أبحاث ودراسات

أزمة الفلسفة الإسلامية بين العقلانية الأسيرة والتبريرية المطلقة

في اليوم العالمي للفلسفة ... العلم والفلسفة

| د. عفت الشرقاوي

أما أن الفلسفة الإسلامية عانت، ولا تزال تعاني أزمة ما في الأصالة والإبداع، فهذا مما لا يختلف فيه كثيرا من الباحثين. وقد يتراوح تقويمنا للإنتاج الفلسفي في العالم الإسلامي باختلاف اتجاهاته ومراحل تطوره التاريخي، ولكننا يمكن أن نلاحظ، منذ البداية، أن كثيرا من هذا الإنتاج الفكري فقد أصالته، منذ نشأة التفكير الفلسفي عند المسلمين، حين شغفته قضية التوفيق بين القرآن والتراث اليوناني عن الكشف الأصيل عن الروح الإسلامية الحقيقية، وهو التوفيق الذي تطور مع الزمن على أيدي كثير من المحدثين إلى تبرير مطلق باسم الدين لكل ما يروق لنا من الفكر الغربي الحديث.

من مظاهر هذه الأزمة أن العالم الإسلامي لم يقدم لنا، منذ عهد ابن سينا فابن خلدون حتى الآن، مفكرا إسلاميا عالميا واحدا له مثل وزنهما العلمي.

لم يعرف العالم الإسلامي في العصر الحديث محاولة جديدة لتفسير الفكر الديني في الإسلام لها قيمتها الفلسفية الكبيرة في غير أعمال قلة من المصلحين من أمثال سيد أحمد خان وإقبال محمد عبده. ومع ذلك، فقد غلبت على أعمال هؤلاء المجددين، في كثير من الأحيان، نزعة دفاعية تبريرية، قصد بها إلى الرد على الغرب المعتدي من جانب، وإلى استنهاض همم الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها من جانب آخر. ومثل هذه الأعمال لها قيمتها الاجتماعية والسياسية التي لا تنكر، ولكنها من وجهة النظر الفلسفية المحضة قد لا تكون ذات وزن كبير، بل لعلها في بعض الأحيان تمثل معوقا يصرف المفكر المسلم عن الاستكشاف الحقيقي لذاته الحضارية انبهارا يبهرج الدعوة والادعاء.

كان اشتغال الحركة الفكرية الإسلامية بالدفاع السياسي والإصلاح الاجتماعي المباشر صارفا لها عن توجيه الانتباه للمشكلات الذهنية المحضة، وفي ذلك يقول أحد الباحثين الباكستانيين:

(إن البحث في الفلسفة، على مستوى عال في الشرق الإسلامي، وقف فجأة بعد الغزالي، وأن الفلسفة الإسلامية الحديثة لم توجد بعد، لأن كثيرا من المفكرين المسلمين وجهوا تأملاتهم ونواحي تفكيرهم إلى غايات عملية عاجلة ذات صبغة قانونية أو اجتماعية، ولعل كتاب إقبال محمد عبده (تجديد التفكير الديني في الإسلام)، هو المحاولة الوحيدة من جانب أي مسلم حديث لإعادة تقرير الموقف الفلسفي للإسلام).

وقد يبدو لنا لأول وهلة، أن غيبة الفلسفة الدينية في العالم الإسلامي في العصر الحديث، ترجع إلى سمة عامة، غلبت على اتجاهات الفكر الإنساني في العصر الحديث، وهو عصر العناية البالغة بالعلم الآلي وتطبيقاته العملية التي كان لها صداها في الفلسفة، حيث عنى المحدثون بالتحليل أكثر من عنايتهم بالتركيب، واهتموا بمشكلة المنهج والنصاعة الذهنية، وتحليل اللغة والرموز ووقائع الشعور والتجربة الإنسانية أكثر من اهتمامهم بالتركيبات الذهنية الكبيرة، أو المذاهب الفلسفية الضخمة. وهذا التعليل- إن صدق في جملته في وصف الاتجاهات الفلسفية عند الغربيين في العصر الحديث- فإنه لا يمنع منطقيا، ولم يحل تاريخيا دون ظهور فلسفات دينية مختلفة يتأثر دعاتها بكل هذه التيارات الفكرية، ويقدمون للقارئ الغربي- في كل حال- تفسيرا جديدا لتجربته الدينية ومشكلته الروحية المعاصرة.

لقد أثر الجذب الفكري الذي أحدثه غيبة الفكر الديني العظيم في جوانب كثيرة من حياتنا الاجتماعية والثقافية- فلقد نتج أولا عن هذا الفراغ ظهور تفسيرات متفاوتة للنظرية الإسلامية تختلف رجعية وتقدما، ضحالة وعمقا، وفقا للظروف الاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد الإسلامية، مما أتاح الفرصة في كثير من الأحيان لادعاءات المدعين وسيطرة المتاجرين.

وتسببت غيبة المفكر المسلم الكبير-أيضا- في تلك الغربة الثقافية التي يعانيها كثير من المثقفين المسلمين اليوم في أوطانهم. وذلك أنه من الممكن أن يقال- بصفة عامة- إن المسلم المثقف يعيش الآن في غربة فكرية، لأنه أحد رجلين: رجل تمرس بالفكر الإسلامي القديم، فعرف فلاسفته ومتكلميه، فقهاءه ومحدثيه، فعاش بينهم وتحدث بلغتهم حتى أصبح يحيا فيما يشبه الغربة التاريخية عن عالمه المعاصر.. وثانيا، رجل تمرس بالفكر الغربي الحديث، فعرف فلاسفته ومفكريه، وعاش في عالمه الثقافي حتى غلبت غربته الجغرافية حدود حضارته الواقعية التي ينتمي إليها ويمارس فيها حياته اليومية.

والحوار مع كلا الرجلين يكاد يدور في متاهات لا تجدي.

فالمثقف التقليدي لا يزال يعيش ثقافة العصور الوسطى- مشكلاته هي مشكلات الفيلسوف الوسيط، وتصوره لهذه المشكلات، وتحليله لها لا يعدو أن يكون تقليدا مشوها لأعمال فلاسفتنا الكبار. مثل هذا الرجل لا يعيش مشكلتنا المعاصرة لأنه يعيش خارج البلاد.

والحوار مع النوع الثاني من المثقفين في المجتمع الإسلامي يمثل صعوبة من نوع آخر، إنهم يعيشون خارج (الهنا) بانفصالهم الثقافي جغرافيا عن أرض الحضارة الإسلامية، وتصور هؤلاء للمشكلة الدينية الإسلامية- إن خطر لهم أن يعرضوا لها- تصور تمليه ظروف حضارة أخرى ذات تطور خاص وتجارب أخرى، لم يعرفها مجتمعنا الإسلامي.

والحوار بين الرجلين- بحكم هذا الاغتراب الثقافي- يكاد يكون منقطعا، فاللامبالاة هي الأسلوب الوحيد حين تنقطع أسباب اللقاء الفكري لغربة تاريخية أو جغرافية (ولعل هذا علة ما نسميه أحيانا بسلبية المثقفين). ولا يكاد يقوم جدل بين الطرفين إلا حين تكون مسألة عامة ذات صبغة وطنية أو دينية هامة، فأما فيما يتعلق بالقضايا الفكرية الخاصة، فإن لكل من الرجلين دائرته الخاصة من المثقفين ومن التلاميذ الذين يستطيع أن يقيم معهم حوارا مفهوما مقصورا عليهم.

تلك هي المشكلة التي نضعها اليوم للمناقشة أمام القراء.

إنها باختصار غيبة الفلسفة الإسلامية الحديثة التي أنتجت هذه الثنائية في الفكر الإسلامي المعاصر.

وفي هذا المقال تصوير أولي للمشكلة التي خلفت هذه الأزمة في حياتنا، لعله أن يكون تفسيرا لها.

للتعبير عن سمة أساسية من سمات الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، أسهمت أكثر من أي عامل آخر في خلق هذه الظاهرة التي أشرنا إليها، استحدثنا مصطلحا فلسفيا هو ما ورد في عنوان هذا المقال، أعني (العقلانية الأسيرة)، فلنبين أولا ماذا نقصد بهذا المصطلح قبل الدخول في تفصيلات الموضوع.

يقصد بالمذهب العقلاني عادة الإشارة إلى منهج في المعرفة، أو نظرية فيها، يكون معيار الحكم على الحقيقة فيه مبنيا على أسس عقلية استنتاجية وليس على أساس واقع حسي. ولكن يقصد بالعقلانية في الفكر الديني الغربي، على العموم، مذهبان من التفكير: أحدهما هو الحركة المعادية للدين، المناهضة للكنيسة، التي تقيم لحجج التاريخية أهمية خاصة في معارضتها للدين، والثاني هو الحركة العقلانية التي ارتبطت بتيارات النهضة في أوروبا، وما صحبها من روح التنوير بين مفكري القرن الثامن عشر، الذين كان لهم تأثير في حركة نقد النصوص المقدسة في المسيحية.

هاتان هما الحركتان اللتان تحملان اسم العقلانية بين المفكرين الدينيين في أوروبا. والفلسفة الإسلامية تقدم في تطورها الصاعد من الكندي إلى ابن سينا حتى انحدارها التدريجي الهابط على أيدي متكلمي القرون التالية مذهبا جديدا في العقلانية يمكن تسميته (بالعقلانية الأسيرة).

ونقصد (بالعقلانية الأسيرة) التفسير العقلي للمشكلة الدينية الخاصة في ضوء فلسفة معينة وافدة، زعم لها أولا حق المطابقة للنص الديني ثم منحت إثر ذلك- لا شعوريا- قداسته، حتى أصبح في الثورة عليها ما يشبه الثورة على النص الديني نفسه.

لتوضيح ذلك، يجب أن نذكر كيف استقبل مفكرو الإسلام الأوائل الفلسفة اليونانية، منذ ترجمتها في مطلع العصر العباسي. فلقد كان الشعور السائد بين كثير من مثقفي المسلمين، أنه ما دامت النصوص اليونانية تتحدث في إلاهياتها عن (محرك أول)، و(علة أولى)، و(خير مطلق) وما إلى ذلك فإنها بلا شك فلسفة مؤمنة، تتفق في زعمهم والقرآن. وما على الفيلسوف المسلم إلا أن يدقق النظر، ويعاود التفسير حتى يهتدي إلى وجوه هذه المطابقة. فالقرآن حق وأرسطو- المعلم الأول- إلى حد كبير حق والحقيقة واحدة لا تتعدد.

لذلك لم يتردد الكندي مثلا، في تأكيد الاتفاق بين الدين والفلسفة من جهة الموضوع والغاية، بل ومن جهة المنهج، ((لأن في علم الأشياء بحقائقها (يعني الفلسفة) علم الربوبية، وعلم الوجدانية، وعلم الفضيلة، وجملة علم كل نافع، والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه، فإن الرسل الصادقة- صلوات الله عليها- إنما أتت بالإقرار بريوبية الله وحده، وبلزوم الفضائل المرتقاة عنده، وترك الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها، وإيثارها، فواجب إذن التمسك بهذه القنية النفيسة عند ذوي الحق، وأن نسعى في طلبها بغاية جهدنا)).

لم يقف الأمر بالفلسفة اليونانية في البيئة الإسلامية، عند مجرد القبول من جانب المسلمين بل تطور إلى الحرص الشديد على الاستعانة بجدلها في الإلهيات على الاحتجاج للنظريات الإسلامية. ثم تطور ذلك إلى تصور متعسف للمطابقة بين الجانبين، وانتهى الأمر إلى خلط مشوه للمشكلة الدينية والمشكلة الفلسفية على أيدي متأخري المتكلمين.

ومن الحق أن نبادر إلى الاعتراف بأن مسألة التوفيق بين الفلسفة والدين كانت مشكلة أساسية في فلسفات العصور الوسطى، وأن الطابع الغالب على فلاسفة ذلك الوقت من اليهود والمسيحيين كان هو العناية بهذه المشكلة أكثر من غيرها من المشاكل. ولكن من الحق أيضا أن نقول إن فلاسفة المسلمين كانوا أكثر نجاحا في هذا المجال من غيرهم، فقد أسعفهم على ذلك عقلانية الدين الإسلامي نفسه، ثم استعداد الحضارة الإسلامية بصفة عامة- وهي إبان ذلك حضارة منتصرة واعية قادرة- لامتصاص العناصر الثقافية الوافدة، والإفادة منها دون تردد، والتوفيق بين الأطراف المتضادة جهد المستطاع.

ومن المفارقات العجيبة، في تاريخ الحضارة الإسلامية، أن نجاح المفكرين المسلمين في هذا التوفيق بين عناصر الثقافة الواردة، ومبادئ الثقافة الأصلية، وشجاعتهم في تقبل هذا الفكر الجديد، وقدرتهم على صياغتهم، وصهره ضمن تراثهم الإسلامي العام، هو نفسه الذي وقف عائقا فيما بعد ضد تطور التفكير الفلسفي عند المسلمين ذلك أنه ما كاد التوفيق المصطنع الذي ألحوا عليه طويلا، بين النظرية القرآنية في الوجود والنظرية الأرسطية بوجه خاص، يتم بصورة أو بأخرى على أيدي المتأخرين من الكلاميين- حتى اكتسب التراث الأرسطي، وقد تم صبغه بصبغة إسلامية فأصبح لا ينتمي لصاحبه أكثر مما ينتمي إلى مفسريه من المسلمين، قداسة خاصة- تتحدى محاولة الاختبار الفلسفي الذي هو جوهر التطور وروح التفكير الفلسفي.

تفسير ذلك تاريخيا ما يمكن ملاحظته من تطور مراحل التفكير الفسلفي عند المسلمين. فبعد الاستقبال الطيب الذي لقيته الفلسفة اليونانية بين مفكري المسلمين عقب عصر الترجمة، والتفسيرات الناجحة التي لقيته نصوصها بأقلام فلاسفة مسلمين من أمثال الكندي أو الفارابي وابن سينا، أدرك مفكر واع مثل الغزالي أن هذه الثقافة الوافدة تتهدد الفكرة الإسلامية في الصميم، فوقف يحاربها بكل ما أوتي من حجة، وذهب في تعصبه ضدها إلى حد استعداء أولي السلطان على المشتغلين بها، بسبب كفرهم في رأيه في مسائل بعينها هي قولهم بقدم العالم، وأن علم الله لا يحيط بالجزئيات، وإنكارهم لبعث الأجساد.

وقد ظن كثير من الباحثين، من الشرقيين والمستشرقين، أن الانحدار الذي عرفته الفلسفة الإسلامية فيما يلي من قرون (ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي) كان مرده إلى وقفة الغزالي الصلبة ضد فلاسفة المسلمين.

ولا يحتاج الباحث إلى طويل بيان أو برهان ليرفض هذا التفسير، فازدهار مذهب فلسفي بعينه أو عدم ازدهاره في مجتمع ما، لا يتوقف بالضرورة على تأييد أو معارضة من شخص أو أشخاص معينين، أن تاريخ الإنسان يشهد أن الفكرة أو المذهب الفلسفي إنما يكتب لها البقاء والنماء أو لا يكتب لها ذلك بمقدار صلتها وأهميتها لمجتمع ما. فأما القول بأن تفنيد الغزالي للفلسفة وهجومه على الفلاسفة في (تهافت الفلاسفة)، أو غيره من الكتب، كان سببا جوهريا فيما عرفناه في تاريخ الفلسفة عند المسلمين من تدهور، فإنه تحمس لنظرية البطل في تفسير التاريخ الثقافي للإنسان وهو تحمس غير مشروع لأنه يضع رجلا بعينه، أو رجالا بأعينهم، فوق الحاجات الاجتماعية لمجتمع ما، بل وفوق منطق التطور لتاريخه الثقافي كله.

ومن الحق أن يقال إن الغزالي كان فيلسوفا عقلانيا من نوع خاص، وأن العقلانية الإسلامية (المشائية الإسلامية) قد عاشت من بعده بصورة أو بأخرى، ولكن بعد أن مرت بتحول خاص على أيدي أشهر متكلمي أهل السنة من الأشعرية من أمثال فخر الدين الرازي والإيجي.

كان من أعظم عوامل تدهور البحث الفلسفي عند المسلمين أن فلاسفة المسلمين قد ألحوا على فكرة التوفيق بين النظرية القرآنية في الوجود والنظرية اليونانية، قد أغروا متكلمي المسلمين بالدخول في أسر الفكر اليوناني تدريجيا حتى تم لهم ذلك، ليصيروا بعد ذلك فلاسفة الإسلام الجدد، وتختلط في كتبهم القضية الدينية بالقضية الفلسفية كما يلاحظ بحق ابن خلدون.

ولقد كان الأشعرية- وهم أصحاب المذهب السائد بين أهل السنة- أبرع المتكلمين سيطرة على الموقف الثقافي في المجتمع الإسلامي بعد أن خلا المسرح من فلاسفتنا الكبار. فلقد نتج عن محاولتهم الذائبة لدحض نظريات ميتافيزيقية معينة اعتنقها بعض فلاسفة المسلمين، سيطرة كاملة على المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة أعني المنطق الأرسطي. ولقد تمت هذه السيطرة تدريجيا منذ عهد الأشعري نفسه حتى نصل إلى عصر فخر الدين الرازي، الذي كان يلقب بالمعلم الثالث، أي بعد أرسطو والفارابي. ولا تخلو هذه التسمية من إعجاب بأرسطو على الرغم من العداء المدعى له ولأصحابه من فلاسفة المسلمين.

والحق أن هذا المتكلم الأشعري يعتبر نقطة تحول خطير في تاريخ الفكر الفلسفي عند المسلمين. ولنضرب مثلا نظريته في وجود الله، فسنرى أنه على الرغم من تقديره الكبير للطريقة القرآنية التي تذكر المسلم دائما أنه محوط بآيات الخلق أينما كان، فإنه حين يؤسس برهانه المنطقي على وجود اللع يعتمد على نظرية في الوجود هي في أساسها أرسطية.

لقد كان الغزالي قبل الرازي حريصا في هجومه على الفلاسفة على التفرقة بين منطقهم وإلهياتهم، ولا يتحرج في استخدام هذا المنطق في تفنيد بعض نتائجهم الميتافيزيقية. ولكن فخر الدين الرازي يتطور بالفكر الأشعري من بعده مرحلة أخرى تقربا إلى الفلسفة. إنه يستخدم المنطق أيضا ليتبنى النظريات اليونانية كما تمثلت في فلسفة ابن سينا والفارابي بعد أن يحاول تخليصها مما يتعارض والدين. وهكذا فبينما تدل نظرية ابن سينا في إمكان العالم على أنه قديم بحكم مبدأه الفلسفي (ما كان ممكنا لله فهو ضروري له) يصير هذا الإمكان في فكر الرازي دالا على ضرورة وجود (المرجح) الذي رجح إمكان وجود العالم على استمرار العدم. ومن جهة أخرى فإن ضرورة الوجود بالذات لا تعني في فكر الرازي أن وجود الله هو عين ذاته كما ألح على ذلك ابن سينا من قبل.

لقد استطاع الرازي ومن تبعه من متكلمي الأشعرية تبني النظرية المشائية في الوجود، تلك النظرية التي كانت في تقسيمها المنطقي للوجود، تحلل الموجود إلى الموجود الممكن والموجود الواجب. وفيما عدا نظرية ابن سينا في الفيض التي كانت ترتبط ميتافيزيقيا بنظريته في قدم العالم لا يبدي متأخرو الكلاميين أي تردد في قبول هذه النظرية في الوجود بوصفها المحور الأساسي لفلسفتهم الكلامية.

يبدي الرازي استعداده لتقبل النظرية السينائية في الوجود من جانبيه: ففي فكره الكلامي يبدو مفهوم (واجب الوجود) وكأنه بديل للمفهوم التقليدي الذي جرى عليه سابقوه من الأشاعرة، أعني مفهوم (القديم). ومن جهة أخرى في برهانه على وجود الله، يتبع الرازي منهج ابن سينا في تحليل العلاقة بين الموجود الواجب والموجود الممكن. وهو في رأيه برهان صحيح على وجود الله كما يرى ابن سينا.

ومن الحق أن يقال إن الغزالي قد أبدى ميلا نحو هذا البرهان من قبل في بعض أعماله مثل (معارج القدس). ولكن الغزالي يبدو أحيانا تابعا ساذجا لابن سينا لدرجة أنه اتهم بأنه عارض نفسه في نقده للفلاسفة.

لقد كانت الفكرة الأساسية التي صدر عنها الغزالي في تحديه للفلاسفة هي مفهوم الخلق. لقد ثبت لديه أن العلاقة بين الله والعالم هي علاقة خلق بالمعنى الحرفي، وليس بالمعنى المجازي، الذي يقول به الفلاسفة، حين يتحدثون عن فيض العالم عن الله. لذلك فإن المشكلة وجود الله في فكره الكلامي كما كانت في فكر المتكلمين السابقين، ظلت تدور حول محور واحد هو الزماني واللا زماني، أي المحدث والقديم وليس حول مفهوم الواجب والممكن بالمعنى الفلسفي الدقيق.

كان تمييز المتكلمين بين القديم والحديث في براهين وجود الله أكثر مطابقة للتصور الديني الذي يقول بإرادة الله المطلقة، حيث (يخلق الحوادث متى شاء، ولا ضير من سبق الزمن عليها، ولا أهمية لتعطيل إرادته في ذلك الزمن السابق على الحوادث، لأن إرادته غير ملزمة بالخلق، ولا مخيرة بضرورة ما، وإنما هي حرة في تستأنف دائما أفعالها). بينما كان برهان ابن سينا الذي يقوم على تمييز أرسطي بين مفهومي الممكن والواجب، يبطن إلى حد ما تصورا خاصا للإلوهية، غريبا كل الغرابة عن تصور الدين لها، بما يلزم الإلوهية من ضرورة الخلق الذي تم قبل الزمان، وهو تصور (يبطن تصورا وثنيا يونانيا لأنه تتحكم فيه الضرورة أو الإلهام أو الوجوب، بحيث يجب أن تأتي أفعاله القديمة، منذ القدم، دفعة واحدة، لكي لا تتعطل إرادته مما يترتب عليه قدم العالم أيضا، فيكون ندا لذاته تعالى، من هذه الجهة).

وعلى الرغم من وقوف المتكلمين ضد هذا التصور للإلوهية، فإنهم قد تدرجوا، ابتداء من عصر فخر الدين الرازي، إلى قبول البرهان السينائي في التفرقة بين الواجب الممكن وهو البرهان الذي شاع على ألسنتهم حتى العصر الحديث، حيث نجده عند محمد عبده البرهان الأساسي على وجود الله، دون أن يتبع ذلك قول بفيض العالم أو قدمه، كما كان الأمر في فلسفة ابن سينا.

ولكن كيف تطور التفسير الكلامي للخلق، ومحوره الوجود في الزمان أو اللازمان، إلى تحليل فلسفي للوجود، ومحوره الوجود بالذات أو بغير الذات، على أيدي متأخري المسلمين، وما دلالة هذا في تطور التفكير الفلسفي عند المسلمين؟.

للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نرجع إلى الرازي، نقطة التحول في هذا الموضوع.

لقد كان الرازي يساير المنهج الكلامي التقليدي أحيانا في البحث عن العلاقة بين القديم والمحدث، ولكنه لم يستطع أن يتصور الزمان واللازمان الواجب والعلاقة بينها وبين الممكن، بل لقد ذهب إلى حد المقارنة بين المفهومين (القديم) و(الواجب) أيهما آصل في الدلالة على الإلوهية. يقول حاليا برهان المتكلمين:

(أما المتكلمون، فإنهم لما أقاموا الدلالة على حدوث هذا العالم الجسماني، قالوا: العالم محدث وكل محدث فله محدث، فالعالم له محدث، ثم قالوا: ذلك المحدث، إن كان محدثا، كان الافتقار إلى المحدث حاصلا فيه، وحينئذ يلزم افتقاره إلى المحدث، والكلام فيه كما في الأول، فيلزم أما الدور، وأما التسلسل، وهما باطلان، فيلزم القول بأن صانع العالم محدث يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة، فيكون القول بحدوث الصانع باطلا فوجب الجزم بكونه أزليا).

ثم يحلل هذا البرهان بعد ذلك ناقدا فيقول:

(ولقائل أن يقول إن هذا الذي ذكرتم، لا يدل البتة على أن خالق هذا العالم يجب أن يكون قديما وبيانه من وجوه، أحدها: إنه تعالى، لم لا يجوز أن يقال: إن الإله هو واجب الوجود لذاته خلق موجودا آخر، وخلق فيه القدرة على إيجاد الأجسام، فذلك الشيء هو الذي خلق هذا العالم الجسماني، وبهذا التقدير، فإنه لا يكون خالق هذا العالم الجسماني قديما أزليا بل يكون محدثا مخلوقا، وخالقه يكون قديما أزليا، وبهذا التقدير الدور والتسلسل لا يلزمان البتة، وثانيها: أن يقال الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته، أوجب لذاته موجودا، ليس بجسم ولا جسماني، وذلك الموجود موصوف بالعلم والقدرة والحكمة، وهو الذي خلق هذا العالم وأوجده. وعلى هذا التقدير فخالق هذا العالم قديم أزلي موصوف بالعلم والقدرة، إلا أنه لا يكون واجب الوجود لذاته، بل هو معلول بعلة قديمة، واجبه (الوجود لذاتها)، (المطالب العالية، ص59).

هكذا يتحدى فخر الدين الرازي مفهوم القدم الذي ظل يدور حوله المتكلمون في براهين وجود الله منذ نشأة علم الكلام عند المسلمين، لأنه يرى (أن كل ما كان واجب الوجود لذاته، فإنه يجب كونه قديما أزليا، ولكن ليس كل ما كان قديما أزليا فإنه يجب كونه واجب الوجود لذاته، إذ لا يلزم من كونه قديما أزليا باقيا سرمديا كونه واجب الوجود لذاته لأنه لا يمتنع في أول العقل كون الشيء معلول شيء آخر واجب الوجود لذاته، والمعلول يجب دوامه بدوام علته، فهذا الملول يكون قديما أزليا باقيا سرمديا، مع أنه لا يكون واجب الوجود لذاته (المطالب العالية ص56).

استطاع هذا المتكلم الأشعري بهذه المناقشة الجريئة لمفهوم القدم عند المتكلمين، أن يقنع كثيرا منهم بقبول البرهان السينائي في صورته الجديدة التي قدمها هو في كتبه، وهو برهان يستلزم مقدمة خاصة مفصلة في الكلام عن الوجود وعلله وأقسامه وأحكامه، هي في جملتها أرسطية الأصل.

لم يكن الأشعرية وحدهم هم الذين تحولوا منذ عصر الرازي عن البحث في الزماني واللازماني إلى مفهومي الإمكان والوجوب وقدموا لها في كتبهم بأبحاث صافية في تحليل الوجود تجري على هذا النسق، بل فعل ذلك الماتريدية أيضا، (وهم الجناح الثاني من متكلمي أهل السنة).

وهكذا تحولت عقيدة دينية في الخلق من العدم ترى الله خارج العالم سابقا عليه زمانا، حرا في أفعاله، وترى الزمن أساسا جوهريا لقياس الوجود إلى نظرية فلسفية في الوجود الممكن والوجود الواجب، تحاول جهد المستطاع تقبل الفكر الديني وصوغه في قالبها الخاص.

تبدو أهمية هذا التطور في الفكر الكلامي المتأخر، في قدرته على هضم التراث السينائي وإخراجه في صورة كلامية جديدة، لا تتعارض عقديا مع الأسس الإسلامية، ولكنها في جوهرها أسيرة لنمط من التفكير أسسه أرسطو من قبل وسار عليه المشاؤون المسلمون. لقد أعطيت النظرية الأرسطية- بعد أن جردت من مناقضات الدين الإسلامي- قداسة خاصة، فقد أصبحت أساسا جوهريا من أسس التفكير الكلامي، وحين يتحول المذهب الفلسفي إلى عقدية دينية تستحيل مناقشته، ويكتفى بصبه في قوالب جامدة، وتفقد الفكرة الفلسفية روح التطور الذي هو أساس التفكير الفلسفي، وليست الفلسفة في جوهرها إلا المحاولة الذائبة لمعاودة الاختبار والتفسير الجديد للتجربة الإنسانية.

وبعبارة أخرى، فإنه ما كاد يتم على أيدي متأخري الأشعرية صبغ المقولات الأرسطية بصبغة إسلامية خاصة، حتى أصبح من الصعب على المفكر المسلم مناقشة هذه المقولات من جديد، لأنها في تفاصيلها مقدمة أساسية لبراهين وجود الله.

وبعد، فلقد تطور الفكر الفلسفي في الغرب على مرحلتين: المرحلة الأولى من عهد أرسطو إلى عصر النهضة، حيث كان هدف الفيلسوف محاولة تصور نظام ميتافيزيقي يدور حول الموجود بما هو موجود، ثم تطور البحث هناك منذ القرن السابع عشر إلى مشكلة المنهج، وأصبح اختبار النظريات القديمة ومعاودة مناقشتها هو هدف الفيلسوف الحديث من أجل محاولة الوصول إلى معايير أكثر صدقا في نظرية المعرفة، ولكن الفلسفة الإسلامية ما زالت تدور في المرحلة الأولى من هذا التطور. لقد ظلت متأثرة بالمفاهيم الأرسطية القديمة،أسيرة لها منذ ذلك الوقت رغم اعتراضات الكثيرين من المسلمين من أمثال ابن تيمية وغيره.

كان البحث الفلسفي في أعمال المشائين المسلمين، يدور حول الموجود بما هو موجود، وتأثر علم الكلام بهذا الاتجاه فتحول من مبحث ديني في الخلق والخالق إلى نظرية تحليلية في الموجود الواجب والموجود الممكن. ولقد استطاع المتكلمون، بهذا التطرق إلى موضوع الفلسفة في ذلك الوقت، أن يقدموا أنفسهم على أنهم فلاسفة الإسلام الجدد، ومتكلمون في آن واحد، وتم بذلك هذا الخلط الذي طالما حذر منه ابن رشد. فبينما كان ابن رشد على الطرف الآخر من الإمبراطورية الإسلامية يلح بصورة أو بأخرى على ضرورة التفرقة بين المشكلة الدينية والمشكلة الفلسفية في الفكر الإسلامي، وعلى حين أفاد الفكر الغربي من محاولات ابن رشد في هذا الصدد فيما بعد، ظل المتكلمون يزاولون المزج بينهما فيقرأون نظريات أرسطو في القرآن (انظر مثلا تفسير الرازي لكلمة القيوم في مفاتيح الغيب) ويسمون علم الكلام الجديد علم الإلهيات.

ومن المؤسف أن محاولة هؤلاء المتكلمين في هذا المزج الذي لاحظه ابن خلدون وعابه بشدة، كانت أكثر صدى وأنجح من محاولة ابن رشد في البيئة الإسلامية.

على أن وقوع الكلاميين في أسر الفلسفة اليونانية، لا يعزى إلى مهارة خاصة ينفردون بها، وإنما كان في حقيقته استمرارا للشوط الذي بدأه فلاسفة المسلمين أنفسهم حين حرصوا منذ البداية على التوفيق بين نظريتين أساسيتين مختلفتين في تصور الوجود: النظرية القرآنية والنظرية اليونانية، فنجحوا أحيانا، وأخفقوا أحيانا أخرى. حتى كتب لمتأخري المتكلمين أن يتموا الشوط وأن يسيطروا على الموقف الفلسفي في العالم الإسلامي، فيتمثلوا التراث الأرسطي ويعيدوا صياغته في قوالبهم ويؤسسوا نظرياتهم في المعرفة والوجود ويتبدروا زمام القيادة الفكرية في المجتمع الإسلامي.

لقد أثقل فلاسفة المسلمين على أنفسهم حين التزموا بمسألة التوفيق بين الفلسفة اليونانية والعقل الإسلامي، وحمل المتكلمون هذا العبء من بعدهم، دون أن يقصدوا، ونجحوا أخيرا في حملة فوقفوا أسرى فلسفة دخيلة، وظلوا واقفين.

من أجل ذلك ظلت الفلسفة الدينية عند المسلمين تحمل طابع التفكير الوسيط، فلم تنشأ فلسفة دينية حديثة بعد، ولا يزال كثير من مثقفي المسلمين في غربتهم التاريخية أو الجغرافية في انتظار تجديد التفكير الديني في الإسلام وثورة الفيلسوف المسلم المعاصر الذي يفسر للناس تجربتهم الروحية في إطارها الاجتماعي الحديث.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى