة لا يستطيع معه القارئ إلا أن يعجب بهذه القدرة الهائلة على تمثل روح دوستويفسكي ونقلها إلى النص العربي كما لو كان دوستويفسكي قد كتب ذلك كله باللغة العربية أساسا، على الرغم من أن سامي الدروبي ترجم هذه الأعمال عن النص الفرنسي وليس عن النص الروسي.

وقد قرأت في تقديم الترجمة العربية لأعمال دوستويفسكي الأدبية الكاملة عبارة أحسب أنها تعبر عن هذه المزايا جميعها وهي أن الكاتب العربي الذي سيجيء في المستقبل مؤهلا بإتقان اللغتين الروسية والعربية لنقل أمهات كتب الأدب الروسي، سوف يشعر حين يضاهي بين هذه الترجمة وبين الأصل الروسي، أنه ليس عليه أن يعيد الترجمة، وأنه لا يحتاج إلى أكثر من تنقيحات يسيرة يجري بها قلمه على كلمة هنا وجملة هناك.

إنني لا أستطيع أن أتأمل في المكتبة العربية فأجدها خالية من مؤلفات دوستويفسكي الكاملة، أو من أعمال تولستوي الأدبية. ولا أستطيع أن أتخيل جيلنا يمضي من دون أن يقرأ هذين العملاقين قراءة كاملة. وقد كتب ألبير كامو ذات يوم أن تولستوي ودوستويفسكي قد أعطيا أعظم وأحسن ما كانت تملكه روسيا، والروح السلافية لا يمكن أن تفهم جيدا من دون قراءة هذين العملاقين، والتواصل بين الشعوب والحضارات يبدأ أولا من الأدب والفن. وبهذا المعنى يمكن وصف ترجمة سامي الدروبي لدوستويفسكي وتولستوي بأنها عمل حضاري بمعنى الكلمة.

هناك أشياء كثيرة أخرى تبقى من سامي الدروبي. يبقى منه أستاذ الجامعة، ويبقى منه السياسي، ويبقى منه الدبلوماسي، ويبقى منه المفكر. وقبل ذلك كله وبعده، يبقى الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى