مقالات

هل لحركة التاريخ قانون؟

| صفوان قدسي

(1)

قرأت العديد من كتب ومؤلفات المؤرخ البريطاني الذائع الصيت (آرنولد توينبي)، وأزعم أني ناقشت العديد من أفكاره ورؤاه واستشفافاته، حتى لقد ذهب بي الحال إلى تخوم تفنيد بعض مما جاء في كتاباته.

وعلى سبيل المثال، وهو مجرد مثال ليس إلا، فإن (توينبي) مضى في وقت من الأوقات إلى عقد مقارنات بين ما كان عليه حال الأوروبيين في وقت مضى وانقضى، وبين ما يمكن عليه حال العرب في وقت مقبل وآت.

 

(2)

وكان من رأي (توينبي)، بالاتكاء على هذه المقارنات التي أفترض أنها مجرد مقارنات افتراضية، بدليل أنها لم تأخذ طريقها إلى التحقق على أرض الواقع، أن الوحدة العربية آتية لا ريب فيها. حتى بلغ الأمر حدا جعل مترجم كتاب من كتبه العديدة، وكان عنوانه: (من النيجر إلى النيل)، يختار له عنوانا آخر متضمنا في الكتاب. وكان هذا العنوان في الكتاب المطبوع والمنشور منذ سنوات عديدة، هو (الوحدة العربية آتية).

وكان من رأي (توينبي)  أيضا أن هناك قانونا للتاريخ يفرض نفسه علينا، وبالتالي فإن ذلك الذي جرى في أوروبا حين توحدت ألمانيا أيام كانت مقاطعات وكيانات مبعثرة، فجاء (بسمارك) ليوحدها باستخدام القوة العسكرية. ومثله ذاك الذي جرى في أوروبا حين توحدت إيطاليا بعد أن كانت مقاطعات وإمارات، فجاء (غاريبالدي)، ولم يكن (ماتزيني) أيضا بعيد عن ذلك، ليفرضا بالقوة النارية وحدة إيطاليا وإنقاذها من تبعثرها وتشتتها، لا بد من أن يفرض نفسه على الدول العربية المبعثرة والمشتتة، وإن في وقت لاحق من الزمن، بحيث أن (توينبي) أجرى عملية حسابية، وكأن التاريخ محكوم بمعادلات حسابية وكيميائية، جعلته يتوصل إلى استنتاج اختزله (توينبي) في معادلة حسابية ورياضية، وهو أن الوحدة العربية سوف تتحقق لا محالة في زمن أكد (توينبي) أنه سيكون عام 1974.

 

(3)

 لكن الذي حدث هو أن عام 1974 أتى ومضى وانقضى من دون أن يتحقق شيء من هذا القبيل. حتى الوحدة بين سورية ومصر التي تحققت عام 1958 لم يقدر لها أن تعيش أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، تشظت بعدها هذه الوحدة وانفرط عقدها بفعل مجموعة عوامل وأسباب، وفي المقدمة منها أنه لم يكن مسموحا لهذه الوحدة أن تحيا وتستمر، بحسبانها تشكل خطرا على مصالح دول بعض منها عربي، وبعض آخر إقليمي، وبعض ثالث دولي. حتى أني أكاد أقول إن هذه الوحدة كانت من الممنوعات والمحظورات الدولية.

 

(4)

أسوق هذا المثال لأنتهي إلى نتيجة مفادها أن (توينبي) حين يعلن سخطه على الغرب، فليس ذلك إلا من قبيل إيمانه العميق بالأفكار التي طرحها، والتي اختزلها في عنوان واسع وعريض اختار له أن يكون سؤالا مؤلفا من ثلاث كلمات، لكنها كلمات تستدعي إجابات قدمها (توينبي) في مقاله المعنون بـ(لماذا أكره الغرب؟).

فهل لذلك من تفسير؟.

دعونا نفكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى