مقالات

(تشييئ) الإنسان

| صفوان قدسي

(1)

منذا الذي نقل الإنسان من إنسان ذي أبعاد متعددة ومتنوعة ومختلفة، إلى إنسان ذي بعد واحد؟.

ذلكم موضوع شائك وبالغ التعقيد. ولأنه كذلك، فإن مفكرا أمريكيا ذائع الصيت هو (هربرت ماركيوز)، شغل نفسه في هذه المسألة المثيرة للحيرة، ومضى بعيدا في الكلام على هذا التحول النوعي الذي طرأ على الإنسان، من حيث كونه إنسانا متعدد الأبعاد، إلى إنسان ذي بعد واحد.

هذا المضي بعيدا، وعميقا، في الكلام على هذه المسألة، هو الذي جعل (ماركيوز) ينتهي به الأمر إلى تأليف كتاب بذاته، من بين مجموعة عديدة أخرى من الكتب التي تعبر عن رؤية سياسية، ونظرة فلسفية، وقراءة واقعية.

 

(2)

هذا الكتاب الذي أومئ إليه وأشير ليس سوى كتابه الذي ذاع صيته، بين النخب المثقفة والمعنية بمثل هذه الأفكار، وأعني به كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد).

وحين نخصص هذا العدد من (الميثاق) للكلام على (ماركيوز)، وبعض من نظرياته وأفكاره ورؤاه، من خلال مقالات ثلاث، واحد فيها يتناول بالعرض والشرح كتابا لـ(ماركيوز) ونظريته الاجتماعية، وثانٍ يحرص على ما يسميه الكاتب النظرية النقدية عند (ماركيوز)، وثالث يتجاوز ذلك كله إلى كلام في اللغة يضيء جوانب مما كتبه (ماركيوز)، ويمضي عميقا في الكلام على ما يسميه الكاتب (من ديالكتيك اللغة إلى لغة الديالكتيك)، فإننا نفعل ذلك انطلاقا من قناعة مفادها أن (ماركيوز) كان حالة فريدة تستعصي أحيانا على الفهم والشرح، خصوصا أن له عددا من المؤلفات التي تتراوح بين الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة. ونقول (علم السياسة) لأن السياسة، لمن يعرف ولمن لا يعرف، هي علم متشعب وشائك ومتشابك، ليس بعيدا عن علوم أخرى عديدة.

 

(3)

ومن يعد إلى الفلسفة اليونانية، فإنه سرعان ما يكتشف كيف أن السياسة والفلسفة، في مواضع عديدة، صنوان لا يفترقان. وكذلك كيف أن الإنسان، بطبعه وطبيعته، سياسي بهذا القدر أو ذاك. حتى إن كبير فلاسفة العصر اليوناني مضى بعيدا في وصفه للإنسان بأنه (حيوان سياسي). والحيوان هنا ليس وصفا سلبيا، بقدر ما إنه وصف يسعى إلى إظهار الفوارق بين الإنسان والحيوان، وهو ما يتطابق مع ما قاله فيلسوف يوناني آخر، من أن الإنسان حيوان ناطق. وما كان للإنسان أن يكون (حيوانا سياسيا)، لولا أنه في الأصل والأساس، (حيوان ناطق). والنطق هنا وثيق الصلة بالعقل. ولولا النطق لما كانت اللغة، ولولا اللغة لما كانت الفلسفة، وهكذا دوليك.

 

(4)

وإذا جاز لي اختزال ما أراد (ماركيوز) قوله في كلامه على (الإنسان ذو البعد الواحد)، فإني أجازف وأقول إن المجتمعات الرأسمالية هي التي أحدثت هذا التحول، حين (شيَّأت) الإنسان وجعلته شيئا من الأشياء، وانتزعت منه خلائق عديدة فطر عليها عبر قرون من الزمن.

 

(5)

وللقارئ الحصيف أن يتمعن في هذا الكلام كله عن (ماركيوز)، لينتهي إلى نتيجة مفادها أن (الإنسان ذو البعد الواحد)، هو من صنع الرأسمالية التي فعلت فعلها الذي كان من شأنه تشويه الطبيعة البشرية،و(تشييئ) الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى