أبحاث ودراسات

العلم والفلسفة

في اليوم العالمي للفلسفة ... العلم والفلسفة

| يونيفاس كدروف وستبان هايم

ما هي العلاقة بين العلوم الوضعية والفلسفية؟.

منذ أقدم العصور يجري صراع وجدال حول محاولة الإجابة عن هذا السؤال. ومن خلال هذا الصراع والجدل نتبين أن نوعية الإجابة ترتبط أوثق الارتباط بالفكرة المكونة عن الفلسفة، وبالرأي المحدد عن العلاقات بين العام والخاص، وعن علاقات الفلسفة المعينة بالفروع الأخرى، الخاصة والمتخصصة للمعرفة الإنسانية.

في العصور القديمة، لم يكن الناس يعرفون سوى علم واحد هو الفلسفة. كانت الفلسفة حينذاك تتضمن وتشمل المعارف العلمية الأولى عن الطبيعة. كما كانت تتضمن وتشمل نواة لمعرفة المجتمع. ولم يكن هناك سوى علاقة واحدة بين الفلسفة وجميع فروع المعرفة الأخرى. وهذه العلاقة هي علاقة تبعية جميع فروع المعرفة الإنسانية للفلسفة. ومن هنا، فإن الأفكار التي كانت تتكون حينذاك عن الطبيعة كانت أفكارا فلسفية طبيعية، مستمدة من نظام فلسفي مطلق، وكان النقص في معرفة الطبيعة يستكمل بافتراضات مصطنعة، مستمدة من المبادئ العامة للنظام الفلسفي المتفق معها.

وظل هذا المفهوم للفلسفة موجودا حتى القرن التاسع عشر، بل وظل موجودا حتى القرن العشرين عند المفكرين الذين ينشدون خلق نظم فلسفية شاملة تستوعب وتمتص وتنظم جماع المعرفة الإنسانية. وأمثال هؤلاء المفكرين يلزمون أنفسهم ببناء نظم فلسفية قادرة على أن تشمل جميع فروع العلوم الطبيعية والاجتماعية، راغبين بذلك في أن يصبح النظام الفلسفي الذي يأخذون به (علم العلوم). وهؤلاء هم الذين اصطلح العصر على أن يسميهم (العقائديين الجامدين)، أيا كانت عقيدتهم، وأيا كان النظام الفلسفي الذي يتمسكون به.

ومن الواضح أن مثل هذه المحاولات، القديمة والمعاصرة على السواء، تحاول أن تحل مشكلة العلاقة بين العام والخاص في مادة المعرفة العلمية حلا خاطئا، حلا يقوم على أساس أن يمتص العام، الخاص، امتصاصا تاما بتجريده من كل أهمية خاصة به هو، وبحيث يتلاشى الخاص في العام، ويختفي وراءه، ولا يبقى سوى العام دائما.

غير أن هذا المفهوم غير العلمي للفلسفة قد مضى أوانه، وخاصة منذ عصر النهضة، والسبب هو تطور العلوم نفسها.

فمن ناحية انفصلت العلوم المعنية والخاصة عن الفلسفة التي كانت العلم الوحيد الفريد. وكانت أول علوم انفصلت عن الفلسفة هي علوم الرياضيات، والفلك، والميكانيكا، وأصبحت علوما مستقلة استقلالا ذاتيا. ثم تلتها بعد ذلك علوم الكيمياء والفيزياء، فعلوم البيولوجيا والجيولوجيا، فعلم أصل الأجناس… وهكذا. وتميزت هذه العملية الانفصالية بصفة تقدمية، وذلك عندما أصبح العلماء يتمسكون بأن يكتشفوا القوانين المحددة التي تتحكم في مختلف مجالات العالم الموضوعي، حتى ولو تعارضت مع القوانين العامة المجردة، ثم صاغوا هذه القوانين المحددة، وأخذوا يستخدمونها في الأغراض العملية التطبيقية: في الصناعة، والطب، والزراعة.

ومن ناحية أخرى، أدى استخدام القوانين العلمية في الأغراض العملية التطبيقية، في الصناعة والطب والزراعة، كما أدت التجارب العملية للناس، إلى مولد سلسلة من العلوم الجديدة المتخصصة، فتأكدت بذلك- مرة أخرى- حتمية التباين بين العلوم من جانب، والفلسفة من جانب آخر.

الوضعية والفلسفة

وكرر فعل مباشر لتطوير العلم في القرن التاسع عشر، وتخلخل الفلسفة الطبيعية من أساسها، شهد ذلك القرن تيارا فكريا جديدا يحاول الإجابة عن السؤال، هو تيار الوضعية. وقد رفض هذا التيار حق الفلسفة في أي وجود مستقل لها، واتجه إلى إلغاء الفلسفة- بوصفها علما مستقلا- إلغاء تاما. وبينما كانت القضية في الماضي هي قضية (الفلسفة علم العلوم)، طرح الوضعيون قضية أن (للعلم- في ذاته- فلسفته الخاصة)، وأنه ليس في حاجة إلى أي فلسفة.

وأصبحت العلاقة بين الفلسفة والعلوم الأخرى، عند الوضعيين، شيئا آخر تماما، كما كان الحال عند الفلاسفة الطبيعيين، وإن كانت الآية قد انعكست.

فبينما يقول الفلاسفة الطبيعيون إن الفلسفة هي (علم العلوم)، وأنها تستوعب كل علم، يقول الوضعيون إن العلوم ليست في حاجة إلى الفلسفة، بل هي تستوعبها بحكم أن لكل علم فلسفته الخاصة به. وبينما كان الفلاسفة الطبيعيون يرون تبعية جميع العلوم للفلسفة تبعية مطلقة، أصبح الوضعيون يرون استقلالية جميع العلوم استقلالية مطلقة من الفلسفة، بل يرون أنها تتناقض تناقضا عدائيا مع الفلسفة.

ومن الواضح أن خطأ الوضعيين لا يقل عن خطأ الطبيعيين فيما يتعلق بأن كلا منهما يفصل ويعزل ويجرد العام والخاص في مجال المعرفة الإنسانية. فإذا كان الأمر قديما هو القول بأن العام يستوعب الخاص، وأن الخاص يتلاشى في العام ويختفي وراءه، فإن القول عند الوضعيين هو على العكس من ذلك، إذ يقولون إن العام يتلاشى في الخاص وأن الخاص يستوعب العام، أو- على حد تعبيرهم- إن رؤية الأشجار تكفي لرؤية الغابة.

الفلسفة التقدمية

وإذا رفض الوضعيون- بالقول- أي فلسفة، فإنهم لم يرفضوا- في الواقع- سوى الفلسفة التقدمية، التي تقول بأن الأمر خطأ في موقف الفلسفة الطبيعية، وفي موقف الوضعيين على حد سواء.

ويستند أصحاب الرأي التقدمي على أن دراسات العصر قد برهنت على أن إقامة نظام شامل وكامل لمعرفة الطبيعة والمجتمع والفكر الإنساني أمر يتناقض مع القوانين الأساسية لتطور العصر.

فمن ناحية، لم يعد من الممكن تصور الفلسفة على أنها (علم العلوم)، ذلك لأنه أصبح من الواضح- فعلا- أن الفلسفة لا يمكن أن تستوعب كل مجال فقط وأن تشمل ذلك المجال الذي يتصل بالمعرفة الإنسانية، وإنما هي تستطيع بفاعليتها مباشرة: مجال الفكر والصيغ الفكرية. وإذا أدرج أي علم خاص نفسه في السلسلة الفلسفية العامة للأشياء والظواهر، وللأفكار المتعلقة بهذه الأشياء والظواهر، فإنه يصبح علما غير نافع.

وعلى هذا، لا يبقى من الفلسفة- بمعنى الدور العلمي الشامل الذي تدعيه لنفسها- سوى مجال نظرية الفكر وقوانينه، أي مجال المنطق: الشكلي والجدلي. أما بقية دورها القديم، فيدخل في العلوم الوضعية للطبيعة والمجتمع. ومن المؤكد أن المنطق الجدلي يشمل دراسة الطبيعة (جدلية الطبيعة)، ودراسة المجتمع (الجدلية التاريخية)، ودراسة الفكر الإنساني (جدلية المنطق).

وقد يبدو هذا وكأن العلوم قد قضت على الفلسفة. ولكن الواقع هو أن أصحاب الرأي التقدمي يرون أن العلوم لم تقض على الفلسفة، وإنما هي قد أكدت وجودها الحقيقي، بتحديد إطارها ومهمتها، وبتأكيد هذا الإطار وهذه المهمة. فلقد أصبحت مهمة الفلسفة العصرية هي صوغ منهج عام يصلح أداة للمعرفة العلمية، وتقديم التفسير العام لظواهر الطبيعة والمجتمع والفكر، التي هي موضوعات العلوم.

ومن هنا، فليست العلوم مستقلة تماما عن الفلسفة، بهذا المعنى المنهجي العام، فالفلسفة بهذا المعنى تخترق العلوم وتدخل فيها. وفي الوقت ذاته تقدم العلوم المتخصصة الفلسفة المادة المحددة الضرورية لتطوير منهج ونظرية المعرفة. ومعنى هذا كله أن أصحاب الرأي التقدمي يرفضون فكرة التبعية المطلقة للعلوم بالنسبة للفلسفة، كما يرفضون فكرة الانفصال المطلق للعلوم بالنسبة للفلسفة. إنهم يرون أن هناك ترابطا وثيقا، ومشروطا، بين العلم والفلسفة، وأن هناك تأثيرا متبادلا بينهما.

وعلى أساس هذا الفهم للعلاقة بين العام (الفلسفة) والخاص (العلوم)، يحدد أصحاب هذا الرأي مهمة كل علم (طبيعي أو اجتماعي) بأنها دراسة قوانين مجال معين من ظواهر العالم الموضوعي (الطبيعة والمجتمع). ويحددون مهمة الفلسفة بأنها دراسة القوانين العامة المتعلقة بالمجالات الثلاثة: الطبيعة والمجتمع والفكر، وكذلك دراسة القوانين الخاصة بالفكر، أي القوانين الخاصة بالمنطق.

صراع العلماء والفلاسفة

ولكن، هل انتهت مشكلة العلاقة بين العلوم والفلسفة عند هذا الحد؟.

بالطبع لا.

فلا تزال تبقى بعد ذلك مشكلة لا تقل عنها أهمية، وهي مدى انعكاس النتائج العلمية المعاصرة، وخاصة في ميدان الفيزياء الذرية، والبيولوجيا، والعلوم الجديدة- مثل السبرناطيقا- على المنهج الفلسفي التقدمي.

ومن الواضح أولا أن البحث العلمي المعاصر قد برهن على قصور النظم الفلسفية القديمة، وعلى قصور منطق أرسطو. بل وبرهن على قصور منطق هيغل، عن أن يكون أداة صالحة للبحث العلمي، وأصبح من الضروري الاعتراف بأن المنهج الجدلي هو أصلح أداة لهذا الغرض بصفة عامة.

ولكن من الواضح ثانيا، أن المنهج الجدلي يحتاج إلى تطوير على ضوء البحث العلمي المعاصر، ولأن هذا البحث يستطيع أن يقدم لذلك المنهج استكمالات هامة وضرورية.

وهنا يبرز صراع من نوع آخر، بين الفلاسفة والعلماء، وخاصة علماء الفيزياء الحديثة. وهو صراع يدور حول سؤال: أيهما أسبق، النظرية أم التطبيق؟. وبينما يتمسك الفلاسفة بأن النظرية- النظرية الجدلية- سابقة على التطبيق، يتمسك العلماء بأن التطبيق يسبق النظرية، وبأن النظرية لا بد- لكي تكون نظرية علمية- أن تبرهن على صحتها في التطبيق.

ويقول بعض العلماء إن بعض الفلاسفة قالوا عن نظرية النسبية إنها مثالية. على الرغم من أنها أكدت صحتها بالتجربة، وبعض الفلاسفة قالوا عن السبناطيقا إنها مثالية، بينما برهن هذا العلم على صحته في التطبيق. وهم بمثل هذه الآراء قد وضعوا النظرية والرأي فوق التطبيق والتجربة، وانحرفوا بذلك لا عن المنهج الجدلي التقدمي فحسب، بل وعن منهج التجربة الذي وضعه فرنسيس بيكون، واتخذ بمقتضاه- وقبل بزوغ فجر العلم الحديث بمدة طويلة- موقف حاسما ضد إقطاعية العصور الوسطى، وموقفا حاسما مع التجربة والتطبيق كأساس للوصول إلى النتائج السليمة.

ومع هذا، فإن بعض العلماء الفيزيائيين يجادلون أحيانا ضد عقائدية وجهل الفلاسفة، بنفس المستوى الذي اتصفت به هجمات الفلاسفة الذين وقفوا صفا واحدا ضد علماء الفيزياء وهم يتهمونهم بتشويه الفلسفة. ولا يقل موقف أمثال هؤلاء خطأ عن موقف الفلاسفة الذين يهاجمونهم.

إن الفلسفة الجدلية التقدمية لا تتناقض مع نتائج البحث العلمي المعاصر، وخاصة في ميدان الفيزياء الحديثة. إن هذه النتائج تؤكد هذا المنهج، ولكن بشرط أن تؤخذ الفلسفة التقدمية كشيء حي، كشيء جدلي في ذاته.

إن الجديد في العلم المعاصر يلزم الفلاسفة على أن يفكروا تفكيرا إبداعيا، فلم يعد من الممكن أن يتقدم العالم إلى الأمام بمجرد تطبيق وتكرار الصيغ الكلاسيكية القديمة.

زفي العلم المعاصر أمور جديدة جديرة بالتأمل، وهذه الأمور الجديدة تلاحظ في العلوم الطبيعية، كما تلاحظ في العلوم الاجتماعية على السواء.

ولعل من أبرز الملاحظات في ميدان علوم الطبيعة ما يأتي:

– إن تجارب الحياة العلمية اليومية- التي ينبغي التمييز فيها بين مجرد الإمكانية وما يتحقق بالفعل- تتعارض مع الاعتقاد السائد بأن (ب) تأتي بعد (أ) دائما. فلقد لوحظ- مثلا- أن الفوتون لا يتخذ مسارا محددا، وإنما من الممكن أن يتخذ عدة مسارات، ثم ينطلق في اتجاه إحداها بالفعل.

– إن تجارب الحياة العلمية اليومية أثبتت أن هناك علاقة هامة بين الجسيمات والأدوات العلمية المستخدمة في ملاحظتها، وأن وجود هذه الجسيمات- بالنسبة لنا- متوقف على وجود أداة ملاحظتها. وقد أدى ذلك إلى نشوء عامل نسبية جديد: هو عامل نسبية يتعلق بأدوات الملاحظة والقياس.

ومع هذا، فلا يزال بعض الفلاسفة التقدميين يرفضون قبول هذه الاكتشافات العلمية الهامة، ويتهمون العلماء القائلين بها بأنهم إنما يكررون الخطأ القديم للمثاليين، وأنهم يخفون هذا الخطأ تحت عباءة من اللغة المجردة للصيغ القديمة، وأنهم يحاولون- بذلك- الادعاء بأنه ليست هناك قوانين ثابتة وحتمية تحكم الطبيعة والمجتمع، كما يحاولون الادعاء بأن الأشياء الموضوعية لا توجد إلا إذا لوحظت بأداة ملاحظة أو قياس، وأن كل هذا هو الذاتية بعينها.

وقياس على هذا، توجد مواقف مماثلة في ميدان العلوم الاجتماعية، حيث أثبتت الحياة الاجتماعية اليومية أن منتجات التطبيق والتجربة قد تختلف عن الصيغة الفلسفية المسبقة.

ضرورة التطوير

ولقد أصبح من الواضح اليوم، أن حل المشكلات الفلسفية المتعلقة بالعلوم المعاصرة لا يمكن الوصول إليه عن طريق الاستشهاد بالفقرات من الكتابات الكلاسيكية، أو عن طريق التسلق على النصوص القديمة. وإنما ينبغي التعرض لهذه المشاكل بطريقة خلاقة جديدة.

وأصبح من الواضح أنه من الضروري تطوير الفلسفة التقدمية نفسها. فأفكار الفيزياء الذرية- مثلا- جديدة حقا، ولا يمكن طرحها جانبا بأي حال من الأحوال، بغية قصر المسألة على تلك الأفكار التي تستند إلى آراء جاهزة مستمدة من الكلاسيكات. وأن من يحاول- باسم الفلسفة التقدمية- أن ينفي الأفكار الجديدة ويقبرها، ويحيي الأفكار القديمة ويبعثها، إنما هو يسيء في الواقع إلى الفلسفة التقدمية.

إن الميكانيكا- مثلا- قد وجدت الحل للتناقض بين الصفة الموجية والصفة الجسيمية للإلكترون، أي أنها وجدت الحل للتناقض بين الاحتمال والعلية، بين الوصف الكوانتي للموضوع الذري والوصف الكلاسيكي للأداة، وأيضا بين صفات الشيء المفرد ومظاهره الإحصائية.

ولا يمكن أن يمر هذا الاكتشاف العلمي الخطير، من دون أن يترك أثره العميق على الفلسفة التقدمية المعاصرة.

إن العلوم تفتح كل يوم آفاقا جديدة للإنسان، في الطبيعة والمجتمع، بل وفي الفكر. وإن الاكتشافات العلمية المعاصرة التي تتم اليوم هي اكتشافات أعظم خطرا، وأهمها تأثيرا من اكتشاف القارة الأمريكية.

ومن الحتمي أن تحتاج هذه الاكتشافات العلمية إلى عقل نقدي، وإلى مفكر مبدع، يستطيع أن ينظم جميع مدلولاتها في نسق مركب، يؤدي إلى ثورة جديدة في الفلسفة المعاصرة.

وهذا هو معنى ونتيجة علاقة التأثير المتبادل بين العلوم والفلسفة.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى