مقالات

مستقبل العروبة

في الذكرى ال 101 لميلاد جمال عبد الناصر

| جميل مطر

قبل عدة سنوات، بدأت كتابات متناثرة في صحف الغرب ودورياته الأكاديمية تفند القومية العربية، أو تتحدث عن انحسارها ثم تعلن نهاية القومية العربية. كنا نتابع هذه الكتابات، وبحثنا في خلفيات ودوافع الكتبة، وتوصلنا إلى أن معظمهم تجمع بينهم عناصر معينة لها من المهاجرين العرب الذين اكتسبوا جنسية الدولة الغربية التي يعيشون ويكتبون فيها. أغلبهم بدا حريصا على التقرب إلى الجماعات اليهودية وأجهزة صنع القرار، وواعيا إلى أهمية إثبات قدرته على الاندماج في تيار الأغلبية العرقية أو الثقافية.

انضم إلى هؤلاء المبشرين بنهاية القومية العربية فريق من المستشرقين بقيادة المستشرق اليهودي برنارد لويس. وبدأت على الفور حملة متناغمة تعلن بداية الزحف الإسلامي الذي يهدف إلى تدمير حضارة الغرب. إنه العدو الجديد للحلف الغربي، إنه الإسلام ذو التاريخ المعروف لدى المستشرقين بالعنف والغزو المسلح والهدم والتدمير.

الواقع يدل على أن هناك من التطورات والسلوكيات السياسية والاقتصادية العربية، ما يشير إلى انحسار في المسار القومي، أو على الأقل، في بعض أبعاد هذا المسار. وأقول بعض الأبعاد لأن هناك خلطا أو لبسا في المفاهيم، وأحيانا يكون هذا الخلط أو اللبس متعمدا. إذ أنه على خلاف القومية في مضمونها الغربي، أو كما عرفها الفكر السياسي الغربي خلال القرنين الأخيرين، تعني القومية العربية أمورا ومعاني مختلفة ومتعددة، فهي في الأساس وإن نشأت متأثرة بالمفهوم الغربي، لم تقصد محاكاته.

لم يوجد، ولا يوجد، إطار نظري أو إيديولوجي محكم يحدد أصول وأبعاد القومية العربية مثل ما هو موجود في الفكر القومي الأوروبي. ولم يسمح الوقت ولم تسمح الظروف بأن يحدث تراكم في التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات العربية يؤدي- كما أدى عبر قرون طويلة في أوروبا- إلى إنضاج ثمرة القومية. فقد أنشئت الدولة القطرية في المنطقة العربية قبل اكتمال نضوج الفكر القومي، وبمجرد نشأتها تفاعلت مع الفكر القومي من موقع النقيض أو من موقع العداء أو من موقع المهادنة. وحين اعتنقت بعض الأنظمة العربية الحاكمة الفكر القومي كمحدد لسياساتها الخارجية فعلت ذلك- في أغلب الحالات- لدعم التوجه القطري، أو انطلاقا من المصلحة الوطنية القطرية.

ويرى بعض الباحثين في تطور الفكر القومي أن اعتناق بعض الأنظمة الحاكمة للفكرة القومية واحتفاظها في الوقت نفسه بسياسة دعم الوطن القطري كان ربما لمصلحة التيار القومي بصفة عامة. وتعتقد الدكتورة مارلين نصر مثلا أن نجاح الناصرية في قيادة التيار القومي العربي خلال مرحلة المد القومي يعود أساسا إلى أن الفكر السياسي الناصري أصر على التمسك باستقلالية الأوطان القطرية والاعتراف بخصوصياتها، ولكن في إطار التوجه القومي العام.

أدت هذه العوامل وغيرها إلى أن تصبح القومية العربية مفهوما لا يتطابق مع المفهوم الغربي، وأدت أيضا إلى تعدد مترادفاتها. فهي تارة عقيدة، وتارة تيار، وتارة حركة، وتارة شعورا. وتعددت الرؤى حولها، وتعددت كذلك التفسيرات. فهي اتجاه ثقافي، أو اتجاه اقتصادي تكاملي، أو اتجاه تحرري معاد للاستعمار.

هذه الاختلافات في المعنى، والرؤى، والتفسيرات تسببت في ذيوع فكرة انحسار القومية العربية.

حين تقوم إسرائيل أو دولة غربية بقصف دول عربية وقتل سكانها ونسف مفاعلاتها ومشروعاتها النووية واحتلال عواصمها وغزو أو قصف مقر منظمة التحرير في تونس بعد طردها من مقرها في لبنان، ولا يتحرك الشارع العربي في أي عاصمة عربية احتجاجا أو تنديدا أو ضغطا على حكوماته، فالمنطقي أن تفسر هذه اللامبالاة بانحسار في المشاعر القومية.

وحين تزداد الفجوة اتساعا بين الأغنياء والفقراء على مستوى الدول العربية، وتزداد اتساعا داخل القطر العربي الواحد، ويتهتك النسيج الاجتماعي العربي نتيجة اتساع هذه الفجوة ونتيجة التوقف عن معالجته أو ترقيعه بعمل اقتصادي عربي مشترك، فالمنطقي أيضا أن تهتز ثقة المواطن العربي العادي بقوة الوشائج أو العواطف القومية.

وحين تتصور بعض الحكومات العربية أن القومية خطر عليها، فتلجأ إلى شن حملة إعلامية وسياسية ضد كل مقوماتها ورموزها وإنجازاتها وإلى تشويه صورتها، وإلى إنشاء تحالفات مع دول خارجية وعربية ضدها، فالمنطقي- وفي غياب بديل آخر- أن يكون لهذه الحملة صداها لدى قطاعات من المواطنين العرب، ويكون لها صداها- وهو الأخطر- لدى قطاعات في النخب السياسية والثقافية مؤهلة للاستجابة إلى ضغوط مادية ونفسية من أجل تغيير مواقفها ومبادئها. أقول هي الأخطر لأنها بخبراتها وتجاربها ومكانتها في المجتمعات أقوى إقناعا من الحكومات. ولأنها تستطيع أن تجد مبررات لدفع الشعوب نحو التخلي عن تراثها القومي (ثقافيا كان أو سياسيا أو وطنيا).

من المبررات الشائعة هذه الأيام، التحولات والتغيرات الكاسحة في العالم، ونهاية الاستعمار التقليدي، وهيمنة عقيدة الواقعية السياسية، واستحالة استمرار المواجهة مع الصهيونية، والنزاعات العربية المستمرة التي تؤكد عدم وجود قومية عربية أو حتى تعايش عربي. ومنها أيضا القول إن الارتباط الوثيق بالقوة الأمريكية الأعظم أهم من علاقة قوية مع كل الدول العربية. ولكن أهم المبررات التي تقدمها هذه النخبة هي القول إن النظام الإقليمي العربي يجب أن ينفض لصالح نظام إقليمي شرق أوسطي. فالأول أثبت فشله مرارا وآخرها في أزمة الخليج، والثاني يفتح آفاقا رحبة أمام تعاون إقليمي مع إسرائيل الدولة الأكثر تقدما في المنطقة، ومع تركيا الدولة الأكثر اعتدالا ورسوخا، وكلاهما، إسرائيل وتركيا، الدولتان الأقرب إلى واشنطن من أي دولة عربية.

هذه الدعوة- أي الدعوة إلى انتظار قيام نظام شرق أوسطي- هي في الحقيقة دعوة إلى انتظار نهاية الهوية العربية. وفي ظل التمزق العربي، وانحسار التوجهات والمبادئ القومية، تصبح الهوية العربية ذاتها في خطر.

العرب الآن يقفون عند مفترق طرق. من تصدى منهم للفكر القومي بحجة أن هذا الفكر يهدد استقلال الدولة القطرية أو نظام الحكم فيها باسم الوحدة العربية، ويواجه الآن فكرا سياسيا لا يحترم هو الآخر استقلال الدولة القطرية أو قطاع الحكم فيها. فالإسلام السياسي في صورته المتطرفة الراهنة يسقط من حسابه الدولة القطرية. الإسلام السياسي بحكم تراثه ومبادئه واستناده إلى مفهوم الأمة وعالمية الشريعة والقوانين ونظرياته في الحرب والسلام وقواعده وأساليبه في الجهاد والتعبئة لا يقنع بالتطبيق داخل قطر. إن واقع العلاقات الدولية، منذ نشأة نظام الدول، يقوم على أساس اختلاف المصالح بين الدول، وهذا الاختلاف في المصالح هو أساس الصراعات بين الدول.

لذلك أعتقد أن الموقف الذي اتخذته معظم الحكومات العربية من القومية العربية يتكرر الآن. لا يعني هذا أن هذه الحكومات أو النخب السياسية العربية سوف تعيد التفكير في مزايا العودة إلى تشجيع وبث الفكر القومي، ولكن يعني أن العرب مقدمون على مرحلة ضياع فكري. فالوطنية بمعناها الرومانسي أو بمعناها العملي لم تعد رادعا كافيا للاختراق الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني الخارجي للوطن، وخصوصا بعد أن أصبح التداخل في كل هذه الأمور من علامات السياسة الدولية الراهنة. والوطنية لم تعد لها القدسية التي توفرت لها خلال مراحل الاستقلال، وخصوصا بعد أن صار الفساد أهم سمة من سمات العمل السياسي، وبعد أن صار (الوطن) في كثير من الحالات مقرا مؤقتا لثروة الفرد وثقافته وإبداعه الفني والعلمي وطموحه المهني والحرفي.

كذلك الحال بالنسبة للقومية سواء بمعناها الرومانسي أو بمعناها العملي. إذ بعد أن تعرضت لضربات وانكسارات متلاحقة على أيدي عرب يخشون نفوذها العابر للحدود السياسية، وبعد أن تقاعس المفكرون القوميون عن تغذيتها وتطويرها وأقلمتها مع مستجدات العصر، وبعد أن فشلوا في نقل أفكارهم ومبادئهم إلى جيل ثان أو ثالث، وبعد أن ركزت قوى غربية وصهيونية جهودها وحملاتها على تحطيم رموزها وإنجازاتها، وإثارة الشكوك حول جدواها، لم تعد القومية قادرة بظروفها الراهنة وظروف السياسة والسياسيين في العالم العربي على ملء فراغ الفكر السياسي، وهو الفراغ الذي تدور فيه النخب السياسية والقوى الحاكمة العربية، وتجر شعوب المنطقة بأسرها لتدور معها في هذا الفراغ المدمر.

هذه كلها من علامات مرحلة انتقالية. ففي كل المراحل الانتقالية في تاريخ الشعوب والدول يتعرض الفكر السياسي لهزات عنيفة. وفي كثير من الحالات أفرزت هذه الهزات تغيرات أساسية في إدراك الشعوب لهوياتها. أحيانا تتعزز الهويات الثانوية كالقبلية والطائفية والأسرية على حساب الهويات الرئيسية كالوطنية والقومية، وتقع الحروب الأهلية خلال هذه الأحيان، وأحيانا أخرى تتعزز الهويات الرئيسية على حساب الهويات الثانوية. ولن نكون استثناء. فالعالم يتطور في اتجاه تعزيز الهويات الرئيسية. القومية تتعزز في أوروبا وفي آسيا، وتحاول من جديد العودة إلى مفهوم الدولة القومية، ومنه نحو مفهوم القارة القومية.

وأعتقد أنه مهما طالت المرحلة الانتقالية التي يمر فيها العرب، فإنهم سيتوصلون في النهاية إلى أن القومية غير المتناقضة وغير المتعارضة مع الإسلام والمعترفة بالحقوق والخصوصيات الوطنية، والمتعاملة مع مشروع نهضوي وطني، هي الهوية الوضعية الوحيدة التي لا يمكن للعرب أن يعيشوا أو يتحقق أمنهم ورخاؤهم بدونها.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى