أبحاث ودراسات

كلام في نقد العلاقة بين الإسلام والإيديولوجيا

في اليوم العالمي للفلسفة ... العلم والفلسفة

| د. وجيه كوثراني

بهدف التأكيد على وحدة الأمة العربية، يرى د. محمد علي أبو ريان في كتابه (المدخل الأساسي للإيديولوجيا العربية)، ضرورة التمييز بين (الإسلام الحضاري والإسلام العقائدي). فالمسلم العقائدي- يرى المؤلف- (هو الذي يؤمن بالعقيدة الإسلامية ويلتزم بأداء عباداتها وفرائضها. أما المسلم الحضاري فهو الذي بدين سماوي آخر غير الإسلام، ولكن يدخل في الزمرة العربية، لأنه يشترك مع الغالبية في اللغة والتاريخ المشترك، ويغترف مع المسلمين جميعا من تراث فكري وثقافة واحدة).

إن التمييز بين الإسلام كدين (عبادة وفرائض) وبين الإسلام كفكر وتراث، أي ثقافة وسلوك، مسألة أساسية وصحيحة. لكن المؤلف لا يدفع بها في مسارها العلمي ونهايتها المنطقية، إذ كان سترتب على هذا التمييز إعطاء معنى أشمل للإسلام بما هو حضارة منتجة، أو مكونة في التاريخ، أي حضارة أنتجت عبر فئات وقوى اجتماعية مختلفة وفي مراحل متعاقبة. فالأفكار والقيم والتصورات وأشكال السلوك والعلاقات، والتي تنخرط وفق التعريف الذي يتبناه المؤلف لمفهوم (الإيديولوجيا) هي جزء من ثقافة عربية إسلامية متنوعة ومختلفة، على قاعدة اختلاف وتنوع الاتجاهات السياسية، والقوى الاجتماعية التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي في مرحلة تكون تلك القوى واتجاهاتها، وتبعا لتنوع واختلاف مصادر هذا التكوين، وهذه الثقافة المتنوعة، والتي أنتجت في التاريخ لا خارجه، لم تهبط من السماء دفعة واحدة وبخصائص ثابتة لم تتبدل ولم تتغير، بل تكونت من مصادر حضارية وثقافية مختلفة: أقوامية، إقليمية، حضارات قديمة: وادي النيل، بلاد الرافدين، الهلال الخصيب. لذلك فمقولة (وحدة الأديان) عند المؤلف والتي يفهمها فهما (ميتافيزيقيا) أي كجوهر آت من (عالم الغيب)، لا تتفق وتتلازم مع مقولة (الإسلام الحضاري). يقول: (بدأت مسيرة الإسلام بإبراهيم وتتابعت مسيرة الوحي من السماء وتمثلت في مواقف عدة، منها ثلاث رئيسية هي الموسوية والعيسوية والمحمدية. فثمة أربع مراحل كبرى للإسلام هي الإسلام الإبراهيمي الحنيف، ثم الإسلام الموسوي، ثم الإسلام العيسوي، ثم الإسلام في مرحلة الختم على الرسول).

مع كل الاحترام لإيمان الدكتور بالديانات السماوية ووحدتها في صورة الإسلام الشامل، فمن حق القارئ في القرن العشرين، وقد ألزم المؤلف نفسه في مقدمته بمنهج البحث عن (مكونات الإيديولوجيا العربية الإسلامية، اعتمادا على التاريخ والتراث وأمهات الكتب، ومناهج العلوم الاجتماعية المعاصرة، أن يطالبه بالبقاء على الأرض، أي في التاريخ الفعلي، لا الرمزي والإيحائي الذي انعكس في الكتب الدينية السماوية، (فالإسلام الحضاري) في رأينا هو وحدة حضارات غنية ومعقدة ومتشابكة. هو تدامج حضارات وثقافات منطقة واسعة، تلك المنطقة التي شكلت إطار تكون الدولة الإسلامية- العربية، (من فارس حتى الغرب) وتربة إنتاج هذا (الإسلام الحضاري) في مرحلة ما بعد ظهور الدعوة المحمدية، وفي خط تمثل هذه الدعوة وبروز اتجاهاتها وفرقها عبر أقوام تلك المنطقة والعصبيات والقوى التي تكونت فيها على قاعدة الصراع على السلطة المركزية (الخلافة) ومراتبها وفروعها، وعلى قاعدة الصراع على الثروة وأشكال توزيعها وإنفاقها: بيت المال والجباية، الحرف وطوائعها، طرق المواصلات التجارية ومحطاتها.

إننا مع مقولة (الإسلام الحضاري)، ولكن على أن تعني هذه المقولة وحدة ثقافات وحضارات المنطقة التي انصهرت إسلاميا في سياق تكون الدولة الإسلامية وانتشار اللغة العربية عبر انتشار التجارة وانتقال القبائل العربية، ومركزية طرق التجارة، وفي سياق قيام مراكز السلطات الإسلامية وعواصمها في أماكن محطات هذه المواصلات ونقاط تقاطعها، وفي سياق تحول هذه العواصم إلى مراكز إشعاع تجاري وثقافي في آن واحد.

ويوصل المنهج الغيبي في معالجة أبي ريان (للنظام الإسلامي السياسي) إلى ضرورة الفصل بين أحكام الدين التي تتولى (بالشورى) أي بالديمقراطية- وبين التاريخ الديني- السياسي للإسلام الذي عرف حكم الاستبداد الفردي. يقول (إذا كان المسلمون قد سلكوا من قبل (بعد عهد الرسول والخلفاء الراشدين) طريقا يتعارض مع الديمقراطية الحقة واتبعوا أسلوب الحكم الفردي الاستبدادي أحيانا، فإن ذلك لا يعني أن النظام الممارس يستمد شرعيته من أحكام الدين). ترى كيف نميز بين مستوى (أحكام الدين) التي تقول بالشورى ومستوى أحكام الفقهاء المسلمين (الرسميين) الذين نظروا للخلافة والسلطنة وإمارة الأمراء، وما كان يرافق هذه السلطات من استبداد، وبرروها على أساس مبدأ (الضرورة) و(الأمر الواقع). أليست أحكام الفقهاء هي أيضا من أحكام الدين؟.

نتساءل كيف حصلت اللامساواة وأشكال القهر والاستغلال، وقامت الدول والسلطات المختلفة والتجزئة في (الإسلام الحضاري) أي في الإسلام التاريخي بالرغم من أن (الإسلام العقائدي) ونصوصه القرآنية وممارساته الراشدية حمل دعوة للمساواة والعدالة والوحدة والقيم الإنسانية الأخرى التي يحدثنا عنها الدكتور أبي ريان وكأنها مسلمات وإجابات للمواطن العربي. وهنا أيضا يدخلنا التساؤل في منهج الحديث عن الصراع أو (التغلب) من أجل السلطة أو (الملك) (وفق تعبير ابن خلدون)، والذي يلغيه الدكتور أبي ريان من التاريخ الإسلامي أو (الإسلام الحضاري) إلغاء تاما وذلك كي تستقيم صورة (وحدة الأديان) في العروبة، وكي يستقيم (النظام الإلهي) في دستور (الدولة العربية). يقول ابن خلدون: (وذلك أن الملك قد يحصل بالتغلب والتغلب إنما يكون بالعصبية). فالعصبية شكلت محرك التاريخ العربي (لأن الاجتماع والعصبية- كما يقول ابن خلدون أيضا- بمثابة المزاج للمتكون. والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر، فلا بد من غلبة أحدها وإلا لم يتم التكوين، فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية).

وفي أساس تكون العصبية وحصول الغلب، وبالتالي تشكل الدولة، تكمن المصالح الاقتصادية أي المادية، في التحليل الأخير لابن خلدون. وابن خلدون ليس ملحدا و(ماركسيا) و(علمانيا) و(ماديا)، تلك النعوت التي يسوقها المؤلف مستنكرا على أصحابها (زعمهم). على حد قوله: (إن العدالة لا تنزل من السماء بل تنبع من الأرض، وبأنهم ينكرون (عالم الغيب)، فيستنفر المؤمنين ضد (هذه المعارضات المعاصرة للإيديولوجيا العربية- الإسلامية) التي تؤدي عند الشباب المسلمين إلى (ثنائية نفسية صارمة) كما يقول.

والواقع أن معارضتنا لإيديولوجيا الدكتور أبي ريان، تنبع من فهمنا وتمثلنا المعاصر لمنهج عربي إسلامي انقطع عن سياق تطور الفكر العربي السائد، هو منهج ابن خلدون. والواقع أيضا أن مقومات الإيديولوجية التي يقدمها لنا الدكتور أبي ريان بصفات (عربية إسلامية) هي قروسطية أوروبية، فتأكيدها على (عالم الغيب) وانتظار (الخلاص) من السماء، والاستسلام للأرزاق (المقدرة) وفق (حساب إلهي دقيق)، ليست من المقومات المكونة للإيديولوجيا العربية الإسلامية الثورية. وإذا كنا نرفض هذه المقومات فليس بتأثير (الأفكار المستوردة) و(الملحدة)، بل بتأثير منهج تاريخي عقلاني وجدلي كان قد أرساه ابن خلدون.

لنقرأ هذا النص الخلدوني لنرى كيف تتجزأ الدولة ولو كانت (إسلامية) وفقا لتكون مصالح مادية (اقتصادية وسياسية) تحتم هذا المسار، وكيف تصطبغ (المطالبة) السياسية (العصبية) بالصبغة الدينية (الإيديولوجية)، وكيف أن الدعوة الدينية وحدها لا تنشئ دولة. يقول: (واعتبر ذلك أيضا في دولة لمتونة ودولة الموحدين، كان فقط في المغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد والعصبية أو يشف عليهم إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة. فلم يقف لهم شيء واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها من دون زيادة الدين، فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها).

ويستنتج ابن خلدون في (أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم)، وأما المصالح المادية فتكمن في أساس التمسك بالدولة وفي أساس نشوء المطالبة بها من قبل (الدولة المستجدة) وعصبيتها الصاعدة.

ليس المجال هنا هو عرض مفاهيم ابن خلدون في نظرية الدولة العربية- الإسلامية، لكننا نسوق بعضها لتبيان ما وصل إليه الفكر التاريخي العربي في القرن الرابع عشر على يد ابن خلدون من عقلانية وعلمية ومعاناة في الممارسة السياسية في فهم الصراعات المادية التي شهدتها المجتمعات العربية الإسلامية بعيدا عن (عالم الغيب) وتدخلاته، ولتذكير الإيديولوجيين العرب الذين لا يأخذون من التراث سوى جانبه (الغيبي) بمنابع ومصادر أخرى لتكوين منهج عربي إسلامي للنظر للأمور، ولتكوين إيديولوجيا لا تكرس الاستلاب، بل تساعد على تخطيه.

إننا مع الجانب العلمي والعقلاني في الحضارة العربية- الإسلامية، مع المناهج التراثية التي تلقي أضواء كاشفة على خصوصية تاريخنا، والتي تساعد على فهم القوانين التاريخية العربية التي بدأ باكتشافها ابن خلدون منذ قرون والتي لم تستكمل بعد ولأسباب معقدة لم تدرس. وبالطبع لسنا مع نقل قوالب النظريات الغربية وإسقاطها على الوضع العربي، لكننا نحرص على أن نستفيد من المناهج والنظريات الجديدة في التاريخ والعلوم الاجتماعية المعاصرة لهضمها ووضعها في خط التواصل الحضاري العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى