مقالات

كانت حرباً طويلة الأمد

| صفوان قدسي

(1)

ذات يوم، وقعت على كتاب مترجم إلى العربية. وكان المترجم مصريا، وكنت معجبا بما صدر له من كتب عديدة، وأعني به الكاتب والمفكر اللامع (محمد عودة).

وكان أول ما لفت انتباهي في الكتاب المترجم هو عنوانه الذي استدرجني إلى قراءته ومن ثم إلى تقديم عرض لمحتوياته في مجلة (المعرفة)، أيام كنت رئيسا للتحرير، ومن بعد ذلك تحليل الكتاب ومفرداته وموضوعاته التي اختزلها المؤلف في عنوان لافت هو: (الحرب طويلة الأمد).

وكان المؤلف قائدا وثائرا من طراز رفيع، تمكن من ترجمة المقولة القائلة إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، فكان ما كان من حشده لمئات الآلاف الذين تمكنوا في نهاية المطاف من تحرير الصين من الاستعمار الياباني.

 

(2)

ومن هذا الاستهلال الطويل، سوف يدرك القارئ الحصيف أن من أقصده، ولو بالإشارة حينا، وبالإيماءة أحيانا أخرى، هو قائد مسيرة الألف ميل، (ماو تسي تونغ).

وكان هذا القائد الثائر، في كتابه الذائع الصيت، يحاول دحض نظريتين اثنتين كان يرى أنهما فاسدتان ومعطوبتان.

فأما النظرية الأولى فهي التي أطلق عليها اسم (الاستعباد المحتوم)، وكانت فيها أفكار ذاعت وانتشرت خلال تحرير الصين من الاستعمار الياباني، وهي أن اليابان على قدر هائل من القوة بامتلاكها آلة عسكرية ضخمة، وبالتالي فإنه من المحال تحقيق الانتصار عليها.

وأما النظرية الثانية فهي التي أطلق عليها اسم (الانتصار السهل والسريع)، وهي التي يستهين أصحابها بقوة اليابان وجبروتها، وبالتالي فإن دعاة هذه النظرية كانوا يستخفون بالعدو، تماما مثلما أنهم كانوا يستعجلون النصر.

 

(3)

وحين قيض لي أن أكتب عن هذا الكتاب، ليس أكثر من تعليق فقط، بل وأكثر من مقال، فإني عمدت إلى تقديم شروحات للكتاب أراها اليوم أكثر فائدة مما كانت عليه.

وعذري في ذلك هو أني خلال الحرب الضارية على سورية، وكانت حربا طويلة الأمد، كنت ألحظ أنه ساد في حياتنا ما هو شبيه، وربما مثيل، لهاتين النظريتين اللتين وصفهما (ماو) بأنهما فاسدتان ومعطوبتان.

ولقد استحسنت أن أستخدم في اختزال هاتين النظريتين، جملة واحدة هي (ليس بالتهويل ولا بالتهوين).

 

(4)

وكان قصدي هو أن أقول إن التهويل على درجة عالية من الخطورة، لكن التهوين قد يكون على درجة أعلى من هذه الخطورة. ذلك أن التهويل يقودنا إلى الاستسلام لما يسمى بالاستعباد المحتوم، وهو الاستعباد الماثل في الاستسلام أمام عدو مدجج بالسلاح من رأسه حتى أخمص قدميه، تماما مثلما أن التهوين يقودنا إلى التفكير بالتمني، من دون أن نقرأ هذا الواقع قراءة فاحصة، الأمر الذي يأخذنا إلى الاستنتاج الخاطئ، وهو أن العدو يمكن الإجهاز عليه خلال أسابيع.

 

(5)

وحين أدقق الآن في تلك الرؤية الثاقبة التي امتلكها الرئيس بشار الأسد في تصديه لهذه الحرب على سورية، فإني سرعان ما أصل إلى النتيجة الآتية، وهي أن النصر ما كان له أن ينجز ويتحقق لولا النأي عن نظرية الاستعباد المحتوم، ومثلها نظرية الانتصار العاجل، وامتلاكنا لرؤية اختزلتها في عبارة واحدة هي (ليس بالتهويل ولا بالتهوين).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى