مقالات

(هــيــــــرش) المـخـتــــلـــف

روجر كوهين عن: International Herald Tribune | ترجمة: جمال إسماعيل

كان على الصحفيين من أمثالي، الذين أمضوا السنوات الطوال في خدمة صحف إخبارية محترمة، التصدي، ومنذ وقت ليس ببعيد، لحقيقة أننا وفي عيون الكثيرين، لم نعد أكثر من تابعين، معصوبة عيونهم، لإعلام (الاتجاه السائد)، الذي أصبح يشار إليه، وعلى نطاق واسع، بالأحرف الأولى (إم. إس. إم) Main Stream Media.

تبدو هذه الصحافة اليوم وكأنها قبعة قديمة، ويبدو العاملون فيها من رجال ونساء وكأنهم قردة كهوف، وذلك في عيون حشود من الجوالين بين غرف دردشة الإنترنيت العالمية ومفجري الحوارات ومؤرخي الأحداث في مواقع (قلها كما هي) المعروفين بكتاب الإنترنيت، والذين أصبحوا الآن من الناشرين الإلكترونيين، ودون وسيط.

لكننا، رغم كل شيء، لدينا (محررون). وماذا بوسع المحرر أن يفعل سوى مراقبة اللغة المنفلتة السارية الآن عبر الإنترنيت؟. ولدينا جدول أعمال باعتبارنا من العاملين في الـ(إم. إس. إم)، وعادة ما يوصف المرء منا بالليبرالية والإلحاد من قبل اللاحقين الجدد بالجناح اليميني والحركة الدينية في الولايات المتحدة التي ترى نفسها الحارس الوحيد للحقيقة. والأمر لا شك فيه أن صحافة (إم. إس. إم)، تتعرض الآن لهجوم واسع، وكل ما سبق له انعكاسات على صناعة الصحف التي لها الجهد والسبق لسنوات طويلة. لا تزال هذه الصناعة متدفقة إلى الآن، لكنني أصاب بصدمة عندما أتأمل التحول لأن التغيرات والتساؤلات تحدث في وقت أثبت فيه صحفي واحد، وللمرة الثانية خلال 35 عاما، وفي قضايا حرب وسلام، أن هناك ثوابت أساسية لا تتغير أبدا.

أشير هنا إلى سيمور هيرش Seymour Hersh الذي يكتب الآن في مجلة The New Yorker، والذي انفرد في عام 1969 بنشر تفاصيل مذبحة قرية MY LAI في جنوب فيتنام (حيث أصيب جنود أمريكيون بحالة هياج شديد أدت إلى قيامهم في يوم 16 مارس/آذار عام 1968، بقتل سكان القرية من رجال ونساء وأطفال)، والذي انفرد أيضا، في العام 2006 وبالتعاون مع محطة تلفزيون (سي. بي. إس)، بنشر تفاصيل إساءة جنود أمريكيين معاملة عراقيين محتجزين في سجن أبو غريب غرب بغداد، وتعذيبهم وامتهانهم.

بين هاتين القصتين الخبريتين اللتين فجرهما هيرش، عناصر مشتركة تتمثل في الضغوط النفسية المتصاعدة ووقعها على شباب الجنود الأمريكيين في بيئة معادية يصعب فيها تصنيف الأصدقاء والأعداء والخيانة والغدر، فشل في الانضباط والقيادة داخل القوات المسلحة، إجراءات تحقيق متوانية بطيئة بسبب حماية غريزية لمؤسسة ضخمة وتعتيم دفاعي من قبل بعض قيادات الجيش، ومناخ داخلي لحماسة وطنية تصبغ مثل هذه الحوادث بقوة الاستقطاب.

عن الضغوط النفسية التي قادت إلى مذبحة MY LAI، يصف Ron Grzesik، من سرية (شارلي) كيف كان يميز ما بين الأعداء من قوات (الفيتكونغ) وغيرهم من المواطنين الفيتناميين سكان القرى، ويقول: (كان علينا أولا أن نستوقف الناس، نستجوبهم، ونتركهم يمضون. وكان علينا ثانيا أن نستوقف الناس ونقوم بضرب رجل عجوز من بينهم، ونتركهم يمضون. وكان علينا ثالثا أن نستوقف الناس ونضرب رجلا عجوزا منهم، ثم نطلق النار عليه، وفي النهاية نقوم بمسح القرية بما فيها ومن فيها).

بعد 35 عاما، وفي رسالة قصيرة إلى عائلته، ويحتفظ بها هيرش، يصف الرقيب أول Ivan Frederik حالة الارتباك النفسي وقد أصبح من المشاركين في انتهاكات سجن أبو غريب قائلا: (لقد تساءلت عن بعض الأشياء التي رأيتها، وكان من بين هذه الأشياء ترك السجناء عرايا أو إجبارهم على ارتداء ملابس داخلية نسائية وتقييدهم إلى أبواب زنازينهم. والإجابة التي تلقيتها كانت إن ذلك هو ما تريده المخابرات العسكرية).

كانت الصحافة المعنية أيضا من القواسم المشتركة بين الواقعتين. لقد فجر هيرش تفاصيل مذبحة MY LAI في نوفمبر/تشرين الثاني 1969، أي بعد 20 شهرا من وقوع المذبحة، وفجر تفاصيل انتهاكات سجن أبو غريب في أبريل/نيسان عام 2004، أي بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تسلم فريق المحققين العسكريين للصور الدالة على الانتهاكات، وأقل من 6 أشهر على بدء التعذيب.

في الواقعتين كان الإصرار، والرغبة في الحصول على التفاصيل الدقيقة الصحيحة، والقدرة على الإنصات، والاستعداد لسماع كافة الأطراف، والشجاعة في مواجهة أصحاب النفوذ، وراء السبق الصحفي الذي حققه هيرش، وأراد له البعض أن يظل خافيا، ونجحوا في إخفائه لوقت طويل. واستطاع هيرش بالحاسة الصحفية والعمل الجاد والعقل المتسائل اجتياز الحواجز والوصول إلى الحقيقة.

في MY LAI، كان هذا الرجل جنديا في بداية العشرينات من عمره، اسمه رونالد ريدينهاور، تصادف أن حلق فوق القرية بعد أيام من وقوع المذبحة، ولاحظ الخراب الكامل الذي حل بها. خراب لا يوجد فيه- وكما أخبر هيرش– ولو طائر واحد يغرد. وقد قام رونالد بتجميع المعلومات عن تفاصيل ما جرى، وكتب- فيما بعد- إلى أعضاء الكونغرس.

في أبو غريب كان جوزيف داربي من الشرطة العسكرية، هو الرجل الذي عثر على صور عارية لسجناء عراقيين تعرضوا لإهانات جنسية، ودفعه الغضب إلى تسليم هذه الصور إلى المحققين في 13 يناير/كانون الثاني عام 2004.

كان ريدينهاور وداربي هما الاستثناء، مثلما كان هيرش استثنائيا في تشدده الأخلاقي وهو يطبق المقاييس الرفيعة لمهنة الصحافة. لقد اعتمد هيرش في عمله على طاقم تحرير صارم في الصياغة. ويقول في أحدث كتبه Chain Of Command أن (كل حقيقة كانت تخضع للتمحيص والمراجعة من المحررين).

وفي وقت الخطر الذي نعيشه، وفيه أصبحت الصحافة (إم. إس. إم) هدفا للظنون الأخلاقية والتقسيم القاسي، يبدو من الحيوي الآن ألا ننكمش خوفا، إذ لا تزال قيم هيرش في التحقيق والشك والاجتهاد هي التي تجعل من الصحافة رقيبا على السلطة وليس مجرد أصوات متراكمة صارخة بغضب نبيل في صحراء إليكترونية.

 

 

      

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى