أبحاث ودراسات

عيون العرب الأولى على الصين

| مهند مبيضين

الناظر إلى كتب التاريخ والجغرافيا، يرى أنها أمدَّت القارئ عن الصين وحضارتها ونظمها وعادات أهلها، في رؤى خمس، جمعت بين لغة الوصف وسرد العجائب ورواية الغرائب، والافتتان بعدل الملوك، والتواصل بين الأمتين في لحظة الفتوح.

 

العين الأولى: روايات الإخباريين:

أورد المؤرخ محمد بن جرير الطبري وغيره من المؤرخين خبر الحوار الذي دار بين بعثة أرسل بها قتيبة بن مسلم الباهلي إلى ملك الصين عام 96هـ/756م، وأمرهم آنذاك أن يبدلوا لباسهم في كل يوم، وكان لباس اليوم الأول ثيابا بيضا تحتها الغلائل، وقد تدهنوا وتبخروا ودخلوا على مجلس الملك– وهو يومذاك الإمبراطور شوان تزونغ- فلم يكلمهم أحد، وعندما قاموا سأل الملك رجال مجلسه عن رأيهم بهم فقالوا: ما هؤلاء إلا نساء، ما بقي منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده، وفي اليوم الثاني أرسل الملك إليهم فدخلوا عليه يلبسون الوشيَ وعمائم الخُز والمطارف، وعندما دخلوا عليه قال: ارجعوا، وسأل جلساءه كيف رأيتم هذه الهيئة، قالوا: إنها أشبه بهيئة الرجال من تلك الأولى وهم أولئك، وفي اليوم الثالث أرسل الملك لهم فشدوا سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر وتقلدوا السيوف وأخذوا الرماح وتنكبوا خيولهم فلما دنوا ركزوا رماحهم ثم أقبلوا مشمرين فقيل لهم قبل أن يدخلوا ارجعوا لمِا دخل قلوبهم من الخوف، فشدوا على خيلهم واختلجوا رماحهم، فلما أمسى الملك سأل أصحابه كيف ترونهم؟. قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء قط، فقال ابعثوا إلي بزعيمهم. وكان هبيرة بن المشمرج، قال الملك له: لم صنعتم ما صنعتم من الزي؟.

قال المشمرج: أما زينا الأول فلباسنا في أهالينا وريحنا عندهم، وأما يومنا الثاني فهو لباسنا إذا أتينا أمراءنا، واليوم الثالث هو زينا لعدونا. قال الملك: ما أحسن ما دبرتم دَهركم. ثم أمرهم الملك بالانصراف وهددهم بالقتل فقالوا للملك إن قائدهم أقسم أن يطأ أرض الصين ويفتحها ويختم على ملوكها، ويُعطى الجزية، قال الملك لما وجد منهم شدة وبأسا شديدا: إنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من أرضنا فيطأه ونبعث بجزية يرضاها ونبعث إليه بعدد من أبنائنا، وعندما وصلت الصفائح ومعها هدية من الملك قوامها أربعة غلمان من أبناء الملوك، والجزية، وطأ قتيبة التراب وقبل الجزية، وختم الغلمان الأربعة وردهم إلى ملك الصين، فكان أن بَرّ بيمنه. ولا تنقطع الأخبار عند المؤرخين العرب عن بلاد الصين فيذكرون جيش النجدة الذي أرسله الخليفة أبو جعفر المنصور لإنقاذ عرش الإمبراطور سو تزونغ، وقد وصلت النجدة عام 145هـ/762م، وقاتلت إلى جانب الحرس الإمبراطوري ودحرت المتمردين نهائيا. كما أن الإمبراطور الصيني عندما قرر بناء قصره الشهير والماثل حتى اليوم، كان قد أرسل وفدا للإطلاع على تصاميم بغداد فنقلوها وبنوا على غرارها. وقد اتفقت المصادر التاريخية على وجود علاقات تاريخية بين العرب والصين قبل الإسلام، والعنوان العام لهذه العلاقة هو التجارة إلى جانب الحديث عن العلاقات السياسية وتبادل الرسائل بين ملوك الصين وسلاطين الإسلام،  أما عن وصف بلاد الصين فقد تناولها الجغرافيون العرب بالتفصيل الدقيق منذ القرن التاسع للميلاد، واستمروا حتى مطلع القرن العشرين.

 

العين الثانية: الوصف دون المشاهدة:

العين المسلمة الأولى في وصف بلاد الصين كانت لجغرافي مسلم من أصول فارسية، وكان جده مزدكيا- نسبة إلى مزدك- وهو أبو القاسم عبيد الله بن خرداذبة، وقد كان والده حاكما لطبرستان، وقد نشأ ابن خرداذبة محبا للسفر لكن إقامته في العراق كانت مطولة لأنه عمل مديرا لديوان البريد، وبين عامين 230- 234 هـ/ 844-848 م، كتب الرجل كتابه المعروف (المسالك والممالك)، وقد ضمنه أخبارا وأوصافا لبلاد الصين، غير أن ابن خرداذبة لم يكن قد وصل للصين بقدر ما اعتمد على تقارير وأخبار أصحاب البريد المُرسلة من المناطق الشرقية لدار الخلافة، فذكر محطات البريد والطرق المؤدية لبلاد الصين والمرافئ الشهيرة، وأشار إلى (بلاد الواقواق)، وبيّن حدود البلاد.

ورحل تاجر من بلاد سيراف اسمه سليمان السيرافي نحو الصين أكثر من مرة عن طريق الهند وبلاد جاوة، ويبدو أن هذا التاجر أراد أن يدون ما لاحظه وشاهده فشرع في عام 236هـ/850 م، بكتابة أخبار رحلاته ومشاهداته عن بلاد الصين وغيرها في كتاب سماه: (سلسلة التواريخ) الذي أتم الجزء الأول منه ثم توفي. وميزة السيرافي عن سابقه ابن خرداذبة في كونه لم يعتمد السماع ونقل الأخبار، بقدر ما نجده يكتب التجربة والمعاش والمشاهدة، وإن كان قليل التعليل والتفسير لما يراه فهو تاجر بالدرجة الأولى.

في الجزء الأول من سلسلة التواريخ، نجده يقول: (أهل الصين اتفقوا على أن في الدنيا المعروفة في ذلك الوقت أربعة ملوك، وحسبوا أن أعظمهم ملك العرب أي خليفة بغداد، لأنهم اعترفوا بلا نزاع ولا تردد بأنه أكبر الملوك في العالم لثروته الواسعة، ولعظمة قصره الشاهق، ولشوكته العسكرية). وفي كتابه يرى السيرافي أن بلاد الصين (أنزه وأحسن وأقل مرضا وأطيب هواء، ويندر أن يجد المرء فيها أعمى أو أعور). ويشبه أهل الصين بالعرب من حيث اللباس، ويروي قصصا تبين عدل الملك.

ويتحدث السيرافي عن طعام الصين وأكل أهله فيقول: (طعامهم الأرز وربما طبخوا معه الكوشان، فصبوه على الأرز فأكلوه. فأما الملوك منهم، فيأكلون خبز الحنطة واللحوم من سائر الحيوان). والسيرافي أول من تحدث عن شرب الشاي وطريقة صنعه، فقال: (لهم نوع من الحشائش يسمى الساخ يطبخونه مع الماء ثم يشربونه). وهو معجب بعدم تزويج أبناء الأقارب لبعض فيقول: (ولا يزوج أحد منهم قريبا ولا ذا نسب فلا تتزوج القبيلة من قبيلتها، ويدّعون أن ذلك أنجب للولد).

 

العين الثالثة: الغرائب والعجائب:

مع النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، يبدأ مؤرخ مسلم وهو أحمد بن أبي يعقوب المشهور باليعقوبي وهو عباسي النسب– وكان قد اتصل بالعائلة الطاهرية بخراسان- في رحلة جديدة رحل خلالها إلى الهند والمغرب ومصر وألف كتابا في التاريخ انتهى منه عام 258هـ/ 872 م.

لكن معارف اليعقوبي عن الصين تختلط بها الغرائب وبخاصة في ما يخص الطريق التي يصل بها المرء إلى الصين عبر البحر فيقول: (الصين بلاد واسعة إذا أراد أحد السفر إليها بحرا عليه أن يجاوز سبعة أبحر، يختلف كل واحد منها في اللون والرائحة والأمواج وغيرها من المخلوقات البحرية. والأول من هذه البحار بحر فارس، والبحر الثاني هو بحر لاروى وهو بحر كبير فيه جزائر وأقواق وسكانها من جنس الزنج، والثالث بحر هركند، والرابع بحر كلاه بار والماء فيه قليل والأفاعي فيه عظيمة وتوجد به أشجار الكافور بكثرة، والخامس بحر سلاهط وهو بحر عظيم كثير العجائب وفير الغرائب، والسادس بحر كتدرنج، والسابع بحر  صنخى… الخ).

في القرن الهجري الرابع/ العاشر الميلادي، بلغ اهتمام العرب بالصين ذروته إذ برز جغرافي مسلم هو أبو بكر محمد بن اسحق الهمذاني صاحب كتاب (البلدان)، وقد انفرد عن سابقيه بذكره (وقواقَين) الأول وقواق خلف الصين، وقد ذكره من قبل ابن خرداذبة والسيرافي، وأما (الوقواق الآخر فهو وقواق المتوسط الذي يوجد فيه ذهب أدنى درجة مما يوجد في وقواق الصين). والهمذاني- ويعرف أيضا بابن الفقيه- كان أول من قدم وصفا عن الصناعات اليدوية في الصين وبخاصة الفخار والأواني الخزفية.

 

العين الرابعة: الإعجاب بأخلاق الملوك:

ذروة اهتمام الكتاب العرب بالصين في هذا القرن كانت مع مؤرخ وجغرافي من أسرة عربية يعود بنسبه على الصحابي عبدالله بن مسعود وهو أبو الحسين علي بن الحسين بن علي الشافعي المسعودي. وقد مال منذ حداثته إلى الترحال، كما أراد أن ينمي ثقافته ويزيد من معلوماته بالمشاهدة والمعاينة بعد أن انتهى من القراءة والاطلاع. وقد كانت رحلته الأولى عام 309هـ/921م، فغادر بغداد إلى الأطراف الشرقية من الدولة العباسية، فطاف ببلاد فارس وكرمان، واستقر فترة في اصطخر. وكانت هذه البلاد مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة العباسية. وبعد عام واحد رحل إلى الهند وملتان والمنصورة، ثم عطف إلى كنباية فصيمور فسرنديب (سيلان). ومنها ركب البحر مصاحبا بعض التجار إلى بلاد الصين، وجاب المحيط الهندي، وزار جزائره وموانيه، وقد توقف في كل من مدغشقر وزنجبار، ثم عاد في نهاية رحلته إلى عُمان.

ضّمن المسعودي كتابه الشهير (مروج الذهب ومعـــادن الجــوهر) معلومات عن الصين استقاها من سابقيه وما شاهده في رحلته عن الصين وبخاصة ما يتعلق بأمور العـــبادة والــعادات وأســماء الأنهار وأنواع ظباء المسك، وهو معجب بأخلاق ملوك الصين.

يتوقف المسعودي عند ملاحظة خاصة بملوك الصين فيقول إنهم (ذوو آراء ونحل، إلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق في نصب القضاة والحكام وانقياد الخواص والعوام على ذلك وزعموا أن المُلك لا يثبت إلا بالعدل فإن العدل ميزان الرب وأن من العدل الزيادة في الإحسان مع الزيادة في العمل).

 

العين الخامسة: رؤية أهل المغرب:

 

في نهاية القرن الميلادي الحادي عشر/ الخامس الهجري (493هـ/1100م)، ولد في مدينة سبتة بنواحي المغرب أبو عبدالله محمد بن محمد بن الأندلسي الحسيني، من سلالة الأدارسة الأشراف- ولذلك لقب بالإدريسي– وقد استقر زمنا في بلاط الملك النورماندي روجر الثاني في بالرمو فلقب بالصقلي، وكان استقرار الإدريسي في صقلية أكثر من مجرد استضافة ملك لأمير عالم.

فقد كفله ووضع بخدمته مائة من العلماء المحبين للأسفار ومعهم المصورون والرسامون، كانت هذه الرحلة تعد أول بعثة علمية تجوب ممالك العالم الوسيط، وسجل الأدريسي كل ما شاهده في هذه الرحلة في كتابة (نزهه المشتاق في اختراق الآفاق)، وزود كتابه بخريطة عامة للأرض وسبعة خرائط تمثل أقاليم العالم السبعة المعروفة آنذاك ومنها الصين.

في نزهة المشتاق، يبدو الإدريسي معجبا بالصين وطريقة حكمها وكيفية رفع العرائض والشكاوى لملوكها والنظر فيها، وبالرغم من أنه لم يصل إلى تلك البلاد في رحلته، ولكونه لم يفصح عن مصادره، فإن مصادر معلوماته عن الصين تظل مثار سؤال.

يبدو إعجاب الإدريسي بالصين عندما يتحدث عن كيفية تقرب المظلومين للمك وكيفية إنصافه لهم، وهو يذهب إلى التفاصيل التي تشرح صورة مجلس العدل والإنصاف وهو مجلس يرأسه الملك، فيقول: (اليغبوغ يقال له ملك الملوك وهو ملك حسن السيرة وعادل في رعيته، رفيع في همته، قادر في سلطانه مصيب في رأيه حازم في اجتهاده شهم في إرادته لطيف في حكمه، حليم في تحكيمه، ومع ذلك فإنه مجتهد في دينه مقيم للشريعة كثير الصدقة على الضعفاء ودينه عبادة البدود- البوذية).

بعد الإدريسي انبرى رجل من أهل غرناطة للسفر نحو الصين، وهو محمد بن عبد الرحمن الغرناطي الأندلسي، توفي عام 565هـ /1169م، وقد ألف كتابا سماه) تحفة الألباب ونخبة الأرباب).

في هذا الكتاب يبدو الغرناطي كغيره من علماء المغرب معجبا بعدل ملوك الصين وصناعتها وديباجها واختصاصها بالقراطيس، وهو يروي شيئا من عجائب الصين التي سمع عنها، ومنها (طير الرخ) الذي اشتهر بكبر ريشه، وهو طير خيالي ذكر في ألف ليلة وليلة.

وبرغم نقله من مصادر سماعية يبدو ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان منفردا في بعض المعلومات ومنها العلاقات التي كانت بين ملك تركستان وملك الصين. وتلا ياقوت عدد من الجغرافيين الذين رحلوا إلى الصين أو اهتموا بتدوين أخبارها مما سمعوه عنها، ومنهم أبو الحسن بن سعيد (توفي 1274)، وهناك ابن الوردي زين الدين أبو حفص بن عمر صاحب كتاب (خريطة العجائب وفريدة الغرائب).

غير أن وليد طنجة المعروف الشهير بابن بطوطة، يكاد يكون أشهر جغرافيي القرن الرابع عشر الميلادي، وقد قضى من عمره أربعة وعشرين عاما مرتحلا، زار خلالها الصين ووصفها فذكر مراكبها وطرق البيع فيها وأنواع الدراهم فيها وأشهرها (دراهم الكاغذ)، وأعجب بصناعاتها وبخاصة الفخار فذكر طريقة صنعه وبيّن أنواعه.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى