أبحاث ودراسات

الإنسان ذلك الحيوان الغريب: في أصول اللغة والثقافة والفكر

| جان فرانسوا دورتييه

الثقافة ميزة خاصة بالجنس البشري، إنها تجاوز للحيوانية عند الإنسان. إنها كل شيء ما عدا البيولوجيا. فهي أهم من العالم المادي للإنسان في تأثيرها على الإنسان.

مؤلف هذا الكتاب جان فرنسوا دورتياي هو رئيس التحرير للمجلة الفرنسية الشهرية Sciences Humaines المهتمة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. وهو كاتب علمي، كتب الكثير من المقالات حول علم النفسي المعرفي   psychologie cognitive  واللغة وعلم الاجتماع. كما أنه أشرف على عدد من الكتب حول المخ والفكر، والأسرة والفلسفة المعاصرة. إنه أيضا مؤلف كتاب: Les sciences humaines : Panorama des connaissances .  ونشر تحت إشرافDortier  في نهاية الربع الأخير من سنة 2004 أول معجم فرنسي كبير وشامل حول العلوم الإنسانية.

نقدم هنا في المقام الأول مراجعة وافية للكثير من الأفكار والمعطيات التي تحفل بها فصول الكتاب العشرة حول تميز الجنس البشري عن غيره من الأجناس الحية الأخرى. ثم نطرح، في المقام الثاني، آراءنا وآراء الآخرين حول بعض ما ورد على لسان صاحب الكتاب، راجين أن يجد القارئ مبتغاه في الاطلاع، من جهة، على محتوي الكتاب الزاخر بالأفكار والمعطيات حول منزلة الإنسان في هذا العالم، وفي الإلمام، من جهة ثانية، ببعض القصور وضعف الموضوعية اللذين تشكو منهما أحيانا مقولة الكتاب.

يبدأ المؤلف هذا الكتاب بإطلاق عنوان علَّه يشير إلي عدم العثور على ما يميز الإنسان عن غيره ويرى أرسطو وديكارت أن الإنسان يتميز عن الحيوان باللغة والعقل والروح. بينما يختلف مونتاتي Montaigne وآخرون مع هذه الرؤية رافضين الفرق الجذري بين الإنسان والحيوان. لكن هذا الموقف يفشل في تفسير معالم التفكير البشري التي لا توجد عند عوالم الحيوانات والكائنات الأخرى. (ص 14). أما المفكر كسيرار فينظر إلى اللغة والرموز التي يستعملها الإنسان كجوهر للطبيعة البشرية. بينما يدافع الفيلسوف الألماني هيدجر عن أن الخيال/التخيل هو صفة مكينة في الجنس البشري (ص 14-18). وكما هو منتظر، فعلم الأنثروبولوجيا ينظر إلي الإنسان ككائن ثقافي في المقام الأول (ص 19-23)، أي أن الثقافة ميزة خاصة بالجنس البشري، إنها تجاوز للحيوانية عند الإنسان. إنها كل شيء ما عدا البيولوجيا. فهي أهم من العالم المادي للإنسان في تأثيرها على الإنسان. فالثقافة هي التي تفرق بين مجتمعات متجاورة. إنها أيضا العامل المؤثر الرئيسي في تشكيل الشخصية القاعدية. (Linton).

وتمثل الحتمية الاجتماعية الثقافية عاملا حاسما في فهم وتفسير السلوكات البشرية. أما دراسات الثقافة عند الحيوانات فتفيد:

  • أن الثقافة الرموزية غير موجودة عندها.
  • وجود ثقافة محدودة في استعمال بعض الأدوات عند بعض الحيوانات فقط.

ويعتبر بعض الدارسين للإنسان بأن هذا الأخير كائن غير مكتمل l’homme, être inachevé  على المستوى البيولوجي مقارنة بالكائنات الأخرى، التي لها غرائز تحدد وتوجه سلوكياتها منذ الصغر المبكر. كما أن النضج البيولوجي لتلك الكائنات يتم في مدة قصيرة مقارنة بنظيره عند الإنسان. ومن ثم فالكائن البشري يعتمد كثيرا على عملية التعلم. لكن عمليات التعلم اللغوي وإدراك الألوان وغيرهما في فترة مبكرة تثبت أنها ليست مجرد نتيجة لتعلم متأخر من عمر الإنسان. إن اكتشافات الدراسات حول الأطفال الصغار تذهب عكس فكرة فقدان الاكتمال l’incomplétude عند الإنسان. إن المخ البشري، مثلا، عضو معقد ومكتمل منذ الميلاد (انظر الفصل3).

وقد فقد تقسيم كارلفن ليني Carlvon Linne (1730) للجنس البشري إلي ستة أصناف مصداقيته في العصر الحديث. فجاء التعريف الشائع للإنسان العاقل Homo sapiens  تبعا لمقياسين أو أربعة: إنه كائن يمشي على رجلين وذو مخ كبير أو أنه بالإضافة إلى ذلك كائن قادر أيضا على صناعة الأدوات واستعمال اللغة.

وتشير اكتشافات 1980-1990 بوجود أصناف بينيةintermedière) ) من الجنس البشري. وهكذا أصبحت المواصفات البيولوجية والثقافية للجنس البشري غير كافية في رأي المؤلف (ص26-28).

ويتحدث المؤلف عما يسمى بفقدان الاكتمال البيولوجي لدى الإنسان:l’homme être inachevé  بمعنى أن الإنسان كائن غير مجهز بيولوجيا لنمو أعضاء جسمه نموا سريعا كما هو الأمر عند بقية معظم الكائنات الحية. أي أنه أبطأها جميعا في النمو والنضج البيولوجيين، ومن ثم فهو أقل استقلالية من الكائنات الأخرى لمدة طويلة لكسب رهان البقاء والنمو النضج لوحده في مسيرة حياته. وهو للأسف لا يطرح أسبابا لهذه الخاصية الإنسانية، أما بحوثنا في هذا الميدان، فقد أدت بنا إلى اكتشاف أن منظومة الرموز الثقافية/الثقافة (اللغة، الفكر، الدين، المعرفة/العلم، القيم والأعراف الثقافية والأساطير…) تقف وراء بطء النمو والنضج البيولوجيين عند الإنسان، من ناحية، والأمد الأطول عموما لحياة أفراد الجنس البشري، من ناحية أخرى.

أغلب الباحثين الغربيين التطوريين يميلون إلي التقليل من هوة الفرق بين الإنسان والقردة، ومن ثم يفهم الحماس الشديد الذي شجع هؤلاء الباحثين وخاصة الباحثات لدراسات بعض المعالم السلوكية البشرية لدى الحيوانات والدواب مثل تعلم اللغة واستعمالها وصناعة الأدوات واستعمالها، كما سنرى ذلك في انتشار المراكز العديدة في إفريقيا وغيرها لدراسة سمات كثيرة في سلوكيات القردة. وينطبق هذا الاعتقاد النظري في التشابه الكبير بين الإنسان والقردة على صاحب الكتاب رغم أن معطيات البحوث الحديثة تبرز الفروق الحاسمة بين عالم الإنسان وعوالم القردة والحيوانات والدواب الأخرى كما سوف يتجلي في فصول هذا الكتاب.

ويسير المؤلف في الكتاب إلى أن البحوث العلمية حول مهارات القردة بدأت مع عالم النفس الأمريكي روبرت يارك في عام 1917، فلاحظ هذا الأخير أن العديد من مهارات وسلوكيات القردة توحي وكأنها سلوكيات بشرية مثل وجود تعبير عاطفي عندها إزاء المرضى من القردة. أما عالم النفس الألماني وولفجامج كوهلر فقد رأي أن القردة نجحت في حل مشكلة الموز عن طريق عملية الاستبصار. بينما يميل علماء النفس الأمريكيون إلى القول بأن حل مشكلة الموز يأتي من محاولات الصواب والخطأ التي تقوم بها القردة. وهكذا تعددت مراكز البحوث حول عالم القردة. فكانت سبعة مراكز في علم النفس التجريبي في سنة 1950.

ولا يمكن الحديث عن عالم القردة دون التعرض لجهود العالمة الشهيرة جاين جودال. وقد تعرفت جودال على الباحث الكبير لويس ليكي Louis Leakey  المهتم بالتنقيب على الأسلاف القدماء للإنسان. وبدأت مغامرتها البحثية في Gombe في كينيا في عام 1960، بحيث أصبح ذلك المكان مركزا عالميا للبحوث حول القردة. فاكتشفت جودال أن القردة الذكور يتقاتلون وأن إناث القردة الشابات ينتقلن من مكان إلي مكان دون أن يعتدى عليهن. يبحث الذكور عن الإناث للرجوع بهن إلى محيطهن. يصطاد القردة جماعيا ليقتلوا ويأكلوا الصيد، فهم إذن صيادون وآكلو لحوم.

ومن اللافت للنظر أن النساء سيطرن على ميدان البحوث حول سلوكيات القردة. وتستنتج من تلك البحوث عموما صورة للقرد تفيد أنه الوحشي الطيب الممثل لنموذج الإنسانية البدائية.

ولا يتفق الباحثون على وجود ثقافة Culture للقردة بالمعنى البشري لهذا المصطلح، لكنهم يفضلون القول بأن للقردة بداية ثقافة protoculture .

وعند التساؤل عن ملكة اللغة عند القردة، فإن البحوث تشير أنه لا مقارنة بين الزاد اللغوي المحدود (200- 300 كلمة) عند القردة ونظيره عند الإنسان. إذ يتعلم الطفل في سن الثالثة آلاف الكلمات ويدرك المفاهيم المجردة مثل الحياة والشر والأب والأم. كما أنه ليس للقردة استعمال نحوي حقيقي ولا استعمال للماضي والحاضر. لا تعبر القردة أبدا على التعجب والتساؤل ولا هي قادرة على سرد القصص.

إن التحمس الشديد الذي دفع الباحثات والباحثين لدراسة عالم القردة على الخصوص لم يؤد إلى التقليل في الهوة بين الجنس البشري وجنس عالم القردة كما كان يسعى هؤلاء إلى إثبات مصداقية النظرية الداروينية التي تنتظر تقاربا كبيرا بين عالمي الإنسان والقردة. لكن جاءت معطيات هذا الفصل لتخيب آمال أصحاب الرؤية الداروينية. فلا مقارنة في الزاد اللغوي عند الإنسان وعند القردة. فالإنسان متميز في هذا الميدان بكل المقاييس، والقردة فاقدة للمستوى الذهني والعقلي المتقدم الذي يتصف به الجنس البشري. ومن ثم يصعب جدا الحديث عن ظاهرة الثقافة- بمعناها الإنساني- عند الأجناس الحيوانية الأخرى. وهكذا أكدت معطيات هذا الفصل وغيره من فصول الكتاب بأن الهوة سحيقة بين الجنس البشري وغيره من الأجناس الحية الأخرى. فالإنسان هو سيد الكائنات أو خليفة الله في الأرض.

أما في الفصل الثالث، فإن صاحب الكتاب يؤكد أن الفرع الجديد لعلم النفس المسمى بعلم النفس التطوري يشير إلي وجود معالم فطرية ثابتة في كينونة الإنسان وهو ما يطلق عليه علم النفس التطوري مصطلح الطبيعة البشرية، الأمر الذي جعل علماء النفس التطوريين يقللون من دور الثقافة التي أعطتها العلوم الاجتماعية دورا مركزيا منذ أكثر من قرن.

ويعتبر علم النفس التطوري حصيلة لأربعة فروع معرفية حديثة: منظور فطرية اللغة وعلم نفس الطفل والأنثروبولوجيا المعرفية وعلم الاجتماع البيولوجي. فمثل شمسكي، يؤكد العالم الأمريكي ستيفن بنكر على عمق فطرية اللغة في العقل البشري. وتفيد الدراسات حول الأطفال في سن مبكرة بأنهم يملكون مقدرات فطرية ذكائية في التعامل مع عالمهم الخارجي، أي أن تكوين العقل البشري لا يعتمد على العقل فقط بل يستند على مؤهلاته الفطرية التي تنظم التجربة الخارجية وتوجهها بوجه من الوجوه.

ينادي علم الأنثروبولوجيا المعرفية بأن العقل البشري هو بالفطرة مصدر الثقافات، وهذا ما يؤكده وجود الديانات عند كل الشعوب والحضارات. ويذهب علم الاجتماع البيولوجي من جهته إلى القول إن السلوكيات الاجتماعية هي نتيجة لعوامل بيولوجية. وينظر إلى العالم الأمريكي إدوارد ولسن بأنه أشهر الشخصيات القيادية للرؤية السوسيوبيولوجية. لقد تعرض علم النفس التطوري إلى انتقادات عديدة، فيوجد اليوم اتفاق بين أغلبية العلماء (المنتمين والمعارضين لعلم النفس التطوري) بأن السلوك البشري ظاهرة معقدة. ومن ثم يعترفون بسهولة بأن كلا من الطبيعة البشرية والثقافة/الرموز الثقافية (وهذا مصطلحنا) تلعبان معا دورا أساسيا في ميلاد وتشكيل السلوك البشري في واقع الحياة اليومية للناس. فنحن هنا أمام رؤية تحرص على النظر إلى السلوك البشري على أنه حصيلة لتفاعل بين الفطري والمكتسب عند الإنسان.

رغم هذه المعالم الفطرية البشرية التي يقر بها علم النفس التطوري، فإن صاحب الكتاب لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلي أن الكتب السماوية، مثل القرآن، أكد على ذلك في آيات عديدة من القرآن تبرز فطرية اللغات عند الجنس البشري أو تميز هذا الأخير بعقل خاص ذي مواهب وقدرات فريدة في عوالم الكائنات الحية جميعا. وهذا ما يسمح بوصف مؤلف الكتاب بأنه أسير الرؤية التطورية الضيقة التي لم تعد مقبولة كثيرا اليوم في عالم يؤمن العلماء فيه أكثر بمبدأ تعقيد الظواهر ومن ثم ينادون بتبني المنظور المتعدد الرؤى والاختصاصات لكسب رهان علم ذي مصداقية.

يبرز المؤلف في الفصل الرابع مثال الصياد الذي ينجح في نهاية المطاف في اصطياد الضبي السريع. ويعود ذلك، في نظر المؤلف، إلي أن الصياد (الإنسان) يتمتع بدافع نحو المستقبل، أي النظر إلى البعيد والتخطيط له مثلما جاء على لسان ب.هاينريتش. فسلوك الناس يتأثر كثيرا بالأفكار الموجودة في أدمغتهم، ومن ثم يمكن وصف الإنسان بأنه آلة/ ماكينة أفكار.

وتعتبر الفكرة بأنها تمثل ذهني لشيء ما. إنها عالم داخلي، وهي صفة ينفرد بها الإدراك البشري مقارنة بالذكاء الحيواني. فالبشر قادرون على استكشاف العالم عبر التفكير وخلق عوالم جديدة من ذلك.

 

ويتحدث المؤلف عن أربعة أصناف من التمثلات عند الكائنات يبدأ النوع الأول بقدرة الكائن على ملاحظة بعض الانتظامات/ الاطرادات في محيطه تساعده على التحكم في سلوكه. يلي ذلك ما يسمى بما قبل التمثل كما يتجلى ذلك في سلوك القط الذي يقفز على الفأر بعد لحظة يقيس فيها المسافة الفاصلة بينهما، وذلك خلافا لسلوك القردة الذي تسميه م.جين رود بالتمثل الحركي.

أما النوع الثالث من التمثلات فيظهر في قدرة الكائن على تصنيف الأشياء والأحداث التي يلحظها ويتذكر وقوعها (ص120). وأخيرا يدعى النوع الرابع بما بعد التمثيل la métaprésentation وهو عبارة عن قدرة الإنسان على القيام بالتمثل للأشياء دون حضورها المباشر والمادي عنده. أي أن تصبح التمثلات موضوعا للتمثلات نفسها عند أفراد الجنس البشري. وهكذا يتضح أن الفكرة هي صورة داخلية للأشياء، إنها مفهوم مجرد للتفكير. يستعمل المؤلف كلمة فكرة une idée  في كتابه بمعني ما بعد التمثلات أو تمثلات من الصنف الثاني الذي أشرنا إليه.

إن لمقدرة أفراد الجنس البشري على خلق الأفكار انعكاسات هامة، فهي تسمح بتحقيق العديد من الأنشطة الذهنية/العقلية الجديدة مثل التخيل أو حل المشاكل ذهنيا أو الشعور الشخصي بالأشياء (أنا جائع) أو توقع حدوث الأشياء عبر حاسة استباق الأشياء. فعند بلوغه السنتين يستطيع الطفل خلق تصورات ذهنية داخلية تسمح له بخلق عوالم افتراضية إما بواسطة قدرته على حل المشاكل ذهنيا إذ يتمكن الإنسان من اختيار أقصر الطرق في المدينة للوصول إلى المكان المقصود. وإما عن طريق الشعور الشخصي فيتمكن الإنسان من التفكير في التمثلات نفسها: أشعر بالبرد أو أنا جوعان. وفي النهاية فموهبة حاسة التوقعات تسمح للناس بالعمل/السلوك لا بسبب عوامل خارجية أو حاجات داخلية، لكن بسبب مشاريعهم الذهنية غير المرتبطة بالزمان والمكان. وهذا ما جعل الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هيدغر يقول إن موهبة التوقع هي صفة جوهرية للطبيعة البشرية.

وتوجد منظومة الأفكار في القسم الأمامي للمخ، ويعود هذا الاكتشاف للعالم الروسي. إن ذلك الجزء هو مكان الأنشطة الفكرية العالية الذي يمثل تقريبا ثلث حجم المخ، إنه المسؤول عن سلوكيات التوقعات المستقبلية وتخطيط الأنشطة. إن القسم الأمامي للمخ هو المنظم الكبير للفكر الراقي والمعقد. أما قشرة الدماغ ما قبل الأمامية فهي التي تساعد على إعطاء الإنسان المقدرة على التذكر والتخيل واستعمال اللغة. إن وجود أفكار أو غيابها في المخ يسمح بالحديث عن صنفين كبيرين للسلوكيات والتمثلات:

1- سلوكيات وأنشطة للكائنات مع حضور منبهات خارجية. ينطبق هذا أيضا على الكائنات غير البشرية.

2- أما الناس فلهم القدرة على العمل والتفكير على مستوى آخر. فهم قادرون على السلوك كاستجابة لأهداف ومقاصد بعيدة المدى. يستطيع البشر أيضا حل مشاكلهم ذهنيا والتحكم في عواطفهم، كما أنهم قادرون على الاعتراض على عوامل خارجية لتوجيه أنشطتهم أو أفكارهم في اتجاه التصورات والمشاريع والأفكار التي تحملها عقولهم. وهكذا يتضح أن قوة /سلطة الأفكار على سلوك الناس هي أمر ضخم جدا. إن عالم الأفكار مكن الإنسان من دخول بعد جديد: القدرة على الابتكار والتخيل والرجوع إلي الماضي أو استشراف المستقبل. وهكذا فنحن نجري – منذ كان الإنسان إنسانا – بأفكار في عقولنا تدفعنا للنجاح في الامتحان أو الحصول على عمل أو بناء منزل جميل أو تأليف كتاب أو ملاقاة العشيق. فنحن، باختصار، مثل الصياد، أي أن كل واحد منا له ظبي في عقله.

يبرز المؤلف بكل وضوح تميز الإنسان عن غيره من الكائنات بموهبة الفكر التي تجعل منه كائنا منفردا حقا عن عوالم الحيوانات والكائنات الحية الأخرى. ومع ذلك يصر صاحب الكتاب في عنوان كتابه على تسمية الإنسان حيوانا غريبا بدل (كائنا غريبا). إذ هو الأصح والأكثر موضوعية في وصف الإنسان، ذلك الكائن الفريد.

وتطرح فصول الكتاب مسألة أصل اللغة عند الجنس البشري. هناك اختلاف عند الدارسين لظاهرة اللغة البشرية حول تاريخ ظهور هذه الأخيرة. فمن الباحثين من يرجع ظهورها إلي 5،9 مليون سنة، بينما ترى أقلية من الدارسين أن اللغة ظهرت قبل 40.000عام فقط. لكن تتبني أغلبية الباحثين في ميدان اللغة ما يسمى موقف التدرجية. فاللغة عند هؤلاء قد مرت بمرحلتين:

 1- لغة بدائية نجدها في مرحلة الإنسان المستوي القامة.

 2- لغة معقدة يستعملها الإنسان العاقل.

عرفت المرحلة الأولى استعمال لغة الإشارات مثل ما نجده عند الصم والبكم ( ص 245) ولغة بدائية تتكون من كلمات بدون صيغ نحوية.

أما ظهور اللغة المعقدة فيرجعه الباحثون إلى الحاجة لتلبية وظائف اجتماعية تتمثل خاصة في المحافظة على العلاقات الاجتماعية. وهناك من يفسر ظهور اللغة المعقدة للتعبير عن العالم الذهني/العقلي للإنسان ونقل ذلك الإنسان للآخرين أحداث الماضي أو إعلامهم بمشاريعه الشخصية.

إن السؤال الهام والمشروع بهذا الصدد هو: هل هناك من علاقة بين اللغة وصناعة الأدوات؟. يعتبر البعض أن اللغة هي الأساس الذي مكن الإنسان من التفكير المجرد والخلاق الذي سمح له بالتخيل والتصور ومن ثم القدرة على صناعة الأدوات (ص254). وهناك في المقابل فرضية أخرى ترى أن صناعة الأدوات/الذكاء التقني هي سابقة للغة. لقد سادت هذه الفرضية بين 1940 و 1960 ولكنها لم تعد قائمة اليوم.

ويتساءل صاحب الكتاب: هل هناك عامل آخر وراء اللغة لتفسير القدرة على صناعة الأدوات عند الجنس البشري؟. وهناك اتفاق بين الباحثين اليوم بأن اللغة ظهرت منذ حوالي مليوني سنة مع مجيء الإنسان البدائي الأول. ولكن يبقى في نهاية المطاف أن ترابط ظهور اللغة وصناعة الأدوات واستعمالها يتفق مع الفرضية القائلة بضرورة وجود تهيؤ /استعداد ذهني صالح لظهور كل من اللغة والمقدرة على صناعة الأدوات واستعمالها (ص 255) وهو ما لم يشرحه المؤلف، أي أن الأمر بقي غامضا: هل اللغة المعقدة، مثلا، هي التي أدت إلي التهيؤ الذهني المشار إليه عند الإنسان أم هل أن مصدر ذلك الاستعداد الذهني ليس اللغة وإنما شيء آخر؟.

ففرضية اللغة كأهم عامل في تميز الإنسان على بقية الكائنات تبقى هي الأقوى لتفسير انفراد الجنس البشري بالتفكير وبصناعة الأدوات وبالتخيل. إذ أن غياب نوع اللغة البشرية عند الكائنات الأخرى حرمها من تلك المواصفات الراقية التي يختص بها الجنس البشري. أي أن هبة اللغة البشرية هي بيت القصيد وراء ما ينفرد به الإنسان من خصال أهلته وحده ليكون بدون منازع سيد الأجناس الأخرى وخليفة الله في الأرض.

يناقش الفصل الأخير مسألة ظهور الثقافات في المجتمعات البشرية، فإذا كان البشر لم يخترعوا (لم يخلقوا) المجتمع، فإنهم أسسوا مجتمعا من نوع خاص ذا أرضية جديدة تتمثل في الاشتراك في خيال وتمثلات بين أفراد المجتمع البشري (ص307)، أي أن بني البشر ابتكروا أشكالا اجتماعية جديدة تعتمد على الخيال  الجماعي. يرى المؤلف أن دوركايم وداروين ليسا بالمتناقضين بهذا الصدد، بل هما متكاملان.

تذهب العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى القول إن المجتمع هو ابن الثقافة، بينما تتبني نظرية التطور تصورا آخر يرى أن المجتمعات البشرية هي امتداد للنظام الطبيعي في الكون. لم يعد هذان النموذجان المتعارضان مقبولين منذ سنوات وأصبح هناك إجماع على أن المجتمع البشري مكون من الطبيعة والثقافة. فكيف وقع ذلك؟.

ويرد بأنه ابتداء من القرن العشرين بدأت العلوم الاجتماعية والإنسانية تحاول تفسير ظهور المجتمعات البشرية (ص 310) تفسيرا علميا. فدوركايم وموس يعتبران أن خلق الرمز يساوي خلق المجتمع. يتبنى جيل من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا هذا المنظور الذي يرى أن الثقافة الرمزية هي أساس نشأة المجتمعات البشرية.

ويرى صاحب الكتاب بأن ظهور الثقافة الرمزية عند الجنس البشري يمثل الأرضية لنشأة رابطة اجتماعية جديدة. لقد سمحت هذه الأخيرة بتوسيع الدائرة الضيقة للمجتمعات الحيوانية الصغيرة إلى مجتمعات/مجموعات كبيرة مثل العشائر أو القبائل. تتكون الثقافة الرمزية من تمثلات جماعية يعبر عنها بواسطة اللغة ويعبر عنها كذلك عبر خيال (السلطة الحاكمة والمجموعات الصغيرة والأخلاق) الذي يترجم في شكل أساطير وخرافات وقصص وشعائر رمزية مشحونة لها القدرة على طبع العقول/النفوس بها.

وينهي المؤلف كتابه بخلاصة تؤكد أن الكائن البشري لا يتشابه مع أي كائن آخر. فيتميز الإنسان عن بقية الكائنات بسلوكياته على الخصوص. فقد استطاع الكائن البشري في المقام الأول صناعة كل أنواع الأشياء، كما أنه أثبت أنه موهوب للعمل الفني من غناء ورقص ورسم. وتعتبر اللغة أكبر ما يميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى. فاستعمال الكلمات بطريقة ما سمحت للإنسان بنقل رسائل للآخرين وإعطاء الأوامر وإقامة الأحلاف وحكي القصص التاريخية والخيالية من كل الأنواع.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى