أبحاث ودراسات

هربرت ماركيوز من ديالكتيك اللغة إلى لغة الديالكتيك

ماركيوز فيلسوفاً ومفكراً ...الإنسان ذو البعد الواحد

| مجاهد عبد المنعم مجاهد

ينادينا الوجود، ولكننا نصم آذاننا عن ندائه. يتحدث إلينا بلغته، لغة الباطن والتاريخ. ولكننا مشغولون بلغة ذواتنا المتقوقعة وأنانيتنا المفرطة. ولأننا خارج لغة الوجود، فإننا بلا مأوى ذلك أن (اللغة هي منزل الكينونة وفي منزلها يسكن الإنسان، ومن يفكر أو يخلق بالكلمات إنما هو حارس لهذه السكنى). (هيدغر: رسالة في النزعة الإنسانية: ص 271). فإذا لم نعرف كيف نتحاور مع الوجود أصبنا بالجمود والانكماش، لأننا في هذه الحالة نكون قد أجرينا مونولوجا داخل أنفسنا. إن اللغة كما يقول هيدغر: (هي منزل الكينونة تمتلكه وتتخلله، ولهذا فإن النقطة الجوهرية هي التفكير في ماهية اللغة، في تطابقها مع الكينونة، وأكثر من هذا التفكير في هذا التطابق الخالص، أي سكنى ماهية الإنسان). (المرجع السابق: ص 283).

يا للابتذال!. لقد حشا آذاننا لغو فقهاء اللغة من أن اللغة هي تواصل مع الآخرين، ونسوا أن اللغة بهذا تكون وسيطا، وبالتالي تكون أداة ومن ثم تتجمد ونتجمد داخلها، على حين أن اللغة هي السكنى الذي يقيم فيه الوجود ويعلن عن وجوده. إنها الوجود وهو يفكر في الحقيقة من خلالنا و(التفكير الذي يفكر في حقيقة الكينونة يفكر تاريخيا) (ص 284). ومن هنا فإنه لا يتم الوصول إلى مادة التفكير بالحديث عن (حقيقة الكينونة) و(تاريخ الكينونة)، (إن كل شيء يتوقف على أن نضع في اللغة حقيقة الكينونة وجعل الفكر ينفذ إلى هذه اللغة) (ص 289). وبهذا فإن (التفكير يحمل إلى اللغة في نطقها فحسب كلمة الكينونة اللامنطوقة) (ص300). ويترتب على هذا أن (اللغة هي هكذا لغة الكينونة تماما كما أن السحب هي سحب السماء) (ص: 302).

فلنأخذ مثلا يمكن أن يوضح الفكرة الدقيقة الواردة في كتابات هيدغر عن اللغة من حيث هو مفكر ديالكتيكي: يمكنني أن أقول لفتاتي: (أنا أحبك)، ليس هذا مجرد تعبير عن ذاتي، عن عاطفتي، ليس هذا مجرد توصيل لشعوري إلى الطرف الآخر. إذا اقتصر الأمر على هذا الحد، فإننا نكون في حضرة لغة زائفة. ولكن عندما نتعمق في العبارة نجدها تعلو على هذا التعبير الجزئي: إنها تعلن أن الحب من شريعة هذا الوجود. إنها تعلن أن الفرد يتجاوز ذاته طلبا للآخر ويؤسس الحب في الخارج. إنها تعلن أن الفرد لا وجود له إلا بالآخر ومن ثم فإن الحب الذي يوجد في الخارج لا يوجد إلا بالمشاركة. إذن فكأن الوجود الذي من شريعته الحب، إنما يعلن عن شريعته من خلالنا. إذن فكأن الوجود الذي من شريعته أن ينقذف في الخارج، إنما يعلن عن شريعته في انقذاف الحب في الخارج من خلالنا. إذن فكأن الوجود الذي من شريعته أن يتجاوز ذاته، إنما يعلن عن شريعته لكي نتجاوزه وكي نجعله يتجاوزنا من خلالنا. إذن فإن عبارة (أنا أحبك) ليست بهذه البساطة: مجرد إعلان عن عاطفة، بل هي الوجود يعلن عن ذاته. هي ذلك التاريخ الذي استمر حتى يستمر الوجود في أن يكون الحب شريعته هي ذلك المستقبل الذي يريد أن يمتد حتى يستمر الوجود في أن يكون الحب شريعته. إن (أنا أحبك) هي شمولية الوجود، إنها الجزئي ظاهريا، الكلي جوهريا. إنها تجميد الواقع في لحظة في الظاهر، غير أن الباطن أنها شوق لتجاوز هذا الواقع. وإن (أنا أحبك) تعني أيضا أن هناك تهديدا يحيط بهذا الحب. إنني أخشى ألا يكون الحب من شرع الوجود، ولهذا أعلنه حتى أقاتل من يمكن أن ينكر أن الحب من شريعة الوجود. إنني أجل الحب الذي كان خفيا في الوجود يظهر، إنني أكشفه، أزيح عنه غطاءه، إنني أرفع عن الوجود تحجبه.

هذا هو ديالكتيك اللغة، خروج من الحالة الوقائعية إلى الإمكانية، تجاوز للجزئي وإظهار للكلي، هرب من ضيق أفق الماضي إلى رحابة المستقبل. فماذا يا ترى فعل الفيلسوف المعاصر هربرت ماركيوز، الذي قيل عنه إنه فيلسوف الشباب والطلبة، بهذا الديالكتيك؟.

تنبني نظرية ماركيوز في اللغة على نظريته في المجتمع المعاصر والنظرية النقدية لتغيير هذا المجتمع. أما بالنسبة للموضوع الأول فهو يذهب إلى أن المجتمع الصناعي التكنولوجي المعاصر، مجتمع الوفرة، قد سلب المجتمع قدرتهعلى الثورية وأنه أحال إنسان الشمول الممكن إلى إنسان ذي بعد واحد مسلوب الإرادة. وأما بالنسبة للموضوع الثاني فهو أن النظرية الاجتماعية نظرية نقدية، (نقدية لنفسها وللقوى الاجتماعية التي تشكل أساسها). (هربرت ماركيوز: فلسفة النفي، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، ص168). فما موضع اللغة بين هذين الموضوعين؟.

يقول ماركيوز: (وهكذا ينشأ أنموذج للفكر والسلوك ذي البعد الواحد فيه تستبعد الأفكار والآمال والأهداف التي تتجاوز بمحتواها الكون القائم للقول والفعل أو ترتد إلى إطار هذا الكون) (ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد ص12).

يلاحظ ماركيوز أن المجتمع الصناعي المعاصر يلجأ إلى الأكليشيهات والشعارات والاختصارات والعبارات المركبة، الأمر الذي يسطح الدلالة ويميع المعنى الحقيقي للأمور. يقول: (إن الكلمة تصبح أكليشيه وهي كالأكليشيه تتحكم في الحديث والكتابة، ومن ثم يعوق الاتصال التطور الأصيل للمعنى) (المرجع السابق: ص87). إن ماركيوز ساخط على الأسلوب النمطي في التعبير: (إن (القنبلة النظيفة) و(تساقط الإشعاع الذري اللا مؤذي) ليس إلا إبداعات متطرفة لأسلوب نمطي) (المرجع السابق ص86). وهو يكشف عن اللاعقلاني الكامن في عقلانية اللغة المعاصرة: (إن المنطق واللغة يصبحان عقلانيين تماما عندما نعلم أن غواصة ذرية حاملة للصواريخ تكلفت 120 مليون دولار، وأن أنموذج المخبأ هو المخبأ بالسجاد والمراوح وأجهزة التلفزيون، وهو مخبأ يتكلف 1000 دولار. ولا يقوم الصدق أساسا في أن هذه اللغة تبيع، بل بالأحرى في أنها تروج للتوحد المباشر بين المصلحة الخاصة والعامة بين العمل والقوة القومية، بين الرخاء وتدمير الإمكانية) (المرجع السابق: ص90). إن ماركيوز يلجأ إلى لغة الديالكتيك ليكشف الاستخدام السلبي للغة حتى تلف الخناق على الإنسان المعاصر فتفقده الثورية. من هذه التعابير الموحية والاختصارات والتفخيم بالنسبة للضمائر، يقول : (وينتشر استخدام التعابير الموجزة). مثال على ذلك: (تيلر- ذو الحاجبين الكثيفين)، (أبو القنبلة الهيدروجينية)، (فون براون مخترع الصواريخ العريض المنكبين)) (حفل عشاء علمي حربي)، (الغواصة النووية قاذفة الصواريخ) مثل هذه التعابير، وربما لم يكن مجرد صدفة، تتردد بصفة خاصة في عبارات تربط التكنولوجيا بالسياسة بالنزعة العسكرية، وتدمج المصطلحات التي تدل على مجالات مختلفة تماما في كل صلب شامل. (المرجع السابق: ص93). إن وصف مخترع القنبلة الهيدروجينية بأنه أب هو خداع مقصود يربط الحنو بالتدمير، يستخدم الوصف الأول الشعري لمحو فاعلية الشيء الثاني الفعلي، وفي هذا يتبدى مكر العقل: (يمكن للإنسان أن يقامر ويرى في بعض هذه التراكيب (مكر العقل)، فالتركيب قد يساعد على جمع مشكلات غير مرغوبة) (المرجع السابق: ص94).

إن ماركيوز يوضح أنه في المجتمع المعاصر تسلب عقول الجماهير الأمريكية مثلا، وذلك عندما تنسب الأشياء للجماهير وتبدو وكأنها نابعة منهم وصادرة عنهم. يقول في الكتاب نفسه: (وتتأسس الألفة نفسها من خلال اللغة المصطنعة بصبغة شخصية وتلعب دورا كبيرا في وسائل الاتصال المتقدمة. هذا عضوكم (أنتم) في الكونغرس، هذا دربكم (أنتم)، هذا مخزنكم (أنتم) المفضل، هذه صحيفتكم (أنتم)، لقد جلب خصيصا (لكم)، إنه يدعوكم (أنتم)… الخ. وبهذه الطريقة فإن الأشياء والوظائف العامة المفروضة الموحدة المعيار تتمثل كما لو كانت (خصيصا لكم) (ص:92). ويلقي ماركيوز الضوء ساطعا على جوهر هذه العملية، (اختصار المفهوم في صورة محددة، التطور المتجمد في صيغ سحرية صادقة بذاتها، التحصن ضد التناقض، توحيد الشيء والشخص بوظيفته، هذه الاتجاهات إنما تكشف العقل ذا البعد الواحد في اللغة التي يتكلمها) (المرجع السابق: ص96- 97)، وما هو هدف هذه اللغة الوظيفية؟. (إن اللغة الوظيفية هي لغة معادية للتاريخ تماما: إن العقلانية الإجرائية لا تفسح إلا مكانا واهنا واستخداما ضعيفا للعقل التاريخي) (المرجع السابق: ص97). ويبلور ماركيوز المسألة قائلا: (إذا ما جمد السلوك اللغوي التطور التصوري، وإذا وقف التجريد والتوسط، وإذا استسلم للوقائع مباشرة، فإنه يرفض الإقرار بالعوامل القائمة وراء الوقائع، ويرفض الإقرار بالوقائع ومحتواها التاريخي) (المرجع السابق: ص97). وإذا كان المجتمع التكنولوجي يمارس الرقابة، فإن ماركيوز يبين ديالكتيكيا كيف تحيل اللغة نفسها إلى أداة للرقابة: (إن اللغة لا تعكس هذه الرقابات فحسب، بل تصبح هي نفسها أداة رقابة حيث لا تنقل الأوامر بل المعلومات) (المرجع السابق: ص103).

فإذا كان ماركيوز قد بين أن ما يقوله الناس مرتبط بما لا يقولونه، فهل نجد نحن فيما يقوله هو الشيء الذي لا يقوله، أو الذي يقوله بطريقة ورائية؟.

ولكن ما الذي يجعلنا نطرح هذا السؤال؟. ألم يتناول اللغة تناولا جدليا؟. ألم يستخدم الجدل الهيغلي ببراعة شديدة لكشف كوامن اللغة وكوامن من المجتمع الصناعي الذي يجعل الإنسان من خلال اللغة نفسها إنسانا ذا بعد واحد؟.

يقول ماركيوز في كتابه (الماركسية السوفيتية): (إن اللغة المصطبغة بصبغة الطقوس تحتفظ بالمحتوى الأصلي لنظرية ماركس على أنه حقيقة ينبغي الاعتقاد بها وتفتقد في التطبيق الذي يظهر تماما على نحو مخالف) (ص:115). وهكذا تتساوى عند ماركيوز الشعارات واللغة السحرية الطقوسية في المجتمع الاشتراكي والمجتمع الرأسمالي. هل ما يقوله أصحاب المعتقد الاشتراكي ليس إلا (تصريحات براغماتية أكثر منها منطقية كما يشير بهذا بوضوح بناؤها التركيبي النحوي، فهي صيغ بدون تأويلات ثابتة، تتطلب جوابا دون تأويل، جوابا ثابتا)؟. (المرجع السابق: ص112). فهل هذه نظرة ديالكتيكية؟. إن الديالكتيك ليس إلا العيني في حركته،فإذا سوينا بين المجتمعين في استخدامهما للغة الشعارات والاكليشيهات، فإن ماركيوز لا بد مرتب أمرا: قلب النظامين اللذين أوجدا هذه اللغة الطقوسية، فليصرح بأنه يهاجم المجتمع الرأسمالي ما دام في الآخر سيكسب الهجوم على المجتمع الاشتراكي. لو كان ماركيوز قد استخدم الديالكتيك استخداما حقيقيا ملتقطا العيني لكان قد وصل من خلال دراسته لمشكلة اللغة إلى : المجتمع الرأسمالي بلجوئه إلى اللغة الطقوسية، إنما يستهدف إلى إفقاد الجميع الثورية وصبهم في قوالب صورية. أما في المجتمع الاشتراكي وهو يبني المجتمع الجديد فقد يسقط في جانب من بنائه وفي لحظة ما في أحادية التفكير. وكان الديالكتيك لا بد موصله إلى أنه: لمحو ما يقوم به المجتمع الرأسمالي من خلق الإنسان ذي البعد الواحد بلغة الطقوس، لا بد من محو الأساس الذي يرتكز عليه هذا المجتمع: استلابه للإنسان. وكان الديالكتيك لا بد موصله إلى أنه: لمحو ذلك الجانب الذي قد يسقط فيه المجتمع الاشتراكي خلال بنائه الجديد في أحادية التفكير لا بد من تصحيح هذا بالنقد والنقد الذاتي الذي لا يقلب المجتمع جميعه. والأمر كما وضح ماكنتير في كتابه (ماركيوز): (من الوهلة الأولى يخلط ماركيوز مسائل اللغة بالمسائل الخاصة بالتفكير ويخلط هذين الأمرين بالمسائل الخاصة بالأنطولوجيا) (ماكنتير: ماركيوز: ص85).

وعلى هذا نتبين خبث المقصد لدى ماركيوز. نتبينه عندما نضع في اعتبارنا ما كان يقوله في كتابه (العقل والثورة) قبل أن يوظف فكره ضد الإنسان. إنه ينقل عن موريس بلانشو: (إن الكلمة في اللغة الأصيلة (ليست تعبيرا عن شيء، بل هي غياب هذا الشيء. إن الكلمة تخفي الأشياء وتفرض علينا إحساسا بغياب شامل، بل بغيابها هي ذاتها) (ص: 21). ألم يوضح هو نفسه قدرة الديالكتيك الهيغلي على النفي؟.(النفي يكون متعينا إذا كان يرد الأوضاع القائمة إلى العوامل والقوى الرئيسية التي تعمل على هدمها وعلى إيجاد الحلول البديلة الممكنة خارج نطاق الوضع الراهن. وهذه العوامل والقوى في حالة الواقع الإنساني، هي عوامل وقوى تاريخية، ويصبح النفي المتعين آخر الأمر نفيا سياسيا، وهو بهذا الوصف قد يجد التعبير الأصيل عنه في اللغة غير السياسية، لاسيما إذا أصبح البعد السياسي بأسره جزءا لا يتجزأ من الوضع القائم) (المرجع السابق: ص22). (تم إحلال النفي محل السلب في الترجمة).

فهل كان إذن تناولا ديالكتيكيا ذلك الذي لجأ إليه ماركيوز وهو يحلل اللغة؟. لقد قال في (العقل والثورة): (الحق أن الفارق بين الواقع والإمكان، إنما هو نقطة بداية العملية الجدلية التي تسري على كل تصور في منطق هيغل) (ص:84). إن لب الديالكتيك هو التفرقة بين الواقع والإمكان، فهل فرق ماركيوز بين الواقع والإمكان داخل المجتمعين الرأسمالي والاشتراكي؟. هل جاءت دراسته عينية؟. ألم يلجأ إلى التعميم واعتبرهما على حد سواء مجتمعي الوفرة والتكنولوجيا؟. فإذا كانت اللغة في المجتمع الرأسمالي تريد أن تخلق من الإنسان إنسانا ذا بعد واحد، فقد نسي ماركيوز أن من المفروض في اللغة في المجتمع الاشتراكي المساهمة في خلق الإنسان الشامل. لقد نسي البعد الآخر للغة كما أوضح هو نفسه رأي هيغل: (اللغة تسمح للفرد أن يتخذ موقفا واعيا ضد أقرانه، وأن يؤكد حاجاته ورغباته ضد حاجات الأفراد الآخرين ورغباتهم) (ص: 93). إن ديالكتيك ماركيوز محصور في جانبه السلبي، الجانب التطهيري، أما الجانب البناء الذي ليس إلا حركة الواقع نفسه، فهنا يلجأ إلى العقل المكار معكوسا. في دوامة التعبير عن مجتمع الوفرة الصناعي التكنولوجي تختفي الحقيقة الاجتماعية: نوعية النظام. وإذا كان يقول في (العشق والحضارة): (عندما يرد المنطق وحدات الفكر إلى علامات ورموز، فإن قوانين الفكر تصبح على نحو نهائي تقنيات للإحصاء والاستغلال) (ص: 111- 112). فإننا يمكننا القول بالمثل إن ماركيوز وهو يجعل المجتمع كلا متجانسا إنما يصل إلى موقف وضعي سبق له هو نفسه أن رفضه وأدانه في كتاب (العقل والثورة)، وهو مدرك لوظيفة هذه الوضعية تماما عندما قال: (الفلسفة الوضعية هي السلاح الوحيد القادر على محاربة القوة الفوضوية للمبادئ الثورية الخالصة، وهي وحدها التي يمكن أن تنجح في امتصاص النظرية الثورية الشائعة) (العقل والثورة: ص 331). إن ماركيوز يتأمل النظام من دون أن يبذل الجهد لتغيير النظام، وهو عين ما أخذه على أوغست كونت الوضعي: (إن ما ينبغي عمله هو تأمل النظام بقصد تصحيحه على النحو الملائم، ولكن مع الامتناع في أية حالة، عن محاولة خلق هذا النظام) (ص: 335). ولأن ماركيوز رجل أمين للوضعية، فهو قد كال الهجوم للمجتمعين: الاشتراكي والرأسمالي مطبقا كلامه السابق على الوضعية: (إن الوضعية دون أدنى تبديل لمبادئها الخالصة تستطيع أن توفي كل المذاهب القائمة حقها بطريقة فلسفية دقيقة، وهي فضيلة ستجعلها مقبولة لدى جميع الأحزاب والاتجاهات المؤتلفة الموجودة) (ص: 340). ولكن نظرا لأن ماركيوز يستخدم مكر العقل مقلوبا، فإنه يصل إلى أن تصبح فلسفته فلسفة مقبولة لدى كل الرافضين بدون ثورية، فماذا في استطاعة ثورة الطلبة في فرنسا مثلا أن تحدثه وهي محصورة في برامج إصلاحية لنظم الجامعة وما دامت محصورة في نطاق طائفي؟. إن الأمر كما أوضح ماكنتير: (ولكن كما عرف كل من ماركس ولينين، فإن الصراع مع النظام القائم ليس من الضرورة أن يكون عامل تحرير) (ماكنتير: ماركيوز: ص: 89). وهو نفسه يعترف بأن (مكر العقل إنما يعمل- كما هو الغالب- لصالح القوى القائمة) (الإنسان ذو البعد الواحد: ص15).

إن خطأ ماركيوز الأساسي قائم في فهمه لدور النقد داخل الديالكتيك، فالنقد عنده فحسب كشف لما هو سلبي، ومن هنا جاء ابتعاده من كتاباته الأولى عن الماركسية ولجوئه إلى مصطلح النظرية النقدية. وهو نفسه يعترف بما في نظريته من محدودية، فهذه النظرية النقدية لأنها سلبية فحسب، فإنها (لا تستطيع أن تتنبأ) (ص: 87). إنه يسلب الديالكتيك قدرته على نفي الوقائعي لتحقيق الواقعي. إنه يسلب الديالكتيك ما فيه من حرية على نحو ما سبق له هو نفسه أن أدرك في كتابه (العقل والثورة): (منهج الجدل هو كل يظهر في كل تصور فيه نفي الموجود وهدمه، ومن ثم فهو يقدم الإطار الفكري العامل لفهم النظام القائم في كليته وفقا لصالح الحرية) (ص: 385). بل لقد كان يدرك الصلة بين لغة الديالكتيك ولغة الشعر عندما قال في الكتاب عينه: (العنصر المشترك بينهما هو البحث عن لغة صادقة- لغة النفي بوصفه الرفض العظيم لقبول قواعد لعبة نردها مغشوش. إن من الضروري أن نجعل الغائب حاضرا لأن القدر الأكبر من الحقيقة يكمن فيما هو غائب (ص:21). لقد فقد الديالكتيك حده الماضي، ومن هنا ضيق أفق النظرية النقدية (إن النظرية النقدية للمجتمع لا تمتلك أية مفاهيم من شأنها أن تعبر الهوة بين الحاضر ومستقبله، ولا تقدم وعدا ولا تظهر نجاحا، إنها تظل نافية، ومن ثم فهي تريد أن تظل مخلصة لأولئك الذين- بدون أمل- قد أعطوا وأعطوا حياتهم للرفض الأكبر) (الإنسان ذو البعد الواحد، ص:257).

فبتلاعب شديد بالعبارات واللجوء إلى كلمات عامة مبهمة: التكنولوجيا، مجتمع الوفرة، البعد الواحد… الخ، استطاع ماركيوز أن يطمس الحقائق، والنتيجة هي أن تأكيدات ماركيوز تظل طافية سحرية وتكون موحية أكثر مما هي معقولة، تماما بالرغم من أنه يستحيل القول بإحكام ما هو بالضبط الموحى به. والنتيجة تكون شعوذة لا عقلانية وسحرية أكثر مما هي استخدام فلسفي للغة. (ماكنتير: ماركيوز، ص85).

وقد يستحيل تعبير (أنا أحبك) لدى ماركيوز إلى أنه تعبير يتم في ظل مجتمع متجانس يسلب الإنسان فاعليته ويحيله إلى إنسان البعد الواحد، ومن ثم فإن هذا الحب يكون مقضيا عليه، وينسى أن (أنا أحبك) نداء من الوجود نفسه لكي نحيط هذا الحب بالحماية، موجها النداء للآخرين لكي يحموا حقيقة هذا الوجود. ينسى ماركيوز أن (أنا أحبك) هي مسكن الوجود الذي يدعونا إلى الداخل كي نكون في حضرته دافئين!.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى