مقالات

هذه الاستهانة بلغتنا الجميلة

في اليوم العالمي للغة العربية - اللغة العربية والعصر

| صفوان قدسي

(1)

عندما أصدرت مجلة (المعرفة) عددها الممتاز عن اللغة العربية والعصر، وكان ذلك في الشهر الأخير من عام 1976، وكنت آنذاك رئيسا للتحرير، فإني كتبت مقالا مطولا قلت فيه إنه إذا اتفقنا على أن أزمتنا اللغوية ليست أزمة اللغة العربية نفسها، وإنما هي أزمة التعامل مع هذه اللغة، أي أزمتنا نحن الذين نتكلم هذه اللغة ونكتب بها، فإننا نصل بذلك إلى مسألة أكثر تحديدا، وهي أننا في تحميلنا لغتنا العربية مسؤولية تخلفنا الحضاري، ومسؤولية قصورنا عن مواكبة حركة التقدم، ومسؤولية عجزنا عن اللحاق بركب العصر، وما إلى ذلك مما اعتدنا عليه من استعمال لمجموعة من العبارات التي تؤدي جميعها في نهاية المطاف إلى نتيجة واحدة، وهي أننا نلقي على لغتنا القومية جميع أسباب قصورنا.. أقول إننا في هذا الذي نفعله إنما نحاول أن نعفي أنفسنا من مسؤولية هذه الأزمة اللغوية التي نواجهها.

مثال ذلك أن نفرا ممن يخطئ في استعمال لغتنا العربية الاستعمال الصحيح، يعمد إلى رمي هذه اللغة بكل ما من شأنه أن يحط من قدرها، وأن يجعلها تبدو مسؤولة عن أي خطأ يمكن أن يقع فيه هذا النفر أو ذاك من الناس.

 

(2)

ومن يتأمل في ما يكتب وينشر باللغة العربية، فإنه سوف يقع على حقيقة مثيرة للهلع، وهي أن الكثرة الكاثرة منه إنما تستهين باللغة استهانة تكاد تكون بغير حدود. وأكثر من ذلك، فإنه قلما نقع على نص يخلو من خطأ نحوي أو إملائي ارتكبه الكاتب. وأنا هنا لا أتكلم على الأخطاء الشائعة، وإنما أتكلم على هذه الوفرة العجيبة من الأخطاء التي شاعت شيوعا لا يمكن تفسيره إلا على أنه نوع من الاستهانة بعقل القارئ وذوقه، فضلا عن أنه إشارة إلى هذا العجز اللغوي الذي حل بهذه الكثرة الكاثرة من كتابنا.

والغريب في الأمر هو أنه قلما تجد من يوافقك على أن الشرط الذي لابد من توفره في أي كاتب هو شرط حسن استعماله للغة وأدائه لها.

وكثيرا ما سمعت من بعض من كنت أحسن فيه الظن، أن مسألة اللغة مسألة ثانوية ولا تستحق أن نتوقف عندها طويلا، لأن المهم هو الفكرة التي يحاول الكاتب أن يقولها. والأعجب في هذا المنطق هو أنه يقوم على افتراض بالغ الخطورة، وهو أن ثمة انفصاما بين الكلمة وبين ما تحاول أن تقوله، أو بين الفكرة وبين اللغة التي تؤدى بها. كذلك فإن هذا المنطق يقوم على افتراض آخر، وهو أن قواعد اللغة العربية يمكن أن تنفصل عن اللغة ذاتها.

 

(3)

هذا المنطق لا يعدو أن يكون تسويغا لهذا العجز اللغوي الذي حلَّ بالعديد من كتابنا، إذا لم يذهب بنا سوء الظن إلى أن المسألة أعمق من ذلك وأخطر، وأنها جزء من المحاولات المبذولة لاقتلاعنا من جذورنا، هذه الجذور التي لا شك في أن اللغة جزء منها.

والأغرب من ذلك أيضا، هو أن المدافعين عن هذا العجز اللغوي، يتجاهلون حقيقة ذائعة ومعروفة، وهي أنه ما دامت اللغة العربية لغة منطق وقياس، فإن الخروج عن قواعدها يصبح خروجا عن منطق اللغة، ويصبح بالتالي خروجا عن المعنى الذي تحاول اللغة تأديته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى