مقالات

مرض اسمه اضطهاد الذات القومية

في الذكرى ال 101 لميلاد جمال عبد الناصر

| صفوان قدسي

(1)

حين تقع أمة من الأمم تحت وطأة محنة قومية أو كارثة وطنية، فإن مرضا بعينه سرعان ما تظهر أعراضه على جسد الأمة. أي إنه في زمن المحن والكوارث، تشكو الأمة من مرض اسمه مرض اضطهاد الذات القومية.

 

(2)

ومن يتأمل في النصوص الأدبية والفكرية التي تنتجها الأمة حين تكون خاضعة لمحنة من المحن، يستطيع استخلاص حقيقة مفادها أن الأمة، في مثل هذه الظروف والأحوال، إنما تنتج أعمالا أدبية وفكرية تتسم بقدر من تعذيب الذات لا يظهر بوضوح إلا في مثل هذه الظروف.

ومعنى ذلك هو أن الأمة حين تحل بها نكبة من النكبات، فإن نفرا من كتَّابها ومفكريها يستل خنجرا مسموما ويمضي به إلى جسد الأمة طعنا وتمزيقا.

 

(3)

حين يحدث شيء من هذا القبيل، فإن كل شيء يغدو مستباحا.

ليس الحاضر وحده هو الذي يستباح. التاريخ يغدو بدوره مستباحا.

تراث الأمة من ألفه إلى يائه يغدو موضع شك وريبة.

قيم الأجداد ومثلها العليا تغدو شيئا شبيها بسقط المتاع!.

 

(4)

وما زلت أذكر كيف أن هذا المرض ظهرت أعراضه واضحة على جسد أمتنا في الفترة التي أعقبت حرب حزيران، وكان ذلك في السنوات الأخيرة من عصر جمال عبد الناصر.

وما زلت أذكر كيف أن آلاف الصفحات قد كتبت في التصغير من شأننا ومن شأن تاريخنا، ومن شأن تراثنا.

بل إن آلاف الصفحات كتبت في الحط من كل ما من شأنه أن يهب أمتنا القدرة على مجابهة ذلك التحدي.

وأكثر من ذلك، فإن آلاف الصفحات كتبت في الإعلاء من شأن العدو، وفي الإذعان لمشيئته.

 

(5)

ليكن صحيحا أن تراثنا الثقافي ليس على ما يرام، وليس فيه ما يصلح لحياتنا المعاصرة، وليس فيه ما يضيف إلى ثقافتنا المعاصرة، وأن تراثنا الثقافي ليس مضيئا بما فيه الكفاية، وأن السلبي في هذا التراث وفير بما فيه الكفاية.

ليكن ذلك كله صحيحا، وهو ليس صحيحا على الإطلاق، فما الذي يجب علينا أن نفعله؟.

هل نطوي صفحات تراثنا ونحرق مكتباتنا القديمة؟.

ما أظن أن شعبا يحترم نفسه يمكن أن يقدم على شيء من هذا القبيل، وما أظن أن شعبا يبحث لنفسه عن مكان تحت الشمس، يمكن أن يحرق مكتباته القديمة.

 

(6)

وحين نستحضر جمال عبد الناصر في ذكرى ميلاده، فإنما نستدعي ذاك الذي كان قائما في حياتنا ذات يوم، والذي يحاول بعض منا إعادة إنتاجه مرة أخرى، مستثمرا هذا الذي واجهه الرئيس بشار الأسد عبر سنوات ثمان، من محاولات لأخذ سورية إلى مكان آخر يتداعى فيه دورها القومي الذي يعطيها هذا الثقل النوعي الذي أسهمت في صنعه وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى