أبحاث ودراسات

في العلاقة بين الفكر والأدب

صفوان قدسي... كاتبا ثم مفكرا

يروي المؤلف المسرحي الذائع الصيت (يوجين يونيسكو) في دراسة له حول الكاتب ومشكلاته، الحادثة الآتية: سألني ذات مرة أحد الصحفيين من أمريكا الجنوبية هذا السؤال: ما هو مفهومك عن الحياة والموت؟. وكنت ساعتئذ أهبط من القارب وأنا أحمل حقيبة في كل يد. فوضعت الحقيبتين على الأرض، ومسحت العرق من جبهتي، وسألته أن يمنحني عشرين سنة أفكر فيها في الإجابة التي لا أضمن مع هذا أنني سوف أتمكن من الوصول إليها في ذلك التاريخ.

وقلت له: هذا هو بالدقة السؤال الذي أوجهه لنفسي. وأنا أكتب بهدف توجيهه إلى نفسي. والتقطت حقيبتي وأنا أشعر أني قد خيبت أمله، لأن الناس لا يحملون مفتاحا للكون في جيوبهم أو حقائبهم.

وبصرف النظر عن الطريقة الساخرة التي أجاب بها (يونيسكو) على ذلك السؤال، فإن هناك حقيقة لا يرقى إليها الشك، وهي أن الكاتب ليس مطالبا بأن تكون لديه إجابات جاهزة عن كل الأسئلة. والأدب بصورة عامة، لا يسعى إلى الإجابة عن هذه الأسئلة الكبيرة، وإنما يكتفي بأن تكون له رؤية ما، وهي رؤية لا يعبر عنها الأدب بصيغ مباشرة، لأن هذه هي مهمة الفكر ووظيفته في الأصل والأساس، وإنما يعبر عنها بما يتفق وطبيعة الأدب، وهي طبيعة تقتصد قدر الإمكان في تقديم إجابات مباشرة، أو في الإعلان عن مواقف صريحة تفصح عن نفسها بأصوات عالية النبرات.

وإذا كانت ثمة علاقة وثيقة بين الفكر والأدب، فإن الفكر والأدب يفترقان من خلال الأساليب والأدوات التي يستخدمانها، بحسبان أن الفعالية الأدبية تتجلى عبر أشكال فنية ومضامين لا تخاطب القارئ بطريقة مباشرة، في حين تتجلى الفعالية الفكرية من خلال أسلوب التعامل المباشر مع القارئ. ومعنى ذلك أن وسائل الاتصال بالقارئ تختلف بين الفكر والأدب.

وفي الحقيقة، فإن الأدب يتردى في هوة الابتذال وفقدان الملامح إذا لم يكن يصدر عن مواقع فكرية. وبعبارة أكثر دقة وتحديدا، فإن الأدب العظيم هو (ثمرة من ثمرات التأمل الفلسفي).

أي أنه ما من عمل أدبي عظيم إلا وله رؤيته الشاملة للكون والعالم والحياة والإنسان، غير أن من المتعذر أن نقف هذا الموقف التوفيقي أو التلفيقي فندعي أن الأدب والفكر، أو الأدب والميتافيزيقا بمعنى أشمل، هما من نسيج واحد، ذلك أن الأدب أقرب إلى أن يكون ذاتيا، في حين أن الفكر بطبيعته موضوعي. وكما تقول (سيمون دوبوفوار) في دراستها الممتازة عن الأدب والميتافيزيقا، فإن مهمة الكاتب ليست في أن يستغل على صعيد أدبي حقائق مقررة مسبقا على الصعيد الفلسفي، بل إن مهمته هي أن يصور مظهرا من التجربة الميتافيزيقية لا يمكن أن يصور بطريقة أخرى، أعني طابعها الذاتي، الفريد، الدراماتيكي. ولما لم يكن الواقع يعرف بأنه قابل لأن يفهمه العقل وحده، فإن أي وصف عقلي لا يستطيع أن يقدم عنه تعبيرا مطابقا له. لذلك ينبغي أن نحاول تمثيله بتمامه. كما يتمثل في العلاقة الحية التي هي عمل وعاطفة قبل أن تتحول إلى فكر.

يكتب (رينيه ويليك) و(أوستن وارين): (من المؤكد أن بالإمكان معالجة الأدب كوثيقة في تاريخ الفلسفة والأفكار، لأن تاريخ الأدب يوازي ويعكس تاريخ الفكر. وفي الغالب فإن التصريحات الواضحة أو التلميحات تظهر انتماء الشاعر إلى فلسفة بذاتها، أو تبرهن على أن له صلة مباشرة بالفلسفات المعروفة جيدا، أو على الأقل أنه يعرف منطلقاتها العامة).

غير أن مؤلفي كتاب (نظرية الأدب) يسارعان إلى إثارة مسألة ما إذا كانت ثمة مبالغة ما في الحديث عن وجود علاقة وثيقة بين الفكر والأدب، وهما يكتبان في هذا الصدد: (إن التكامل الوثيق بين الفلسفة والأدب غرّار في أغلبه، كما أن المجادلات التي تدور في صالحه قد بولغ في قيمتها لأنها قامت على دراسة الإيديولوجيا الأدبية، وعلى الإقرار بالمقاصد، وعلى برامج استعارات بالضرورة من الصيغ الجمالية القائمة، ولو أنها لا تثبت إلا صلة واهية مع الممارسة الفعلية للفنانين. هذا الشك في التكامل الوثيق بين الفلسفة والأدب لا ينكر طبعا وجود صلات متعددة، بل حتى أنه يرجع توازيا معينا تقويه خلفية اجتماعية مشتركة في زمن ما، ومن ثم تأثيرات مشتركة تقع على الأدب والفلسفة. ولكن حتى في هذا المجال، قد يكون في افتراض أرضية اجتماعية مشتركة تغرير فعلي، فغالبا ما تعهدت الفلسفة طبقة خاصة قد تختلف أشد الاختلاف عمن يقرضون الشعر، سواء في أصولها الاجتماعية أو انتمائها فقد تلازمت الفلسفة مع الكنيسة والأكاديمية أكثر من الأدب بكثير. إن لها تاريخها وديالكتيكها، شأنها في ذلك شأن الفعاليات البشرية جميعها، ويبدو لنا أن فرقها وحركاتها ليست وثيقة الصلة بالحركات الأدبية كما يفترض العديد من بحاثي روح العصر).

وبطبيعة الحال، فإن هذا النص لا يفيد بأن كتاب (نظرية الأدب) يلغي فكره وجود علاقة وثيقة بين الفكر والأدب. ففي مكان آخر نقرأ ما يأتي: (يجب أن لا يستهان بقيمة ما تقدمه معرفة تاريخ الفلسفة أو الفكر العام من أجل تأويل نص شعري، يضاف إلى ذلك أن تاريخ الأدب- وخاصة حين ينشغل بكتاب من أمثال باسكال وأمرسون ونيتشه- يضطر إلى معالجة مشكلات تاريخ الفكر. والواقع أن تاريخ النقد بكل بساطة جزء من تاريخ الفكر الجمالي على الأقل إذا عولج بذاته دون الرجوع إلى العمل الإبداعي المتعاصر معه).

غير أن الحقيقة الأكثر وضوحا في هذا المضمار، هي أن العلاقة بين الفكر والأدب تكاد أن تكون علاقة غير مباشرة، بمعنى أن هذه العلاقة، على الرغم من كونها علاقة وثيقة، تترك مساحة من الأرض يقف عليها الأدب مستقلا عن الفكر ومتميزا عنه بخصائص تجعله حقيقة قائمة في حد ذاتها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الأدب، لكي يظل أدبا، يحاول الابتعاد عن التصورات الفعلية المجردة التي هي إحدى خصائص ومميزات الفكر والفلسفة.

يكتب (لوسيان غولدمان): (إن المذاهب الفلسفية، وكذلك الأعمال الأدبية الكبيرة، هي في جوهرها تعبيرات عن رؤية للعالم. ولكن، ثمة خلاف أساسي بين الأعمال الأدبية والفكر الفلسفي، فالأعمال الأدبية العظيمة تعبر في الواقع عن رؤية المعالم من خلال مواقف وشخصيات وأشياء وكلمات وألوان، وليس من خلال تصورات مجردة. بينما نجد على العكس من ذلك أن المذاهب الفلسفية الكبرى إنما تتبلور من خلال التصورات العقلية، ولا تحتاج قط إلى الحقائق الفردية. هناك (الموت) في عمل باسكال، ولكن ليس هناك غير (فيدر التي تموت) في مسرحية راسين. وأعتقد بناء على ذلك أن الترجمة الصحيحة لكل عمل أدبي كبير، إلى شكل من أشكال التصورات العقلية، تشكل رؤية إجمالية وشاملة للعالم. وهذا يعني رؤية فلسفية له. وكل صور النقد التي تترجم الأعمال الأدبية إلى هذه التطورات العقلية الخالصة، لا تحصل إلا على مواقف أخلاقية أو نظرية أو سيكولوجية أو اجتماعية فحسب، ولا شك أنها تستخلص أشياء موجودة في واقع العمل بالطبع، ولكن هذه الأشياء ليست سوى جزء من هذا العمل فقط، ومن ثم فإن هذه الصور النقدية تخطئ في إدراك الطابع الخاص للعمل الأدبي، النوعي والجمالي، وكذلك رحابة أفقه العقلية. وما دام كل نقد، بصرف النظر عن اتجاهه، ليس سوى حديث تصوري، أي حديث من خلال التصورات والمفاهيم العقلية، فإننا نجد أنفسنا دائما بإزاء فكرة تصورية عن عمل أدبي أو فني لا يتضمن- إن كان عملا صحيحا- أية تصورات مجردة).

وفيما يتعلق بالعلاقة بين الفكر العربي والأدب العربي، فإن السؤال هو، ما هي حدود هذه العلاقة القائمة أو المدعاة؟. وفي الحقيقة، فإن الإجابة عن هذا السؤال تبدو غاية في الصعوبة بسبب جملة اعتبارات. وربما كانت الإجابة عن التساؤل التالي مدخلا إلى الإجابة عن التساؤل الأول، هل ثمة فكر عربي معاصر؟. أي هل ثمة فكر عربي متميز ومتفرد؟. أم أن الفكر العربي المعاصر هو رجع صدى الفكر الغربي فحسب؟.

والحقيقة هي أن الفكر العربي المعاصر ليس مطالبا باجتياز مثل هذا التميز، إذا فهمنا كلمة التميز على أنها انقطاع عن كل ما حوله، واتصال بذاته فحسب. ما من فكر في العالم كله يمكن أن ينقطع عن كل ما حوله، وأن يتصل بذاته فحسب. ذلك فكر لا يليق بعالم يعيش ثورة في وسائل المواصلات وفي أدوات الاتصال، ولا يليق بعالم سقطت فيه كل الأسوار العالية ولم يعد فيه متسع لسر من الأسرار.

غير أن الفكر العربي المعاصر مطالب بأن لا يكون مجرد صدى لغيره. أي أنه مطالب بأن تكون له شخصيته الخاصة، وأن يكون التعبير الحي عن الواقع العربي وليس عن أي واقع آخر على اتساع العالم ورحابته، وأن يكون الصوت الذي ينطلق بما هو عربي حقا والذي يفصح عن الشخصية العربية القومية.

ولعل هذا أن يطرح التساؤل الآتي: أي شيء هي هذه الشخصية العربية القومية؟. ما هي ملامحها وقسماتها؟. والإجابة عن هذا التساؤل ليست بمثل السهولة المدعاة. وحتى الآن، لا تكاد توجد محاولة في هذا المضمار. وباستثناء محاولة الدكتور (جمال حمدان)، في كتابه الممتاز (شخصية مصر… دراسة في عبقرية المكان)، وهي محاولة تستحق اهتماما خاصا، لا بحسبانها المحاولة الأولى في هذا المضمار فحسب، وإنما أيضا لأنها تضع يدها على حقائق بالغة الأهمية، وهي محاولة تقوم على ما يسمى بـ(الجيوبوليتيك)، أي علاقة السياسة بالموقع، وعلاقة التاريخ بالجغرافيا. باستثناء هذه المحاولة، فإن الشخصية العربية ما تزال بعيدة عن الدراسات التي تستهدف رسم خريطة لها تبين خصائصها وملامحها الخاصة وتحدد موقعها التاريخي والجغرافي والحضاري.

ولعل في نكسة حزيران ما يحمل على الاعتقاد بضرورة رسم هذه الخريطة. ذلك أنه إذا كانت لنكسة حزيران فضيلة ما، فإن فضيلتها الكبرى هي أنها هزت الوجدان العربي من الأعماق، ووضعت الإنسان العربي أمام الحقيقة الخالصة والعارية، وهي أن وجوده مهدد، ولا شيء غير ذلك على الإطلاق. وحقيقة كهذه لن تكف عن أن تحدث في الشخصية العربية تحولات حاسمة.

لقد عاش هذا الجيل منذ النكبة الأولى في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، أسيرا لرؤية حالمة، كل ما فيها أن معجزة ما سوف تتحقق لا محالة. وكان انتظاره أشبه بانتظار (فلاديمير) و(ستراغون) في مسرحية (بيكيت) الذائعة الصيت (في انتظار غودوت). إنهما ينتظران (غودوت) الذي لا يأتي على الإطلاق.

وإذا كان هذا الجيل قد ترجم مأساته بهذه الممارسة الممضة لعملية الانتظار، فإن أشواقه لم تكن أسيرة وضع عاجز. كان جيلنا دائما بقرب الانتصار الذي لا يأتي، ولعل هذا هو سر مأساته الكبرى، أن يرى نفسه على عتبة النصر ثم لا يأتي ذلك النصر. ومع ذلك، فقد كانت حكمته دائما من نوع تلك الحكمة التي تعبر عن نفسها في حوار يجري بين الأم وابنها (توم) في ملحمة (شتاينبك) الخالدة (عناقيد الغضب)، والتي تقول فيها الأم لابنها: مهلا، لا بد أن تعتصم بالصبر. ألا ترى يا (توم) أننا نحن الشعب سنعيش ونعيش بعد أن ينتهي كل هؤلاء؟. إنهم لن يستطيعوا إبادتنا. نحن باقون. ويجيبها (توم) قائلا: ولكنهم لا يكفون عن ضربنا. فتقول الأم: نعم، أعلم ذلك، ولكن ربما كان هذا هو سر قوتنا. لا تحزن يا (توم) سيأتي حال بعد حال. ويسألها (توم): وكيف عرفت؟. فتجيبه لا أعرف كيف، ولكن سيأتي حال بعد حال.

هل يعني ذلك أن النكسة قد مست بالفعل الشخصية العربية وأحدثت فيها تحولا سياسيا؟.

الشخصية القومية لا تتحول جذريا بين لحظة وأخرى، وهي في تحولها الثوري تحتاج إلى فترة زمنية أطول مما نقدر ونحسب.

ومهما كان عمق النكسة أو النكبة، فإنه لا بد لكل تحول ثوري في الشخصية القومية من فترة زمنية تجري خلالها عملية إنضاج هذا التحول.

وإذا كانت ثمة قيم جديدة في حياتنا العربية المعاصرة، وإذا كانت هذه القيم قد ولدت بفعل النكسة، فليس ذلك سوى إرهاص بتحول انقلابي في الشخصية العربية، وليس هو التحول نفسه. ذلك أن هذا التحول ينبغي أن يكون من العمق بحيث يتحقق على مستويات وأبعاد متعددة، وإلا فإن هذا التحول إذا لم يكتسب عمقه المطلوب، يمسي مجرد غطاء جديد للشخصية القديمة، ولا يكون ثمة تحول على الإطلاق.

وأكثر من ذلك، فإن الشخصية القومية لأمة من الأمم تملك ثباتا نسبيا، بحيث أن أي تحول انقلابي يستدعي شروطا لا بد من توفرها قبل تحقيق هذا التحول. بمعنى أن هذا الثبات النسبي يظل قادرا على الاحتفاظ بطبيعته إذا لم تتوفر شروط محددة تدخل على هذه الطبيعة عناصر جديدة بحيث يتحقق من خلالها ذلك التحول الذي يضفي على الشخصية القومية صفات جديدة.

وعلى الرغم من أن هذا ليس بحثا في الشخصية القومية، فإن هذه المسألة بالذات تفرض نفسها بحسبان أن الحديث عن واقع الفكر العربي المعاصر من خلال الأدب يستدعي بالضرورة حديثا آخر عن الشخصية القومية، ويثير بالتالي سؤالا حول ما إذا كان الأدب العربي المعاصر قد جسد هذه الشخصية في نماذج إنسانية، وفي مضامين أدبية تفصح عن هذه الشخصية وتكشف عن ملامحها وتنبئ عن واقعها.

وفي الحقيقة، فإن الأدب العربي المعاصر يحاول استكشاف ملامح هذه الشخصية وأبعادها، من خلال تقديم جوانب معينة من هذه الشخصية في حقيقتها الراهنة. ولعل نجيب محفوظ في كل ما يكتب يقوم بهذه المحاولة، والنماذج البشرية التي يقدمها في رواياته وقصصه القصيرة يمكن أن تُعدَّ ممثلة لذلك بشكل من الأشكال.

ولعل أديب نحوي، هو الكاتب الأكثر تعبيرا عن محاولة الأدب استكشاف جوانب معينة من الشخصية العربية الشعبية، ذلك أنه في معظم ما يكتب يحاول أن يتلمس ملامح الشخصية الشعبية من خلال واقعها المحلي في حلب بالذات. غير أن حلب ليست أكثر من البيئة التي تعيشها هذه الشخصية. أي أنها ليست حلب بالذات، وإنما هي أية مدينة عربية أخرى تفوح من أحيائها هذه النكهة الخاصة التي تحس بها في قصص أديب نحوي.

غير أن ثمة ملاحظة تستحق اهتماما خاصا، وهي أن الشخصية العربية التي يحاول الأدب العربي المعاصر استكشاف ملامحها، إنما هي الشخصية العربية في حقيقتها الراهنة وليس في صورتها المثالية، في واقعها وليس في نموذجها المنشود، في لحظتها الراهنة وليس في لحظة اكتمالها ونضجها.

ومن هنا يمكن القول إن الشخصية العربية في الأدب العربي المعاصر ليست واحدة، وذلك بفعل تعدد الكيانات والأقاليم العربية، هذا التعدد الذي يحاول أن يكرس مفهوم الشخصية الإقليمية المنقطعة عن الشخصية القومية.

تعدد الأقاليم العربية، وتعدد الكيانات العربية، يصنع نوعا من التعدد في الشخصية العربية. ولعل الشخصية العربية في نموذجها الأمثل، لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار الكيان العربي الحضاري الواحد، أي في إطار الدولة العربية القومية.

ومرة أخرى، هل ثمة فكر عربي معاصر؟. أي هل ثمة فكر عربي متميز ومتفرد؟. أم أن الفكر العربي المعاصر هو رجع صدى الفكر العربي فحسب؟. ومن خلال الإجابة عن هذا السؤال، يمكن تحديد مدى ارتباط الأدب العربي المعاصر بالشخصية العربية.

وفي الحقيقة، فإن الفكر العربي المعاصر يحاول أن يجتهد، أي يحاول أن يبحث لنفسه عن هوية خاصة. لكن محاولته تلك ما يلبث تأثيرها أن يضعف، بما يتلقاه الفكر العربي المعاصر من تيارات الثقافة العالمية. ولأننا لا نريد، ولا نستطيع، أن نسد النوافذ والأبواب في وجه هذه التيارات، فإن النتيجة دائما هي أن يجد الفكر العربي المعاصر نفسه في مواجهة ريح عاصفة تكاد من شدتها أن تقتلعه.

ولعل التيارات الفكرية الرئيسية التي تركت بصمات أصابعها على الفكر العربي المعاصر، ومن ثم على الأدب، هي الماركسية والوجودية والفرويدية، بنسب وحجوم متفاوتة.

وعلى سبيل المثال، فإن الماركسية بحسبانها تيارا فكريا يحاول أن يشمل بتفسيره كل شيء، ويحاول أن يبسط ظله على امتداد العالم واتساعه، وجدت في الفكر العربي المعاصر استجابات لا تخطئها العين المدققة. وبطبيعة الحال، فإن الماركسية كانت لها دائما نظريتها في الأدب، تلك النظرية التي وجدت معادلها التطبيقي المنشود في الواقعية الاشتراكية. وقد انعكست هذه النظرية على الأدب العربي في الخمسينات بحيث أصبحت تمثل تيارا أساسيا. ويكاد النتاج القصصي العربي في تلك المرحلة أن يكون من صنع هذا التيار.

وفي مقابل ذلك، كانت التطبيقات الأدبية للتيار الوجودي في الفكر الأوروبي قد بدأت تصل تباعا، وكانت مؤلفات (سارتر) و(كامو) القصصية والروائية تتاخم الأعمال القصصية والروائية العربية. وأصبح لدينا (ميرسو) عربي متطابق الملامح والقسمات مع (ميرسو) الفرنسي. وتعددت المحاولات القصصية والروائية التي تفيض بالحديث عن الغربة والعبث والضياع والانخلاع عن الواقع. ولم يكن الأمر مجرد ظاهرة فردية، فلقد اتسعت هذه الظاهرة لتشمل عددا غير محدد من الكتاب الذين وجدوا فيما يسمى بالقلق الوجودي شيئا جديرا بالاحتفاء والتكرار بطريقة لا يعوزها الابتكار في بعض الأحيان.

لكن المشكلة في الأساس ظلت ماثلة في أن هذا النوع من الأدب هو خلاصة حياة مضطربة كانت تعيشها أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وخلاصة وضع معين يحاول فيه الإنسان الأوروبي أن يبحث عن مصيره في عالم سقطت فيه كل القيم، وخلاصة أزمة حضارية تمر بها أوروبا وتفصح عن نفسها في أعمال أدبية وفنية ترفض العالم وتبحث عن خلاص الإنسان.

ولم تنج الأعمال الأدبية العربية من اكتشافات (فرويد) في علم النفس. وعلى الرغم من أنه لا يوجد عمل أدبي بعينه يمثل هذا التيار، إلا أنه يمكن القول إن أعمالا أدبية عديدة تأثرت، بنسب متفاوتة بهذا التيار.

وفي الحقيقة، فإن تأثير هذه التيارات على الفكر العربي المعاصر، وبالتالي على الأدب العربي المعاصر، لم يكن عفويا. بمعنى أنه لم يكن نتيجة تفاعل بين هذه التيارات وبين الواقع العربي. كان الفكر العربي يشعر بالخواء، ووجد في هذه التيارات الفكرية ما يملأ هذا الخواء، بصرف النظر عما إذا كانت هذه التيارات الفكرية تعبر تعبيرا أصيلا عن حياتنا وواقعنا، وبصرف النظر عما إذا كانت هذه التيارات الفكرية تملك مقدرة طرح مشكلاتنا، وبصرف النظر عما إذا كانت هذه التيارات الفكرية تستطيع أن تجيب عن الأسئلة المطروحة.

وباختصار شديد، فإن محاولة ملء هذا الخواء أفضت في نهاية المطاف إلى استبدال خواء بخواء جديد، لأن الأفكار في القطب الشمالي تذوب وتتبخر عندما تنتقل إلى خط الاستواء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى