أبحاث ودراسات

النظرية الاجتماعية عند ماركيوز

ماركيوز فيلسوفاً ومفكراً ...الإنسان ذو البعد الواحد

| ريتشارد جودوين – عرض وتلخيص: حسني تمام

ولد هربرت (ماركيوز) في برلين عام 1898، لأبوين على قدر من الثراء. وقد درس الفلسفة، وحصل على درجة الدكتوراة وهو بعد في الرابعة والعشرين من عمره.

وكان أول مؤلف كبير (لماركيوز) هو (الأنطولوجيا عند هيغل) الذي نشر بالألمانية عام 1932 ولم يترجم حتى الآن. وكان أول كتاب له بالإنكليزية هو كتاب (العقل والثورة) عام 1941، وفيه قدم دراسة لموقف هيغل الثوري. وفي عام 1955، أصدر (ماركيوز) كتاب (أيروس والحضارة) الذي وصفه بأنه (بحث فلسفي في معنى الفرويدية للفهم الاجتماعي). وفي عام 1958، أصدر كتاب (الماركسية السوفيتية) ندد فيه بوحشية الماركسية كما طبقت تحت حكم ستالين. أما أوسع كتبه انتشارا وأكثرها شهرة فهو كتاب (الإنسان ذو البعد الواحد) وهو نظرة متشائمة لحالة الإنسان في المجتمع التكنولوجي الحديث، وقد صدر عام 1946.

يبدو ذلك الفيلسوف، في صورة الشخص الذي لم يدخر وسعا من أجل تحديد معالم الطريق نحو ثورة فكرية اجتماعية جديدة. إلا أن ذلك لم يحل دون تعرضه لهجوم فريق من المفكرين كان يوجه له نقدا حادا، فلا يتردد في أن يتهمه بأنه يناقض ذلك تماما، ومن ثم فحتم على من يحاول أن يدرس فكر هربرت ماركيوز، ويتناوله بالتحليل والتقييم أن يكون على درجة كبيرة من الانتباه والحذر، ذلك لأن أي قصور أو خطأ قد يتعرض له الباحث أو الناقد في هذا الصدد، قد ينتهي به إلى نتائج غير صحيحة. وهنا ينبغي أن نطرح هذا السؤال: في أي جانب فكري يقف هربرت ماركيوز؟.

من الواضح أن تصور (ماركيوز) لعالم الأشياء والطريقة التي يعالج بها القضايا الإنسانية إنما تجعل المرء يعاني كثيرا من أجل تقييم هذا الفيلسوف تقييما عادلا صحيحا. فأسلوبه هنا إنما هو مزاج من التعقيد الشديد، ولهجة التأكيد القاطعة الجامدة. كما أنه لا يخلو من خلط بين النتائج الميتافيزيقية، والعبارات الخبرية التقريرية. ونلاحظ فوق ذلك أنه كثيرا ما ينأى عن المنطق التاريخي والشواهد المحسوسة حين يعرض لأمر من الأمور، وقد فاته أنهما يمثلان المصدر الحقيقي لكل فهم ومعرفة. فمثلا، حين يتحدث عن القوة المخيفة للتكنولوجيا الحديثة، نراه يغفل عن ذكر تلك الوقائع التي تتعلق بالملاحظة التجريبية، كما أنه من النادر أن يقدم بعض الأدلة التي تدعم وجهة نظره في هذا الشأن. وواضح أن ماركيوز إنما هو مفكر يكتب عن مشاكل المجتمع الصناعي الحديث، ومع هذا، فهو نادرا ما يشير إلى دولة صناعية كبرى مثل الولايات المتحدة. كما أنه لا يذكر مطلقا أنه أجرى ملاحظات إضافية عن هذا المجتمع وعن طبيعة شعبه وثقافته. والحق أن هذا لا يؤدي إلى خطأ النتائج التي توصل إليها فحسب، وإنما يمثل ثغرة خطيرة في تقاليد النقاد الاجتماعيين، ابتداء من ماركس حتى س. رايت ميلز، الذين كانوا يبذلون جهودا مضنية في تجميع المعلومات عن المجتمع الذي يفكرون في تغييره.

ويدين ماركيوز بمنهج فلسفي ثابت هو منهج الديالكتيك أو قل (قوة التفكير السلبي)، وهو مستمد من الفكر الهيغلي والماركسي. وقد التزم (ماركيوز) بهذا المنهج وقام بتطبيقه في مجال القضايا الاجتماعية والإنسانية، ويمكن التعبير عن تصور (ماركيوز) للعالم على النحو الآتي: كل ما هو واقعي موجود، وما التاريخ إلا سجل لنضال الإنسان من أجل البقاء، ضد الطبيعة وضد صنوف القهر في المجتمع الإنساني. إن الصراع من أجل البقاء إنما هو قدر الإنسان المحتوم الذي لا فكاك منه ما دام قد اختار أن يعيش حياة متحررة، خالية من التبعية، والقسوة،والسخرة والقهر. إن مثل هذه الحياة هي ما نعنيه بالحرية، تلك الحرية التي يمكن للمرء أن يحقق في ظلها إمكاناته ومطامحه. لكن إذا كان ذلك جائزا في عالم الفكر النظري فإنه يتعذر تحقيقه في عالم الواقع، ذلك لأن هناك هوة سحيقة تفصل دائما بين إمكانات الوجود الإنساني وطبيعة الواقع الاجتماعي. ومن الواضح أن المفكر الجدلي يبحث عن طبيعة تلك الهوة. لكنه لا يتصرف هنا كمصلح ليبرالي يركز اهتمامه على طرق تحسين النظام الاجتماعي. إنه ينقد، ويهاجم محاولا اقتلاع تلك الهنات التي تصيب واقعه بالضعف والاعوجاج، وهو يسعى جاهدا من أجل خلق مجتمع جديد يخلو من تلك الفروق التي تفصل بين الإمكانية والواقع، تلك التي تعني في أي مجتمع أن الإنسان ليس حرا، وأن وجوده ليس عقليا. إن هذا (اللامعقول) يتخلل بنيان المجتمع كله، ويؤثر في كل عمل وفكر، ومن ثم فإن كل الأقوال الدارجة عن الواقع تتضمن نقيضها. وعلى سبيل المثال، فإن عبارة (إن الإنسان يمتلك بعض الحقوق التي لا يمكن الانتقاص منها) تعني أيضا أن الإنسان ينبغي أن يمتلك بعض الحقوق التي لا يمكن الانتقاص منها، ولكنه في الواقع محروم من هذا.

إن ماركيوز إنما يطبق في أكثر انتقاداته فعالية المنهج الجدلي وتكتيك التحدي في معالجته للأفكار الأكاديمية التي تتضمن (العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والفلسفة الوضعية)، ومن الواضح أن اعتراض (ماركيوز) على كثير من الفكر الحديث هو أن هذا الفكر لا يعدو أن يكون فكرا صوريا وصفيا ينحصر في حدود الخبرة الإنسانية الضيقة.

ومن بين الصعوبات التي يتعرض لها من يدرس النظرية الاجتماعية (لهربرت ماركيوز) أن مؤلفه وهو (مقال عن التحرر) يبدو غير متماسك إلى حد ما، كما أنه لا يخلو من نبرة التشاؤم.

غير أن ماركيوز يعثر آخر الأمر على أمله الثوري المتمثل في قوة العالم الثالث، التي تواجه القوة الإمبريالية التي تمثلها الولايات المتحدة. ويمكن القول إن (ماركيوز) بذلك قد صار بطلا للعالم الثالث على غير انتظار. صحيح أنه أمر طبيعي أن يحس الفيلسوف الذي تجاهله الناس عشرات السنين بالرغبة في ربط عمله الفكري بنموذج حي يمكن استلهامه من قوة فكرية قد اكتشفت حديثا. غير أن ذلك، ومع ذلك فإنه من الإجحاف أن نقلل من قيمة فكر (ماركيوز) ونسخر منه، ذلك لأن مؤلفاته (بشكل عام) تعكس بالفعل بنيانا متماسكا نسبيا، كما أن كثيرا من الأفكار التي قد تبدو في تصورنا جديدة، نجدها متضمنة بوضوح وبالضرورة في أعماله الفكرية السابقة.

وسواء كان الإنسان يتفق أولا مع جوهر انتقاد (ماركيوز) للعلم الاجتماعي الحديث والفلسفة الحديثة، فإن استخدامه للجدل يلقي أمامه الضوء على تفاهة كثير مما تقوم به الأكاديميات.

لقد قام البروفيسور ماركيوز بوصفه مفكرا مخلصا للجدل بتحديد صفة المجتمع الجديد على ضوء الإمكانيات الواقعية المتاحة عند المستوى المتحقق من الثقافة المادية والذهنية. فيقول ماركيوز إن الناس وقد حررتهم التكنولوجيا من الحاجة التقليدية للعمل من أجل الحصول على الضروريات، سيكون لديهم الوقت والرغبة في تطوير (فن الحياة). أما ما يعنيه ماركيوز بهذا، فيظهر بصورة أوضح في اتهامه لأمريكا المعاصرة، حيث يشهد اتحاد الإنتاجية المتزايدة مع التدمير المتزايد، والاتجاه نحو الإبادة، وخضوع الفكر والأمل والخوف لقرارات القوى المسيطرة والإبقاء على الفاقة في مواجهة الثروة التي لم يسبق لها مثيل. ويستطيع الإنسان أن يضيف إلى قائمة اتهامات ماركيوز قائمة اتهاماته الخاصة مثل: تدمير البيئة الطبيعية، والانهيار الروحي بواسطة المدنية الحديثة، وتفكك روابط المجتمع والأسرة وما إلى ذلك.

ووفقا للتقليد الماركسي، يرى ماركيوز أن الأصل التاريخي للتناقض الاجتماعي هو الحاجة إلى العمل لتوفير ضرورات الحياة الأساسية. ويقول ماركيوز: (إن الفلسفة تستهدف تحقيق المساواة للإنسان، ولكنها تخضع في الوقت نفسه للإنكار الواقعي للمساواة لأنه في الواقع المعين، يشكل الحصول على الضروريات الشغل الشاغل للأغلبية. كما أنه ينبغي الحصول على الضروريات وتقديمها حتى يمكن للحقيقة (وهي التحرر من الضروريات المادية) أن تكون). وعلى ذلك فكلما تقدم المجتمع استطاع أن يحقق مقدرة متزايدة على مواجهة احتياجات أعضائه، وهكذا يصبح أكثر كفاية وإنتاجية. وبالتدريج تصبح الطبقات الكادحة مدركة للتناقض الموجود بين المقدرة على تحقيق حياة أفضل وواقعها الذي تعيش فيه. ويؤدي هذا الإدراك إلى زيادة وعيها لبناء مجتمع أفضل. ويقول البروفيسور ماركيوز إن المجتمع الصناعي المتقدم أقوى إلى حد يمنع تطور (الوعي بالعبودية) فقد كون هذا المجتمع مقدرة رهيبة تجعل أعضاءه يريدون ويحسون بالحاجة إلى منتجاته ومنجزاته. وهكذا فهم من حيث الواقع، وبصورة زائفة، يوافقون على النظام الذي يشلهم، ويجدون عزاء وهميا في السلع التي ينتجها، بل هم قد يهللون ويرحبون بتدميرهم. إن الاحتياجات (الحقة) للإنسان هي تلك التي تزيد من تطوره كإنسان حر. وهكذا استطاع هذا المجتمع من خلال فعاليته وإنتاجيته أن يجعل الناس يريدون ما يقدمه لهم من سلع وحريات. ويبلغ هذا التعليم قدرا من النفاذ والانتشار إلى حد أنه وصل إلى غرائز الإنسان (وتكوينهم البيولوجي)، محولا طبيعته إلى أداة لقهر ذاته. وهكذا خلق أعضاء هذا المجتمع (وعيا سعيدا يسهل عليهم قبول انحرافات مجتمعهم)، وتشكل فكرة (الوعي السعيد) هذه جزءا جوهريا من فكر (ماركيوز) الاجتماعي، فعلى أساس هذه الفكرة ترتكز تبريراته لعدم التسامح والحاجة إلى خلق إدراك إنساني جديد، وطبيعة إنسانية جديدة، وإنسان جديد أصلا.

وربما كان أوضح تلخيص لفكرة قوة (النظام)، هو ما ورد في مقدمة عام 1968 لكتاب (النفي) إذ يقول (ماركيوز): (لقد غدت الإرادة الشاملة ضرورية اليوم، كما أن وسائلها متاحة، من إرضاء الجماهير، وأبحاث السوق، وعلم النفس الصناعي، ورياضيات الكومبيوتر، وما يسمى علم العلاقات الإنسانية. فكل هذه تتكفل بتحقيق الانسجام الأوتوماتيكي التلقائي الديمقراطي غير الإرهابي بين الفرد واحتياجاته ومتطلباته الضرورية اجتماعيا. إنها تتضمن الانتخاب الحر للأفراد والسياسات الضرورية لاستمرار وجود هذا النظام وتطوره. إن الإلغاء الديمقراطي للفكر، وهو ما يتعرض له (الرجل العادي) بصورة أوتوماتيكية وينفذه (في العمل وفي استخدام جهاز الإنتاج والاستهلاك والاستمتاع به)، يتم في التعليم العالي عن طريق الاتجاهات الوضعية في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، التي تجعل من النظام القائم إطارا للفكر المدرك لا يمكن تخطيه).

ويؤدي هذا التحليل على الفور إلى إثارة السؤال التالي، وأنى له أن يعرف؟. وذلك أن مدى تحول الناس وتشييعهم لخدمة النظام الحالي هي في المقام الأول مسألة واقع تقرره الملاحظة والتحليل التجريبي ولا يقرره الاستدلال المجرد من فرضيات فلسفية. ورغم أن الولايات المتحدة هي بوضوح نموذجه للمجتمع الصناعي المتقدم، فإن من الصعب على الإنسان أن يحكم من كتاباته أنه عاش في أمريكا أو في أي مكان آخر في الغرب، كما أن معظم استشهاداته مقتبسة من صحيفة تايم أو النيويورك تايمز. وهكذا فإن الغرض الأساسي لنظرية ماركيوز الثورية هو في جوهره تأكيد لا يقوم على سند يتحتم على المرء بأن يقبله على علاته. إنه لمن المشكوك فيه، أو على الأقل أمر لم يقم عليه دليل، أن يكون المجتمع التكنولوجي الحديث أكثر قوة في قمع الإنسان.

ولا شك أنه كان على البروفيسور ماركيوز أن يعترف بأن البعض قد أفلتوا من (الوعي السعيد)، واكتسبوا (وعيا ثوريا). ويتمثل ذلك بادئ ذي بدء في البروفيسور ماركيوز وأتباعه. وحتى السنوات الأخيرة، كان ماركيوز وأتباعه يكملون قائمة المسؤولين عن التشاؤم المنتشر لنظرية (الإنسان ذو البعد الواحد). ومع ذلك فإن مؤلفه يفتح قائمة الثورة على أوضاع المجتمعات الرأسمالية أمام شباب المثقفين والزنوج وشعوب العالم الثالث. إن كثيرا منها تسعى، إلى جانب إلغاء الفقر المادي إلى الحصول على تلك المزايا التي يحققها المجتمع المتقدم. ومن الذي يستطيع أن ينكر عليهم ذلك؟.

يقول البروفيسور ماركيوز: (ومع ذلك فإن الثورة ليست مدرجة في جدول الأعمال، لأن التحول الجذري لأي نظام اجتماعي لا زال يتوقف على الطبقة التي تشكل الأساس الإنساني لعملية الإنتاج. ففي المجتمع الذي لا يستطيع الناس فيه أن يرفضوا نظام التسلط من دون أن يرفضوا أنفسهم، ومن دون أن يرفضوا احتياجاتهم وقيمهم الفردية، فإن التحرر سيعني التخريب ضد المصالح السائدة للغالبية العظمى من الشعب وضد إرادتهم. وإذا كانت الطرق السلمية إلى التغيير مغلقة، فإنه يستنتج من هذا أن وسائل التغيير لا بد وأن تكون عنيفة. وإلا فكيف يتسنى للأقلية أن تفرض إرادتها على أغلبية معارضة؟). وتلك هي النتيجة التي يدفع إليها إلى حد ما البروفيسور ماركيوز، وإن يكن على غير رضى. فمن الإنصاف للبروفيسور ماركيوز أن أذكر أنه ينفر بوضوح من فكرة العنف، ويعتبرها أمرا غير أخلاقي بصورة مجردة، ويستهدف إقامة مجتمع تنتفي فيه الدوافع العدوانية. وهو في لقاءاته العامة قد أنكر مرارا أنه يدافع عن العنف. يقول ماركيوز: (إن اللاعنف ضرورة أكثر منه فضيلة، وهناك فارق بين أنواع العنف، إلا أن العنف أيا كانت صورته أمر غير إنساني وشرير).

وإذا كان البروفيسور ماركيوز قد استطاع إقامة الدليل على أن الطرق السلمية مسدودة، فإنه فشل في أن يدلل على الافتراض الثاني الذي لا يقل جوهرية عن الأول وهو الأمل في تحقيق النجاح. والواقع أنه لم يكن لديه هو نفسه سوى أمل واه في التغيير الاجتماعي، وقد بذل كثيرا من جهده لكي يوضح مدى جبروت النظام القائم في المجتمعات الرأسمالية. وإذا نحن قبلنا وصف البروفيسور ماركيوز لمجتمعنا الأمريكي بأنه مجتمع عنيف– ولا شك أن قسما كبيرا منه صحيح- فإن هذا لا يصلح مبررا للعنف الثوري، لأن الثورة ليست انتقاما وهي ليست إعجابا بالذات. إن الثورة جهد جاد لإحداث تغييرات أساسية في البنيان الاجتماعي، وإذا كان من غير المحتمل أن يؤدي العنف إلى تحقيق هذه النتيجة، إذن فلا ينبغي اللجوء إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى