مقالات

اللغة هي الفكر منطوقاً

في اليوم العالمي للغة العربية - اللغة العربية والعصر

| د. بارعة القدسي

 (1)

ما زلت أحتفظ في ذاكرتي بكلام كتبه المشرف على التحرير في صحيفة (الميثاق)، في مقال له عن (اللغة والوجود القومي)، وقال فيه، في جملة ما قال، إن المشكلة اللغوية قائمة في حياتنا الفكرية والثقافية. وتبدو ملامح هذه المشكلة- الأزمة في مجموعة ظواهر.

مثال ذلك أن لغتنا العربية، على غناها وثرائها اللفظي وقدرتها على التعبير، تتحول شيئا فشيئا لتصبح لغة فقيرة. ذلك أن حياتنا تتغير، والأشياء من حولنا تتبدل، لكننا نتعثر في محاولتنا العثور على معادل لغوي لهذا التغير والتبدل. وربما كان السبب في ذلك يعود إلى أننا ما زلنا أسرى الصيغ الجاهزة في التعبير، وهي صيغ لم تعد صالحة للاستعمال، لأنها فقدت صلتها بالواقع، وفقدت قدرتها على الإيصال، وتحولت إلى ركام من الكلمات التي فقدت مدلولاتها. وهذا المعادل اللغوي لا يمكن العثور عليه ما لم نتمكن من كتابة قاموس لغوي جديد مناسب لحياتنا الجديدة. وإذا ما أمكن العثور على هذا المعادل اللغوي، فإن الطريق إلى تجاوز الأزمة اللغوية تصبح ممهدة.

 

(2)

لكن ثمة ضرورة للانتباه إلى أن التعبير لا يتم عن طريق اللغة فحسب، وإنما يتم أيضا بوسائل أخرى. وقد شرحت (سوزان لانغر)، وهي مؤلفة ألمانية الأصل تكتب باللغة الإنكليزية، في كتاب لها صدر بعد الحرب العالمية الثانية تحت عنوان (الفلسفة من منظور جديد)، هذا الجانب من الموضوع عندما أشارت إلى أن (الإنسان في سعي دائم إلى التعبير عن نفسه)، ولكن هذا التعبير لا يتحقق عن طريق التفكير فحسب، أي عن طريق اللغة، على اعتبار أن اللغة والتفكير لا ينفصلان، وإنما يتحقق ذلك أيضا بوسائل أخرى متعددة، لأن (عالم المعاني أوسع نطاقا بكثير من عالم اللغة. فمع اعترافنا بأن اللغة من أهم مظاهر نشاط الذهن البشري في اتجاهه إلى التعبير عن نفسه تعبيرا ذا معنى، ينبغي أن نعترف في الوقت ذاته بأن نطاق التعبير ذي المعنى، في الإنسان، أوسع كثيرا من نطاق اللغة).

 

(3)

يبقى بعد ذلك أن نقول إن لغتنا العربية أسهمت إسهاما حاسما في الحفاظ على وجودنا القومي.

وعلى مدى قرون طويلة، فإن محاولات محمومة بذلت للنيل من وجودنا القومي، لكن لغتنا العربية تولت حماية هذا الوجود من أن تصيبه تلك المحاولات بالأذى المطلوب.

 

(4)

وحين انهار كل شيء، بقيت هذه اللغة رافعة رأسها، شاهرة أسلحتها. وحين اجتاحت هذه المنطقة موجات الغزو موجة في إثر موجة، أفلحت هذه اللغة في أن تحتفظ لهذه الأمة بقدر من التماسك جعلها في نهاية المطاف قادرة على أن تكون في مستوى المجابهة الحضارية المحتدمة.

 

(5)

وأنا هنا لا أتكلم على أوضاع الأمة خلال اللحظة الضاغطة التي عشناها على امتداد ما يقارب الثماني سنوات، وإنما أقوم بإطلالة على ذاك الذي كان من تاريخ يستحق أن يُقرأ بعناية فائقة تجعلنا قادرين على استعادة الثقة في أنفسنا وثقافتنا وتراثنا الذي يشهد محاولات محمومة لتشويهه وإظهار ما قد يكون فيه من عيوب ونقائص ومثالب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى