مقالات

اللغة واحترام الذات

في اليوم العالمي للغة العربية - اللغة العربية والعصر

| د. صلاح صالح

يذهب مهندس الطيران المصري (نبيل علي) إلى وجود ما سماه (تحالفا لغويا) على الصعيد العالمي, لصد الطوفان اللغوي الإنكليزي الكاسح، الرامي في نهاية المبتغى الإنكليزي/الأمريكي إلى جعل الإنكليزية لغة حصرية للعالم كله. وفي طليعة الوسائل المعتمدة في هذا الشأن ترسيخ استعمالها، وتعميمه عبر الوسائط التقنية ذات الحداثة الفائقة، كأجهزة الكمبيوتر، والهواتف النقالة، والأقمار الصناعية، ومختلف البرمجيات الحديثة, التي اقتحم جميعها حياتنا المعاصرة إلى درجتي الاشتمال، والاستغراق العميق. وقد بات كثيرون من مستخدمي الأجهزة الدقيقة, والبرمجيات الحديثة، في سورية، يعلنون صراحة أنهم يفضلون إبقاء أجهزتهم مبرمجة باللغة الإنكليزية، بدعوى أنهم يفهمونها، أكثر مما يفهمون العربية، وأنها ترشدهم إلى مسالكهم الالكترونية بشكل أوضح، وأدق مما تفعل العربية التي يمكن أن تضلل سيرهم داخل مسالك الأجهزة. مع التذكير بأن سورية هي الدولة الوحيدة التي تستعمل اللغة العربية في مناهجها التعليمية قاطبة، في مختلف المراحل، ومختلف المواد. وبالعودة إلى المهندس المصري الذي قدم خدمات جليلة للغة العربية، عبر جعل الأجهزة الحديثة مطواعة للغة العربية، بالتوازي مع جعل العربية مطواعة بالمقدار الذي يبقيها عربية سليمة تمام السلامة، لتلك الأجهزة التي يناسبها (الشح في تقاليب الحالة الإعرابية للكلمة الواحدة) واضعا العربية في مرتبة متوسطة عالميا من ناحية الشح الإعرابي المعاكس لحالة التعقيد الإعرابي/النحوي الذي يتجاوز في اللغات المعقدة إعرابيا ثلاثين حالة إعرابية تنتاب الكلمة الواحدة. ورغم أن هذه الحالة المعقدة قائمة موضوعيا في لغات أوروبية معاصرة، كالإسبانية، وفي لغات شرق آسيا، كالصينية, واليابانية، والكورية، والفيتنامية، فإن جميع القيمين على الشأن السياسي، واللغوي في تلك البلدان يرفض الإذعان لهيمنة اللغة الإنكليزية, في سياق الإصرار المكلف (اقتصاديا وسياسيا وتقنيا) على تطويع البرمجيات الحديثة لمقتضيات تلك اللغات المعقدة مهما اشتطت بها حالات التعقيد الإعرابي. أشاد غير باحث عربي، وغير عربي, بسورية التي اعتمدت، دون سواها، العربيةَ لغة للتعليم في مختلف مراحله، وفي جميع المواد، انطلاقا من فكرة قارة في أهم مبادئ التربية الحديثة، ومبادئ التطور الشامل، الذي يعني في مبتدأ ما يعنيه ضرورة اعتماد اللغة الأم في مناهج التعليم قاطبة (مختلف المراحل ومختلف المواد) بمعنى استحالة إنشاء أي تطور، على أي صعيد بأدوات مستعارة، كاللغات الأجنبية، التي يفاخر مستعملوها العرب، أنهم يستعملونها، وكفاهم استعمالها جهود الارتقاء والاعتماد على الذات. فهم يفخرون بما أنجزه الآخرون, من غير أي شعور بأي حرج من وضعهم المتطفل المخزي على موائد الآخرين. يضرب نبيل علي أمثلة من دول معاصرة ذوات لغات معزولة، يقتصر استعمالها على أبناء تلك الدول، كاليونان التي لا يستعمل لغتها اليونانية سوى اليونانيين في اليونان وقسم من قبرص. والمجر التي يقل عدد سكانها عن عشرة ملايين، وفنلندا التي يقل سكانها عن أربعة ملايين، ورغم ذلك فإن أيا من هذه البلدان، وسواها من بلدان شرق آسيا، لا يعتمد سوى لغته القومية حصرا في مختلف مراحل التعليم، ومختلف المواد، دونما استثناء. وإن أبناء هذه البلدان، وبلدان أخرى عديدة، لا يقرؤون الأدب العالمي إلا بلغاتهم القومية، بعد ترجمته، بطبيعة الحال. من غير أن يغيب عن الأذهان أن انصراف مناهج التعليم إلى تعليم اللغات الأجنبية الحية قائم هناك على قدم وساق، بوصفه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، يتعلمونها هناك بوصفها (لغات أجنبية) لا بوصفها لغات بديلة عن اللغة الأم. خلافا لما نعاينه اليوم في عموم منطقتنا العربية من انصراف مفجع، ومخز أيضا عن اللغة الأم. لا شك في أن احترام اللغة القومية جزء من احترام الذات، الذات الجمعية، والذات الفردية على حد سواء. والقار في شتى مناحي حياتنا الاجتماعية والثقافية، على جميع المستويات، أن من ينصرف عن احترام نفسه، فمن المستحيل أن يحترمه الآخرون.

 

عن صحيفة (تشرين) السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى