مقالات

ماذا عن الحتميات ؟

في اليوم العالمي للفلسفة ... العلم والفلسفة

| صفوان قدسي

(1)

هناك إشكالية يستهويني التطرق إليها ومناقشتها وتعميق فهمي لها، هي العلاقة بين العلم والفلسفة، والتي تبدو لي علاقة ملتبسة، وربما مبهمة أيضا.

ولقد كتبت العديد من المقالات والدراسات في هذه الإشكالية التي تبدو لي إشكالية قد تستعصي على محاولات اكتشاف ألغازها وأسرارها، وربما طلاسمها أيضا، ولسوف أظل أكتب فيها لعل بصيرتي تهديني إلى الحقيقة بحيث تنفض عن نفسها أدران الالتباس والإبهام، فلا ينتقص منها استمرار الجدل والنقاش وتعدد الآراء.

ويمكن اختزال هذه الإشكالية في بضع كلمات قد لا تفي بالغرض، لكنها في الوقت نفسه لا تخل بالمعنى ولا بالمقصد، ولا تقود إلى أية استنتاجات متسرعة وخاطئة.

هذه الكلمات يطرحها سؤال بالغ التعقيد يمكن اختصاره في هذا الذي يأتي:

– أيهما يسبق الآخر؟.

هل العلم يسبق الفلسفة؟.

أم أن الفلسفة تسبق العلم؟.

 

(2)

وحين يقول بعض منا إن العلم يسبق الفلسفة، فإن معنى ذلك هو أن الفلسفة مجرد تابع للعلم، تنعكس عليها الحقائق العلمية، حتى وإن لم تكن حقائق بالمعنى المطلق، لأن هذه الحقائق كثيرا ما تتغير وتتبدل بحيث أن ما كان حقيقة علمية ذات يوم، لم يعد كذلك اليوم. والسبب هو أن الاكتشافات الجديدة لا تضيف وتبدل وتغير فقط، وإنما تنسف أيضا وتحذف اكتشافات أخرى سبقتها. وبالتالي فإن العلم لا يقول الحقيقة كلها، وإنما يقول جزءا منها فقط.

وحين يقول بعض آخر منا إن الفلسفة تسبق العلم، فإن العلم يغدو مجرد تابع للفلسفة، تنعكس عليه حقائقها، ولو كانت نسبية، فيجد نفسه في مأزق مفاده أن الفلسفة قد سبقته في الوصول إلى حقائق لم يكن العلم يقر بها أو يعترف.

وعلى سبيل المثال، والأمثلة أكثر عددا من أن تنحصر في مثال واحد، فإن الفلسفة هي التي سبقت العلم إلى اكتشاف أنه ليست هناك حتميات علمية، وإنما هناك مجرد احتمالات. وهو الاكتشاف الذي ظل العلم ينكره وينفيه، في حين أكدته الفلسفة وقدمت من البراهين ما يدعو إلى التفكير في أن تكون براهين لا تحتمل الشك.

والمهم هو أن العلم أتى على اكتشاف يؤكد صحة ما قالته الفلسفة، وانقلبت الحتميات إلى مجرد احتمالات.

 

(3)

ولقد سعيت في كتابي الأول الصادر عام 1974 بعنوان: (السياسة المسلحة)، إلى إقحام هذه الإشكالية في عالم السياسة من خلال طرح مجموعة من التساؤلات حول ما إذا كانت الوحدة العربية حتمية تاريخية، أم أنها خيار بشري وإرادة إنسانية وسياسية. وكانت إجاباتي هي أن مملكة الإنسان، تختلف عن مملكة الطبيعة، وبالتالي فإنه إذا كان في مملكة الطبيعة حتميات، وقد أثبت العلم أنها مجرد احتمالات، فإن في مملكة الإنسان خيارات تعطي الإنسان مساحات واسعة من الحرية للوصول إلى ما يبغي ويروم.

 

(4)

وصفوة القول هي إن العلم والفلسفة لا يتصارعان، بقدر ما أنهما يتفاعلان ويتكاملان، وإن كانا في بعض الأحيان يتنافسان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى