أبحاث ودراسات

القومية واللغة واللهجة

في اليوم العالمي للغة العربية - اللغة العربية والعصر

| عبد الخالق الشهاوي

على كثرة ما كتب عن القومية العربية، فإن دور اللغة فيها ما يزال يحتاج إلى بحث وتمحيص، فلقد ظن البعض أن مجرد الإشادة باللغة العربية وتقرير دورها التاريخي، والبحث عن مجالات تأثيرها في اللغات الأخرى هو الدراسة المطلوبة، ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فاللغة بين مقومات القومية هي الركيزة الأولى للتكوين الجماعي للناس الذين يحيون على أرض مشتركة، ويحيون في ظروف اقتصادية واحدة، وهي واسطة التفاهم، وأداة التفكير، ووعاء التاريخ، وبالتالي فإنها قاسم مشترك بين كل مقومات القومية.

ولست بهذا أدخل في الجدل حول أي العناصر المكونة للقومية هي الأكثر فاعلية، فدور اللغة كما حددته لا ينفي دور العامل الاقتصادي أو التاريخي أو الجغرافي أو النفسي، وإنما أشير إلى أنه إذا كان تاريخ القومية العربية هو تاريخ كفاح شعوبها ضد الاستعمار والسيطرة الإقطاعية، وهو تاريخ محاولة الالتقاء حول موقف موحد في هاتين الجبهتين يتطور إلى عمل مشترك، ويؤدي إلى التقارب السياسي والاجتماعي، ويذيب الفوارق بين كافة الأقاليم العربية. وإذا كانت القومية بهذا التحديد موازية للثورة، ترفض أي محاولة لإبقائها دون إطار اجتماعي يحميها من الهلامية والطواعية في يد الاستعمار الجديد، وإذا كانت بهذا تسير إلى الوحدة الشاملة هدفا ومصيرا، فإن هذا التكييف السياسي للقومية لا يعني أن كل عنصر من عناصرها نشأ مع الصراع ضد الاستعمار والإقطاع، بل إن لكل من هذه العناصر دوره الخاص وتاريخه المتميز.

وبالذات فإن اللغة عامل قديم، ولربما كان التاريخ المشترك يتعمق كل يوم ويزداد خصوبة، ولربما كانت الوحدة الاقتصادية هي أحدث هذه العناصر وأكثرها ارتباطا بالنشأة التاريخية للقومية، ومن هنا فإن دراسة اللغة كعامل قديم موغل تستدعي شيئا من الدقة حتى لا يقال إن القومية وليدة اللغة وقرينة وجودها منذ مئات ومئات السنين، فمثل هذه الآراء التي لا تريد ربط الحركة القومية بعملية التحول إلى الرأسمالية، ترى أن هذا الارتباط يجعل ولادتها قرين دخول الاستعمار إلى المنطقة، وبالتالي فإنهم يحاولون التقهقر إلى زمن ظهور اللغة، هروبا من العلم ومن التاريخ، فلقد حكم علينا تاريخنا أن تكون نشأتنا القومية متأخرة عن نشأة الدول الأوروبية، ولهذا فليست نشأة قوميتنا في مكانها من التاريخ تعني أنها مستوردة رغم تأثرها بالحركات القومية الأوروبية، وارتباطها بالنمو الاقتصادي الرأسمالي الذي ظهر مصاحبا للاستعمار فبدا أثرا من آثاره.

إن دراسة تاريخ اللغة حينئذ يفترق عن دراسة اللغة كعنصر من عناصر القومية، وكل شراح القومية وباحثينا يتفقون على أن اللغة هي أولى خصائصها بروزا، وحينما تقترن نشأتها بالتميز اللغوي فإن كلا التاريخين ينبعان من أصول واحدة. ولكن اللغة قديمة، ساعد على عدم اندثارها عوامل طبيعية وسياسية ودينية. فالفارسية مثلا كانت قبل الإسلام غيرها بعده، وغيرها الآن، وكذلك لغات كثيرة، ولكن الفروق بين العربية قبل الإسلام وبعده والآن لا تجعل من أي منها لغة أخرى، وإن كانت تطورا لها.

ولقد ساعد اللغة العربية على هذا الصمود التاريخي أن كل البلاد التي تتحدث بها الآن لم يكن أول عهدها بالعربية مع الفتح الإسلامي، فللعروبة في مصر مثلا تاريخ قديم يمتد إلى عشرات القرون قبل الإسلام، حيث أثبت علماء الأجناس أن هجرات كبيرة من الجزيرة العربية كانت تحدث كل ألف عام، وقد أثرت هذه الهجرات الواسعة في معظم سكان مصر القدماء تلك الهجرات التي كانت تأتي عن طريق برزخ السويس حينا، ومن طريق باب المندب وشواطئ أفريقيا حينا آخر، وكما يقول (فيليب حتي): (إننا لو دققنا النظر في اللغة المصرية لوجدنا تشابها جليا بينها وبين اللغة الآشورية والبابلية والكنعانية والعبرانية والحبشية والعربية (هذا التشابه) يخول ردها إلى أمة واحدة).

وكما كانت الهجرات غالبا تأتي من الجزيرة العربية، فقد كانت الحملات المصرية إلى سيناء وفلسطين وفينيقيا شمالا، وبلاد النوبة جنوبا، تحدث احتكاكا بين أهل هذه البلاد الذين كان معظمهم من الأصل العربي مما يؤثر في الفريقين الغازي والمغزو على السواء.

وبهذا أصبحت المفردات العربية القديمة هي غالبية مفردات لغة مصر، فالأصل واحد، والاختلاف ليس إلا نتيجة إسقاط بعض الكلمات هنا أو هناك، ولو أن هذه اللغات تركت لظروف التطور اللغوي العادية تؤثر فيها مستندة إلى الفواصل الجغرافية والانعزال الإقليمي وصعوبة المواصلات الخ.. لاتسعت الفوارق وتضخمت، ولكن توالي الهجرات والغزوات، فضلا عن الارتباطات التجارية، كان يوقف هذا الاتساع.

ولقد وضع الأستاذ أحمد كمال قاموسا لآلاف المفردات المصرية القديمة المتشاركة في المعنى والمبنى مع المفردات العربية، وقال الأستاذ سليم حسن إن 65% على الأقل من اللغة المصرية القديمة هي سامية، وأكد جوستاف لوبون: (أن جذور المصرية القديمة وقاموسها في معظمه يتركب من عناصر سامية، حتى الأجرومية فيما يتصل بتركيب المؤنث والجمع).

ولعل في هذا ما يرد على الذين يربطون التاريخ القومي للأمة العربية بنشأة اللغة ذاتها، ولعل فيه أيضا ما يرد على الذين يربطون بين انتشار العربية وظهور الإسلام ونشأة القومية، إذ من المؤكد أن الإسلام قد ساعد على توحيد اللهجات العربية وأعطى للغة عناصر ثبات واستقرار ما تزال تؤثر حتى اليوم، ولكن ذلك في مدى الرؤية التاريخية بالنسبة للغة ليس إلا موجة من الهجرة والامتزاج ساعد الإسلام على إعطائها فاعلية أقوى، إذ دعا العرب الوافدين إلى الاستقرار والالتصاق بالسكان من دون فوارق.

ومثل ما قيل عن مصر يقال عن الشام والعراق، فليس تاريخ عروبتها هو تاريخ الفتح الإسلامي، وليس أثر العرب بعد الفتح هو أثر الجيوش الغازية، فليس كل من وفد إلى هذه البلاد ومصر كان جزءا من الجيش، فقد حدثنا المقريزي أن قبائل ((بلى) التي كانت تؤلف المجموعة القضاعية بالشام، قد نقلت كلها بأمر عمر بن الخطاب إلى مصر (فاتفقت هي وجهينة فصار (ليلى) من جسر سواج غلابا إلى قرب غرب قمولة، وصار لها من الشرق من (عقبة قاد الخراب) (البداري مركز أسيوط) إلى عيذاب (على البحر الأحمر).

وليس لكل هذا من معنى إلا أن البلاد العربية الآن، كانت منذ القدم بحرا يتموج بالهجرة والالتقاءات السكانية.

نحن لا نريد إذا إثبات قومية مصر العربية. فلو أن المسألة متعلقة باللغة لكان الحديث تحصيل حاصل وترديدا لبديهيات، ولكنا نريد أن ندرس موقف اللغة اليوم من المسألة القومية، فإذا كانت اللغة أولى خصائصها بروزا، فإن العامل الاقتصادي هو أول العوامل فعالية لارتباطه بنشأة البورجوازية، ولكن الاقتصار على العامل اللغوي يؤدي إلى العنصرية (تمجيد الجنس)، وكذلك فإن الاقتصار على العامل الاقتصادي يؤدي إلى التفوقية والتعصب، فالأمة إذا جماعة من الناس مستقرة، وهذا الاستقرار مسألة نسبية، تختلف في مداها من شعب إلى آخر حسب الظروف الاقتصادية والجغرافية والسياسية التي تؤدي إلى زعزعته أو تدعيمه، ويكون الاستقرار في أرقى مستوياته بتحقيق القومية ذاتها، فهو عامل ونتيجة في ذات الوقت.

والتكون التاريخي لأمة ما لا بد أن يراعى فيه ما حدث من هجرات، بل أن التجاور القبلي على أساس الوجود والحياة في مكانين قريبين يؤدي إلى التفاعل والتقارب، وتبعا لذلك فإن أشكال الوحدات السياسية تحت سلطة دولة ما أو إمبراطورية ما في التاريخ العربي لا تعني أن القومية كانت قائمة لمجرد وجود دولة مركزية مثل الدولة الأموية أو العباسية. إنه قبل دولة القومية يكون هذا التوحد التاريخي كامنا وجنينيا، يكون موجودا بالقوة، وبعدها يكون موجودا بالفعل، وفرق بين الوجود الكامن الذي يحتاج إلى ظروف تنمية تصقله، والوجود الحقيقي الذي أصبح واقعا يجد تعبيره في الحياة.

والأمر فيما يتعلق باللغة يشبه ذلك، حيث يكون وجودها وأصالتها وعمقها ووحدتها وتطورها قبل عصر القومية عاملا من عوامل النضج القومي وسرعته ومتانة بنيانه، غير أننا نلاحظ أن كثيرا من التكوينات القومية في أيامنا هذه، وبالذات في أفريقيا تصاغ في شكل وحدة قبائل، وما لدى هذه القبائل مما يفرق بين لغاتها أكثر مما يجمع، فهي لغات بدائية، وأثر الاستعمار في التفرقة وبث أسباب العزلة ما تزال هذه الشعوب تعاني منه.

ولكن، حينما تنضج حركة سياسية، فإنه تنمو في كل لغة أو لهجة (إذا صح أن لغات القبائل المتحدة فروع للغة واحدة) عناصر الوحدة. وبالتفاعل والتداخل والتطور تبرز وتتميز لغة القومية الجديدة متأخرة عن الوحدة السياسية التي هي أرقى أهداف القومية. وفي نهاية الأمر فإنه سواء كانت اللغة موحدة قبل الحركة القومية أو بعدها، فإن الوجود اللغوي يكون بالقوة (كامنا) وبالفعل (كائنا) من قبل ومن بعد أيضا.

لماذا يكون الوجود السابق للغة عاملا من عوامل الإسراع بالنضج القومي؟. لأن اللغة قاسم مشترك بين كل العوامل، فالتكون التاريخي لا يتصور بغير لغة، والحياة الاقتصادية المشتركة لا تعقل بدون تفاهم. وأبسط أشكال الحياة الاقتصادية هي الاقتصاد الطبيعي، حيث الإنتاج من أجل إشباع مطالب الحياة الضرورية للعائلة أو للقبيلة، وليس للتبادل السلعي- حتى هذا النوع من الاقتصاد- يحتاج إلى لغة يتعامل بها الأفراد. وإذا كان المقصود بالحياة الاقتصادية المشتركة هو وحدة السوق، فإن هذه السوق الموحدة لا يمكن تحققها إلا بالقومية، فهي إذا كانت سببا للقومية فإنها أيضا نتيجة، أي أن السوق إذا كان قبل القومية موجودا بالقوة فإنه بعدها موجود بالفعل.

وللتكوين النفسي المشترك تكون اللغة قواما وعصبا، فلكي يعبر الشعب عن نفسه في تكوين نفسي مشترك، فلا بد أن نجد هذا التعبير في اللغة، ابتداء من الألفاظ واستعمالها إلى التراكيب وتطورها، إلى الأدب والفن وارتقاءهما.

إن الثقافة والفن الموروثين تاريخيا لا يجدان التعبير عنهما بغير اللغة حتى الفنون التشكيلية، فاللغة هي وعاء حفظ الثقافة والتراث، وهي أداة التكوين النفسي المشترك، فهناك شعوب انقطعت علاقاتها بتاريخ أجدادها مثل حضارات أفريقيا قبل فترة التأخر بسبب الاستعمار، وقبل النهضة القومية الحديثة، بل إنه يمكن السؤال ماذا من تاريخ الحضارات القديمة يمكن اعتبارها ثقافة خاصة بشعب ما؟. إن الحضارة اليونانية القديمة أصبحت ملكا للبشرية، وهي تعمل في التكوين النفسي لكثير من الشعوب بنفس القدر الذي تعمل به لدى الشعب اليوناني، وحضارة الرومان لم تكن حضارة شعب واحد، والحضارة المصرية القديمة لا علاقة لنا بها إلا في حدود أنها حدثت في إطارنا الجغرافي، نظرا للهجرات والتبدل المستمر في التكوين البشري، ولربما كان تأثير الثورة الفرنسية في تكويننا النفسي المشترك أكثر من تأثير خوفو وخفرع.

ولكن حيث توجد لغة قديمة لها مثل هذا العمر الطويل للغة العربية فإن التكوين النفسي المشترك يكون أكثر أصالة وعمقا مما للأمة الأمريكية مثلا.

وحتى الأرض المشتركة، فإنه من الواضح جدا في ظروف عالم اليوم أنها مسألة نسبية. لقد كانت عند القبيلة مجرد حدود المراعي، تنتقل معها حيث توجد كما ينتقل معها كل ما ينشأ حولها من قدسية وتقاليد مثل حفظ الذمام، والذود عن الحمى والديار. ثم أصبحت الأرض المشتركة هي التي لا يفصلها فاصل طبيعي كالصحراء أو الجبال أو البحر، ثم أصبحنا نرى باكستان مثلا تفصلها صحراء واسعة تفرق بين شرقها وغربها، وحتى قبل التقسيم إلى هند وباكستان، فقد كان هذا الفاصل الطبيعي قائما، وإندونيسيا ليست إلا عشرات من الجزر المتناثرة بين رقعة مياه فسيحة، فهل الجبال هي الفاصل الطبيعي الذي يجعل الأرض غير مشتركة، أم هو البحر أم الصحراء؟. أم أنها حدود نسبية توجد بالقوة وبالفعل مع التكون والوجود القومي للأمة بحيث تصبح الأرض الموحدة تكوينا تاريخيا لحدود سياسية وقومية؟.

وأيا كان الأمر، فإن الفاصل المعني طبيعيا كان أم تاريخيا أم سياسيا، إنما هو فاصل يحول دون التفاهم والتلاقي في شتى مسالك الحياة، وبالتبعية فإنما هو الفاصل الذي يمنع اللغة من أن تكون واحدة ومشتركة، ومعنى هذا أن اللغة تعتبر (ترمومتر) لكافة مقومات القومية. وحينما توجد مصهورة وموحدة فإن معنى هذا أن بقية العوامل يمكن البحث عنها لإثبات وجودها أو حتى لتحقيقها.

ولقد تحدث التاريخ عن لغات كثيرة تفرق الناطقون بها أمما وشعوبا ذوي لغات متعددة، بل إن ابن حزم أثبت أن (العربية والسريانية) والعبرية كانت في قديم الزمان لغة واحدة، وعن طريق الهجرة وتفرق الشعب السامي في بلاد شتى وتأثير البيئة، أخذت لغة كل قبيلة تتعرض للتغيير، إلا أنها بقيت متقاربة لفظا ومعنى، ثم بتعاقب الأزمان أخذت المخالفة تنمو حتى أصبحت تلك اللهجات متغايرة بشكل أوضح.

فاللغة العربية ليست غريبة على قوانين التطور اللغوي، وليست معصومة منها، ومعنى هذا أن العربية في عهد القومية غيرها حين كان يتحدث بها الأجداد الأوائل، ومن ناحية أخرى فإنها في مصر غيرها في العراق أو سورية أو السودان أو تونس الخ.. ولكن هل ما يفرق بين هذه الأقاليم في هذا الميدان أكثر مما يجمع؟. أعني هل اختلفت اللغة في كل إقليم حتى انشعبت إلى لغات لكل منها قوانينها الداخلية وقاموسها المستقل؟. وبعبير آخر فهل نعرف حينما نقول: (اللغة العربية) لغة من نقصد بها؟.

إن الذين ينظرون دائما في الفوارق بين الأقاليم ينتهون إلى القول بعدم وجود قومية عربية، وسيجدون دائما في ميدان الفوارق ما يدعمون به آراءهم، لأن كل المقومات تكون كامنة وجنينية يحتاج الكشف عنها إلى بصيرة سياسية وإحساس جماهيري، وإذا صح أن ما يفرق أكثر مما يجمع فإن مفهوم القومية العربية يجب أن يضيق حتى يشمل هؤلاء الذين يجدون أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم.

إن اللغة العربية هي لغة الناس الذين نشأت بهم ولهم القومية، ولسنا هنا نقع في مصادرة على المطلوب كما يقول المناطقة، إذ أن دور اللغة في الوحدة القومية هو أحد وجهي عملة ووجهها الآخر هو دور الوحدة القومية في التوحيد اللغوي، والوجهان متلازمان لا ينفي أحدهما الآخر لأننا حينما ننظر الوضع القائم من زاوية الخلافات الكثيرة، ثم نقف عند حد هذه الرؤية القاصرة فسنكون حتى من زاوية البحث العلمي المجرد بعيدين عن الحقيقة، لأنه في داخل القطر الواحد يمكن أن توجد خلافات أقوى وأعمق مما بين القطرين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى