مقالات

لماذا أكره الغرب؟

| آرنولد توينبي

 عندما أقول بصراحة إنني أكره الحضارة الغربية المعاصرة، فإنني بطبيعة الحال أرمي من وراء ذلك- إلى حد ما- إلى إغاظة رفاقي الغربيين. فموقفي من هذه الحضارة الغربية جانب منه لا يخلو من الهزل، ولكنه في الوقت نفسه لا يخلو من جانب جدي.

إن كراهيتي للغرب كراهية صحيحة بعيدة عن الزيف والتهويل، ولكنها لا تخلو- بل ولا يمكن أن تخلو- من التلطف والهوادة، ولولا هذا الشعور لما كنت حريا أن أحس الضياع كلما خطر لي أن من الممكن فقدان مقري في لندن الذي ينتظر عودتي إليه من كل رحلة أقوم بها.

فأنا لندني المولد والنشأة، ولم يخالجني التمرد على مسقط رأسي، إلا أنني أكره ازدحام هذه المدينة بوسائل المواصلات وحركة المرور الميكانيكية ازدحاما يصل إلى درجة الاحتقان. ولست أجهل أن هذه الآفة تتمثل بوضوح ويمثل ذلك السوء في سائر مدن العالم الكبرى بعد الحرب. ولو قامت لجنة بريطانية (لا وجود لها الآن فعلا) بإخراجي من لندن، أحسبني مستطيعا أن أستوطن أدنبره أو ملبورن أو روما أو هامبورغ أو بوسطن، ولكني لن أشعر بالإيناس والطمأنينة التي تلازم الشعور بالتوطن لو أنني أقمت إقامة دائمة في نيويورك أو شيكاغو أو بيتسبرغ أو غلاسكو أو مانشستر أو ميلانو.

ولست أخالني أيضا مستطيعا أن أضرب بجذوري في كيوتو أو دمشق أو استانبول، أو حتى في أثينا، مع أنني أحب كل مدينة من هذه المدن الجميلة غير الغربية وأعجب بها.

أجل إن المرء سجين زمانه ومكانه، فأنا أنتمي إلى عصر ما قبل الفاشية. فالموسيقى الغربية الكلاسيكية هي الموسيقى الوحيدة التي تستريح إليها أذناي. أما حينما أسمع موسيقى الجاز فما أشد ما يستولي علي القلق وأشعر بالعداء والنفور، لأني أرى عالمي التقليدي وقد انتصرت عليه أفريقيا وغزته غزوا!. ولئن كنت- سياسيا- في جانب أفريقيا ضد قوى الاستعمار الغربية، فإنني إذا وصل الأمر إلى الموسيقى، أجد هذه الطاقة الاستعمارية الثقافية الإفريقية تحفزني حفزا على إعزاز كل ما يتمثل في ماضي الغرب من موسيقى سابقة على هذه الموجة الأفريقية الغازية!.

وأن يكون المرء سجين زمانه ومكانه، عنصر من عناصر القيود والحدود الإنسانية، فللإنسان كما للشجر جذور. وهذه الجذور تقيده إلى موضعه، ولكن جذور الإنسان على خلاف جذور النبات ذات تكوين عاطفي وفكري، ولذا صار من خصائص الطبيعة البشرية أن نتمرد عل حدودنا وقيودنا البشرية ونحاول التسامي فوقها.

وأنا شخصيا مؤرخ إلى جانب كوني إنسانا، وأسلوب المؤرخ في التمرد أن يحاول تحرير نفسه من الحدود الضيقة التي يفرضها عليه دم عروقه وثرى بلاده، لأن مهمة المؤرخ أن يجوب، في حرية، آفاق الزمان والمكان.

إن الحضارة التي ولد فيها الإنسان مسئمة جدا لمجرد كونها مألوفة له، ولقد كان من حسن حظي أن تعلمت الإغريقية واللاتينية، فكان ذلك بمثابة بساط سحري امتطيته منطلقا من القرن العشرين الميلادي إلى القرن الثالث قبل المسيح، ومن شمال الأطلنطي إلى شرق البحر المتوسط. وكم كنت أكره حفظ أسماء وتواريخ ملوك إنكلترا، ويلحق بهؤلاء في مستوى السوء عندي ملوك إسرائيل، لأن ترجمة العهد القديم برعاية الملك جيمس، أصبحت في الواقع جزءا من الأدب الإنكليزي، ولكني أجد لذة في تحسس طريقي بين البطالمة والسلوقيين.

أما تاريخ إنكلترا الدستوري، فنظرة واحدة إلى فهرس مدرسة أوكسفورد للتاريخ الحديث والمتوسط، كافية لصدي عن المطالعة في هذا الموضوع. أما تاريخ الإسلام وتاريخ البوذية، فيفتحان أمامي عالمين جديدين ساحرين.

إن الحضارة الغربية الحديثة يضيق بها صدري، لا لأنها غريبة، بل لأنها حضارتي التي أنتمي إليها، ولأنني مؤرخ في الوقت نفسه. فلو اتفق لي أن أولد سنة 1889 في بلاد الصين- لا في إنكلترا- لكنت حريا أن أضيق اليوم بالصين ابتداء من تاريخ بوبي وشيان كاي تشيك إلى شوان لاي. أما وأنا مؤرخ غربي ضيقي ينصب على الغرب المعاصر لأنه يحبسني بين طياته ويمنعني من الرجوع القهقرى إلى ما وراء آلة الزمن، ومن التوجه إلى روسيا ودار السلام والقارة الهندية وآسيا الشرقية، فغربيتي تجعل من المستحيل علي أن أتأقلم ثقافيا بأي حضارة من هذه الحضارات المعاصرة، وهذا في حد ذاته قيد على حريتي الإنسانية أبغضه وأضيق به.

يضاف إلى هذا كله أن لدي سببا هائلا لكراهية الغرب أهم من كل ما ذكرته آنفا، فمنذ شببت عن الطوق، اشتبك الغرب في حربين عالميتين وأخرج للدنيا مذاهب الشيوعية والفاشية والاشتراكية القومية، كما أخرج موسوليني وهتلر ومكارثي، وهذه الكبائر الغربية تجعلني أنا الغربي أشعر بالقلق وعدم الأمان. لقد اقترف رفاقي الغربيون من أهل ألمانيا جرائم كثيرة فكيف أضمن أن مواطني الإنكليز لا يمكن أن يقترفوا مثل هذه الجرائم؟.

بل إننا اقترفنا بالفعل جريمة قتل بضعة آلاف من المدنيين العزل في بور سعيد سنة 1956، فما الذي يمكن أن أتعفف عن اقترافه بعد هذه الجناية النكراء؟. بل ما الذي يمكن أن أحجم عنه أنا شخصيا لو أن هذا الجنون الإجرامي الغربي المعاصر استطاع أن يمتد إلي ويقتنصني؟.

لكم كان يسعدني ويرفع من روحي المعنوية ويعفيني من ارتجافة الحزن التي أشعر بها تجاه آثار الغرب المعاصر بعد الحرب، لو أنني استطعت أن أكون مواطنا هنديا من مواطني المهاتما غاندي، لا رفيقا غربيا لهتلر.

أجل كنت حريا أن أطيق حتى الإقامة في (بنارس) بكل ما فيها ثمنا لتحرري من صحبة هتلر. ولكن لا فكاك لي من هتلر!. فهذا الرفيق في الحضارة الغربية الذي ولد معي في أسبوع واحد، سيظل يرود حياتي المقيدة بالغرب حتى النهاية.

وإلى جانب هذه الجرائم والآثام الغربية المعاصرة ثمة عيوب في الحياة الغربية المعاصرة أراها منفرة. فلئن كنت أكره العبودية السالفة للفرد إزاء الجماعة في اليابان، فإني أكره أيضا بصورة أشد ذلك المدى المتطرف الذي ذهبت إليه الفردية في الغرب المعاصر، ولاسيما ما يبدونه هناك من قسوة وجمود تجاه العجائز. فالحضارة الغربية المعاصرة فيما أعتقد أول حضارة ليس فيها للمتقدمين في السن مكان يحتلونه بصورة طبيعية في بيوت أولادهم البالغين. وكلما نظرت إلى هذه القسوة الغربية بعين غير غربية وجدتها شيئا مروعا.

وأكره كذلك آفة أخرى من آفات الغرب المعاصر، هي المكانة الضخمة التي يحتلها الإعلان. فقد استطاع الإعلان أن يجعل من استغلال بلاهة الناس فنا رفيعا، بحيث يزج بسلع لا لزوم لها إلى داخل الحلوق المتخمة في حين يظل ثلثا سكان العالم من البشر في الوقت الحاضر في حاجة ماسة إلى ضرورات الحياة العادية.

وإنها لصورة سيئة قبيحة لمجتمع الرخاء، فإن قيل لي إن الإعلان هو ثمن الرخاء، أجبت بلا تردد إننا إذن قد اشترينا الرخاء بأبهظ الأثمان.

وإذ أنظر ورائي إلى تاريخ الغرب الماضي الذي كانت آثاره موجودة في طفولتي، لا يسعني إلا الإعجاب بما كان في القرن التاسع عشر في الغرب من تأجيل موفق لسن اليقظة الجنسية ولسن الخبرة الجنسية والشغف الجنسي إلى ما بعد سن البلوغ الجسدي بوقت طويل.

وقد تقول لي إن هذا ضد الطبيعة، ولكن عبرة التاريخ تعلمنا قبل كل شيء أن جهود الإنسان موجهة إلى التسامي بالطبيعة أو التسامي فوقها في المقام الأول، بحيث نتغلب على الحدود العضوية التي ورثناها عن أسلافنا من الحيوان؟.

إن الغرب المعاصر أصيب بنفاد الصبر وجنون التعجل، بحيث يعبد السرعة للسرعة، وكل هذا من شأنه أن يسبب تخريبا شديدا في تربية أطفالنا، لأننا نستعجل نموهم بالقوة كما نسمن الدجاج في مصانع التفريخ ومزارع الدواجن، فيؤدي ذلك إلى تنبيههم لمسائل الجنس قبل الأوان، بل قبل البلوغ البدني الفعلي، وبذلك نحرمهم من حقهم الإنساني في التمتع بالطفولة البريئة.

نحن فخورون بالتوسع في التعليم الثانوي العالي والدراسات العليا وإتاحتهما للجميع، ولكننا نحرث في البحر ما لم نعد إلى سياسة أجدادنا من حيث إطالة مرحلة البراءة الجنسية. فإننا إذا ثابرنا على السياسة المتبعة حاليا- وهي سياسة تشبه أسلوب الهند القديم- فإن الجيل الجديد من معاهد الدراسات العليا عندنا سيغدو من الوجهة العملية شبيها بالنوادي الاجتماعية المخصصة للعلاقات الجنسية.

إن هذا السلوك الجنسي السابق لأوانه من أكبر النقائص الأخلاقية في حضارة الغرب المعاصرة. أما أهم نقائصه الفكرية فإصراره على تقسيم العالم إلى شظايا تزداد صغرا بمضي الأيام. فقد انقسم الجنس البشري إلى عدد هائل من الدول.

ومنذ ولدت وأنا أجد من حولي مشغولين بابتكارات معقدة جدا، وهكذا كان علي أن أتعلم ركوب الدراجة وركوب الموتسيكل وقيادة السيارات، ثم ها آنذا أجوب العالم في السيارات والطائرات بسرعة مذهلة لا تسمح للمسافر أن يتبين ما حوله من المناظر.

إن هذه الآلية تربكني وتروعني، ولذا كنت أتمنى أن أولد في القرن الثالث قبل الميلاد في سورية، أو في القرن السابع بعد الميلاد في الصين، حتى لا تزعجني كل هذه الحياة الآلية التي يكتظ بها الغرب والحضارة الغربية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى