أبحاث ودراسات

هل الوحدة العربية حتمية تاريخية؟

في الذكرى ال 101 لميلاد جمال عبد الناصر

| صفوان قدسي

 (1)

بالممارسة وحدها، يتأكد يوماً بعد يوم أن قضية الوحدة العربية تخسر، بين وقت وآخر، موقعاً كانت تقف فيه، وأن الإقليمية السياسية والفكرية هي التي تكسب المواقع التي تخليها قضية الوحدة العربية. وربما كانت هذه إشارة لا تخطئها العين المدققة إلى أن التاريخ لا يتحقق من تلقاء ذاته، وإنما التاريخ يحتاج إلى بشر يحركونه. وحين تضعف إرادة البشر في صنع تاريخهم، فإن هذه الإرادة تصبح أسيرة وضع عاجز لا تملك معه إلا أن تستسلم وتسلم قيادها لإرادة الآخرين. والتاريخ في نهاية المطاف هو صراع إرادات، والإرادة الأشد تصميماً على تحقيق ذاتها هي التي تكسب الجولة في معركة كسر إرادات الآخرين.

وبهذا المقياس، فإن إرادة الوحدة العربية تستطيع أن تكسب الجولة في معركة كسر إرادات الآخرين حين يتوفر لديها من التصميم ما يجعلها قادرة على أن تكون في مستوى المهمة المطلوب إنجازها.

وتستطيع الباصرة المتفحصة أن تضع يدها على حقيقة مفادها أن الفكر الإقليمي، في غمرة الدعوة إلى وضع قضية الوحدة في يد التاريخ، قد سلح نفسه، وأقام من حوله الخنادق والمتاريس، وكرس حقيقته الإقليمية أكثر فأكثر، وأن الفكر العربي القومي وجد نفسه في مواقع الدفاع عن النفس أمام الهجمة الإقليمية المسلحة بأحدث أدوات الإرهاب الفكري. بل لقد تجاوز الأمر هذا الحد بحيث أصبح الفكر القومي محاصراً، إن لم نقل متهماً ومداناً. وانحسرت دعوة الوحدة العربية أمام هذه الموجة الشعوبية الجديدة، وأصبحت هذه الدعوة تعلن عن نفسها بصوت خفيض بعد أن كانت هي الصوت الأعلى والأقوى، وحلت بالقضية القومية محنة قل أن تحل بقضية أخرى.

ومهما يكن من أمر ذلك كله، فإن هناك حقيقة ناصعة في وضوحها، وهي أنه إذا كان التاريخ صراع إرادات، فإن إرادة الوحدة العربية تستطيع أن تنتصر في معركة كسر إرادات الآخرين حين تسقط من حسابها ذلك الوهم القائل إن التاريخ محكوم بقوانين صماء لا قبل للإنسان بالتأثير فيها، وأن التاريخ يتحرك من تلقاء ذاته لا بفعل محركات بشرية تدفعه إلى الأمام ، وأن الظروف الموضوعية ليست مهيأة الآن لتحرك وحدوي على نطاق واسع وشامل، كأنما الظروف الموضوعية قوى غاشمة غير مرئية تفعل في الإنسان فعلها بمثل ما تفعل قوانين الطبيعة بالمادة الصماء.

والدراسة التالية محاولة في فهم معنى الحتمية واللاحتمية في مسألة الوحدة العربية، ووضع اليد على الحقيقة القائلة أن الوحدة العربية ليست محكومة بقوانين لا قبل للبشر بالتأثير فيها، وأن معنى التاريخ إنما يتحقق من خلال البشر الذين يسهمون في تحريكه وصنعه.

 

(2)

مع نهاية النصف الثاني من هذا القرن، حققت اللاحتمية تقدماً ملموساً في مجال توسيع تأثيرها، بحيث بدت أشد انتشاراً بين الفلاسفة، وحتى بين علماء الفيزياء أنفسهم. وعلى الرغم من مسألة الحتمية واللاحتمية ظلت مفتوحة للنقاش، وكان من الواضح أنها لن تحسم في مجال العلوم قبل فترة أخرى من الزمن، فإن التطورات المتلاحقة في ميدان الفيزياء الحديثة أحدثت ما يشبه الانقلاب في هذا المضمار، بحيث أصبحت اللاحتمية أكثر قدرة على هز الأرض من تحت أقدام الحتمية التي بسطت سلطانها قروناً طويلة.

وتكشف الفيزياء الحديثة في هذا الميدان عن حقائق بالغة الأهمية والخطورة. ذلك أنه في حين كانت الفيزياء التقليدية تعلن عن وجود حتمية لا يمكن إنكارها، فإن الفيزياء الحديثة تقدم من الشواهد ما يجعل من مفهوم الحتمية في الفيزياء التقليدية مفهوماً متخلفاً. أي أن الفيزياء الحديثة، بما تكشف عنه من حقائق لم تكن معروفة من قبل، تضع العلوم الطبيعية أمام اختبار حاسم، وتميط اللثام عن المحنة التي تواجهها النظرة التقليدية إلى العلوم الطبيعية.

(3)

كانت الفيزياء التقليدية تعلن بصوت عالي النبرات عن أن الحتمية (شرط من شروط وجود العلم)، هذه الحتمية التي يقوم تعريفها في الفيزياء على (إمكان توقع الظواهر توقعاً دقيقاً، أي انتظار حصولها في مكان معين وفي زمان معين بالضبط، فالحتمية موجودة إن كان الإلمام بشرط بعض الظواهر المشاهدة مع معرفة بعض القوانين الطبيعية، يخول توقع تلك الظواهر أو أمثالها في زمن لاحق. وبالتخصيص مثلاً، إن أمكن معرفة موقع متحرك وسرعته الابتدائيين، أمكن بذلك معرفة موقع هذا المتحرك وسرعته بالضبط بعد مرور مدة معينة من الزمن. عندئذ يستطيع الفيزيائي أن يجزم بالحتمية لأنه يستطيع أن يتحقق وقوع الظواهر ونتائج حساباته). غير أن العالم الفيزيائي (هيزنبرغ) وضع يده على حقيقة هدمت الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الحتمية في الفيزياء التقليدية. فقد اكتشف هذا العالم أنه (كلما دق قياس موقع الجسيم، غيرت هذه الدقة كمية حركته، وبالنتيجة سرعته، وكلما دق قياس كمية حركته، التبس موقعه. ويمتنع أن يقاس موقع الجسيم وكمية حركته معاً قياساً دقيقاً، أي يصعب تعيين موقع الجسيم وسرعته الابتدائيين بالمفهوم الميكانيكي الاتباعي، لذلك يصعب معرفة موقعه وسرعته في زمن لاحق). والأغرب من ذلك هو أن الفيزياء الحديثة تكشف عن أن هذه اللاحتمية (هي لا حتمية أساسية صميمة صرف في الظواهر الميكروفيزيائية ليس لنا في تغييرها والنفوذ إليها يدان، وإنها ليست مجرد لا حتمية ظاهرية قف عند حدودها اليوم لأن أدواتنا وأجهزتنا ومناهجنا القياسية لم تبلغ الغاية في الدقة ولا أحرزت النهاية في الضبط).

ولقد يمكن القول أن قصور أدواتنا وأجهزتنا ومناهجنا القياسية هو السبب الذي يوحي بوجود هذه الحتمية التي تشير إليها الفيزياء الحديثة، وأن هناك بكل تأكيد حتمية ربما كان من الصعب الكشف عنها بسبب هذا القصور في الأدوات والأجهزة ومناهج القياس. غير أن رد هذا القول لا يبدو بالغ الصعوبة، باعتبار أن هذا القول فرضية ميتافيزيائية ونوع من الإيمان لا يبحثه العالم الفيزيائي ولا يحق له أن يبحثه بعد أن عرف معنى الحتمية في الحوادث الفيزيائية بإمكان التوقع المضبوط). ومع ذلك، فإن علماء الفيزياء الحديثة بذلوا جهوداً كبيرة للكشف عما إذا كانت هذه اللاحتمية صميمة أم أنها مجرد حتمية ظاهرية تختبئ وراءها حتمية باطنية. وقد انتهت هذه الجهود إلى حقيقة مفادها (إن اللاحتمية في حوادث الميكروفيزياء صميمة وأنهم يصعب عليهم بمفاهميهم الحاضرة، واعتباراتهم المعتمدة في هذا الوقت، أن يستشفوا إمكان الوصل إلى الحتمية ولو تحسنت وسائل البحث ومناهج القياس لديهم).

(4)

وعلى الرغم من أن علماء الفيزياء الحديثة، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية، يقرون بالنتائج التي انتهت إليها هذه الأبحاث والدراسات، فإن بعضا منهم يحاول القفز من فوق هذه النتائج بهدف تمكين فرضياته السابقة من أن تجد الهواء الذي تتنفس به، بعد أن أصيبت هذه الفرضيات بحالة اختناق بسبب هذه الكشوف. وفي الوقت الذي أعلن فيه معظم العلماء عن أن هذه الكشوف الباهرة تحرر الإنسان مرة أخرى من قيود الطبيعة التي سجن داخلها، بمثل ما تؤكد أن الحرية حاضرة في قلب الوجود، فإن هناك فريقاً عزّ عليه أن يجد قناعاته القديمة تتساقط أمام ناظريه، فلجأ إلى أسلوب هو أقرب إلى التحايل على هذه الاكتشافات.

(5)

هذا الفريق لم ينكر صحة هذه الكشوف، وإنما هو سلك طريق احتوائها، وضمها إلى مملكته القديمة، وتحويلها إلى جزء من تراثه العلمي والفكري. وعلى سبيل المثال، فإن هذا الفريق يرى في هذه الكشوف خلاصاً مما يسميه بالحتمية الميكانيكية، ووصولاً إلى حتمية من نوع آخر يطلق عليها اسم الحتمية الاحتمالية.

(6)

وخلاصة القول هي أن العلوم الطبيعية تواجه مواقف مراجعة شاملة تجري من خلاله عملية إعادة النظر في بعض المفاهيم السائدة على ضوء حقائق جديدة تكشفت، وتحت تأثير خبرات جديدة اكتسبها الإنسان عبر رحلته الطويلة بحثاً عن الحقيقة. إن مفهوم الحتمية الذي ظل سائداً ومسيطراً سيطرة لا حدود لها، انحسر تأثيره بفعل هذه الحقيقة الجديدة التي تكشفت، وبسط مبدأ اللاحتمية وعلائق الارتياب، أو ما يسمى بمبدأ عدم التحديد، ظله الكبير على منهج القياس في الفيزياء النووية، وظهر المنهج الإحصائي كبديل من المناهج السائدة.

وعلى الرغم من أن هذه اللاحتمية لا تنفي عن العلوم الطبيعية موضوعيتها، إلا أنها تضفي على هذه الموضوعية عناصر جديدة كانت غائبة تماماً. من ذلك مثلاً أنها تجعل الإنسان عنصراً فاعلاً في أية تجربة علمية، وتمنحه مقدرة التأثير في هذه التجربة. كذلك فإن هذه اللاحتمية انتزعت من العلوم الطبيعية جمودها، وحقنتها بدم جديد أطلقت عليه اسم “الاحتمال”. وكان ذلك كله ثورة في عالم الفيزياء تداعت على إثره مفاهيم وأفكار ونظريات وحقائق قديمة، ودخلت العلوم الطبيعية عصراً جديداً. ولا نريد إن يذهب بنا الشطط إلى حد الموافقة على الفكرة القائلة إن قوانين العلم فروض واحتمالات، وأن العلم مضطر لفرض وجود المادة وجوداً موضوعياً وإلا لما كان لوجوده أي معنى، فهو إذ يتشبث بوجود المادة، فإنما يتشبث بأسباب وجوده، ولذلك فإنه مهما أوتي من قوة البيان، يظل عاجز- وسيظل عاجزاً- عن إثبات وجود المادة وجوداً موضوعياً مستقلاً عن الذات .

(7)

ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا المجال هو أنه إذا كانت الفيزياء المعاصرة هي خلاصة هذه الكشوف الباهرة، وهي الكشوف التي تقول أنه حتى في ميدان الفيزياء، فإن الحتمية الصماء ليست حقيقة علمية على الإطلاق، وأن الاحتمال وحده هو الذي يمكن أن يوضع في الاعتبار عند استخدام منهج القياس في أية تجربة فيزيائية، وأن الاعتراف بعلائق الارتياب والإقرار بوجود شيء اسمه حساب الاحتمال، يهدد المفهوم التقليدي للحتمية، وأن الكشوف الفيزيائية الحديثة تومئ إلى عجز العالم عن التنبؤ الدقيق في مجال الميكروفيزياء. وإذا كانت الفيزياء المعاصرة قد تخطت عالمها القديم وخرجت من جلدها واقتحمت عصراً جديداً سحب البساط من تحت أقدام حقائق قديمة كانت متداولة ومسلماً بصحتها، فإن العلوم الإنسانية تستطيع استخلاص الدروس المستفادة من ذلك كله. أي إنه إذا كانت العلوم الطبيعية قد اعترفت للإنسان بدور أكبر من هذا الكون، فإن العلوم الإنسانية تستطيع أن تستخلص النتيجة الأكبر أهمية، وهي أنها تملك أن تجد لنفسها مكاناً في هذا العالم من دون أن تتخلى عن اعترافها بما للإنسان من دور بالغ الأهمية في صنع تاريخه وحضارته.

(8)

هذا التطور المتحقق في العلوم الطبيعية، يحفز الإنسان أكثر فأكثر على تحقيق تطور مماثل في العلوم الإنسانية. غير أن أشد الصعوبات التي تعترض هذا الحافز، محاولة العلوم الطبيعية احتواء العلوم الإنسانية، إما بإلغاء دورها أصلاً ووصمها بالعجز والقصور والتخلف، أو بقصرها على الخضوع لمنطق العلوم الطبيعية ومقاييسها وقواعدها وقوانينها، أي بإلغاء قيمتها الخاصة وانتزاع فرديتها وتحويلها إلى علوم صماء أشبه بحجارة المختبرات.

والعلوم الإنسانية ما تزال حتى الآن محتفظة بالقدر الأعظم من استقلالها، وسوف يبقى لها منطقها الخاص وقواعدها وأدواتها، من دون أن يعني ذلك التنكر لأية فائدة يمكن أن تنجم عن البحث عن أرض مشتركة تقف عليها جنباً إلى جنب مع العلوم الطبيعية، تأخذ منها وتعطيها. ومادامت كشوف الفيزياء الحديثة تضع العلوم الطبيعية في حجمها الحقيقي، وتضع مقدرة الإنسان على الوصول إلى حقيقة العالم الذي يحيط به، في حجمها الحقيقي أيضاً، وتعيد النظر في العديد من المسلمات التي ألغت فردية الإنسان ونفت عنه حريته، فإن العلوم الإنسانية تستطيع أن تفتح حواراً مع هذه الكشوف التي تؤكد ما ذهبت إليه العلوم الإنسانية من أنها لا يمكن أن تخضع لمنطق العلوم الطبيعية. وإذا كانت العلوم الإنسانية قد اكتفت في وقت سابق بطلب مساحة من الأرض تقف فوقها، خارج رقعة العلوم الطبيعية، فإن الكشوف الحديثة في مضمار الفيزياء تسمح للعلوم الإنسانية بأن تتحرر أكثر فأكثر مما علق بها من تأثيرات العلوم الطبيعية حين كانت العلوم الطبيعية تدعي لنفسها مقدرة سحب البساط من تحت أقدام أية علوم أخرى لا تخضع لمنطقها وقواعدها وقوانينها.

والسؤال الآن: إذا كان التاريخ، وهو من العلوم الاجتماعية أو الإنسانية، يتحقق من خلال البشر الذين هم إرادات تحركها الحوافز الدينية والعاطفية والجمالية والسياسية، فهل ينسحب هذا التعريف على العلوم الطبيعية؟. وهل يتحقق معنى العلوم الطبيعية من خلال البشر أيضا؟.

وعلى أية حال، فمن الصعب صب العلوم الإنسانية في قوالب من الإسمنت المسلح وانتزاعها من فرديتها. وإذا ما أخذنا علم النفس كمثال على ذلك، فإنه يمكن القول إن المحاولات التي بذلت في وقت سابق لإلحاق هذا العلم بالعلوم الطبيعية وإخضاعه لمقاييسها وقوانينها، قد أخفقت إلى حد ما. ولعل هذه العودة بعلم النفس إلى عصره ((الفرويدي)) التي نراها ماثلة أمامنا الآن على صعيد الدراسات النفسية، على الرغم مما توصم به ((الفرويدية)) من أنها تلح على الجانب الذاتي في الإنسان، وتتجاهل العديد من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، وتركز على دور الجنس في الإنسان وفي الحضارة التي يصنعها. هذه العودة بعلم النفس إلى عصره ((الفرويدي)) دليل واضح على أن العلوم الإنسانية تستعصي على محاولات إلحاقها بالعلوم الطبيعية. صحيح أن ثمة صلات وشيجة بين العلوم الطبيعية والإنسانية، إلا أن كل علم من هذه العلوم يحتفظ بقسط كبير من فرديته وتميزه وطابعه الخاص. وآخر صيحة في ميدان علم النفس هي التي تنادي بضرورة اكتشاف أرض مشتركة بين الفرويدية والماركسية، على ما بين الاثنتين من تباين بالغ الوضوح.

وإذا ما أخذنا التاريخ كمثال آخر على ذلك، أمكن القول إن هناك محاولة لحقن التفسير المادي للتاريخ بعناصر جديدة تجعل الإنسان قوة فاعلة ومؤثرة في عملية التطور التاريخي. أي أن اكتشاف العنصر المادي في عملية التطور التاريخي لم يكن كافياً لتفسير التاريخ، وظلت هناك فجوات وفراغات بحاجة إلى من يملؤها بحيث يصبح هذا التفسير أكثر غنى وثراء، بل وأكثر إقناعا.

ومعنى ذلك أن هناك محاولة للتخلص من النظرة الأحادية للعالم والإنسان. ولم تعد ثمة فلسفة بعينها تملك مقدرة الإعلان عن احتكارها للحقيقة، وظهرت دعوات إلى دمج مذاهب وفلسفات هي في الأصل والأساس متناقضة بشكل صريح، بهدف الوصول إلى صيغة للتفاهم يمكن بموجبها تأسيس فلسفة أكثر شمولاً وأشد اتساعاً لحقائق العصر.

وربما كانت الدعوة إلى إيجاد صيغة للتفاهم بين الماركسية والوجودية والفرويدية من أكثر الدعوات التي تعبر عن هذا التحول في الفكر المعاصر. وعلى اتساع المسافة بين هذه التيارات الثلاثة، فإن محاولة ((سارتر)) إقحام الوجودية على الماركسية وجعلها جيباً من جيوبها، كما يقول هو في كتابه ((نقد العقل الجدلي)) تشكل جهداً لإدخال العنصر الذاتي في قلب الماركسية المفتقرة إليه. ومعنى ذلك أن العالم يقبل أكثر فأكثر على الاعتراف بما لفاعلية الإنسان وحريته وإرادته من قيمة بالغة التأثير، خصوصاً بعد مرحلة سجن فيها الإنسان نفسه داخل أسوار التكنولوجيا والتطور العلمي الخارق، وداخل أسوار الحقائق الجاهزة والقوالب المصنوعة من الجص، والنصوص المحرمة على أي نقاش.

 

(9)

على صعيد التطور التاريخي، يمكن استخلاص حقيقة مفادها أن هذا التطور لا يتحقق بمعزل عن الإنسان، وأنه ليس سوى المحصلة النهائية لجهد إنساني لا يتوقف لحظة واحدة عن القيام بمبادرات جديدة. ومعنى ذلك أن دراسة التاريخ بقدر ما تتيح رؤية أثر العناصر المادية في عملية التطور التاريخي، فإنها تتيح رؤية مماثلة لأثر الجهد الإنساني في هذه العملية. ولا يستطيع أي منهج في دراسة التاريخ أن ينكر أثر هذا الجهد، أو أن يقلل من قيمته، أو أن يجعل من التاريخ جملة وقائع صماء تتحقق من تلقاء ذاتها. وكما أن الحضارة لا تقوم بفعل أسباب غير قابلة للاستكشاف، ولا تنهار بفعل أسباب مشابهة، فإنه من غير الممكن عزل الإنسان عن هذه الأسباب ووضعه خارج التاريخ.

(10)

وفيما يختص بالوحدة العربية، فإن من الواضح أن هناك تيارات فكرية تلتقي عند حقيقة مشتركة وهي أن الوحدة العربية تشكل الوعاء السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري لأمة تحاول بقدر ما تملك وتستطيع أن يكون لها دور في عالمنا، باعتبار أن الوحدة هي المدخل الوحيد إلى العصر، غير أن هذه التيارات تفترق عندما يصل الأمر إلى الحديث عن الوسائل التي تفضي بالأمة العربية إلى تحقيق وحدتها. أي إن الافتراق يتحقق عندما تطرح المسألة على أساس ما إذا كانت الوحدة العربية تدخل في دائرة الحتمية التاريخية، أم أنها تتصل اتصالاً وثيقاً بإرادة الإنسان العربي ودوره في صنع هذه الوحدة.

وبمعنى آخر، فإن الافتراق يبدأ عندما يأخذ أحد الفريقين بوجهة النظر القائلة إن الوحدة العربية حتمية تاريخية، الأمر الذي يؤدي إلى إسقاط دور الإنسان في صنع هذه الوحدة، وإلى إغفال أهمية النضال اليومي من أجل الوصول إلى هذا الهدف. وعندما يأخذ الفريق الآخر بوجهة النظر القائلة إنه على الرغم من أن الوحدة العربية ضرورة تاريخية، فإن ترك أمرها للتاريخ لا ينتج عنه سوى تكريس التجزئة الراهنة وتثبيت الفكرة الإقليمية وتغذية النزعات القطرية، باعتبار أن التاريخ لا يتحرك من تلقاء ذاته وإنما هو يتحرك تحت تأثير الإنسان الذي لا يمكن للتاريخ أن يتحرك بمعزل عنه وعن إرادته.

(11)

وفي الحقيقة فإن الإيمان بحتمية الوحدة العربية يمكن أن (يعطي المناضلين العرب المقدرة على التحرر من قيود الإقليمية، والاستيعاب الشامل للقضايا العربية، وإعادة ترتيب أولوياتها، كما أنه هو الذي يمنحهم الشجاعة اللازمة للنصر في المعارك الضارية التي يخوضونها، إذ هو الذي يؤكد ثقتهم بأنهم يناضلون من أجل غاية منتصرة لأنها غاية حتمية).

غير أن هذا الإيمان يمكن ، من جهة أخرى، أن يجعل المناضلين العرب يعيشون في حالة استرخاء عقلي بانتظار أن يحمل لهم التاريخ وحدتهم على طبق من ذهب. أي أن هذا الإيمان يمكن أن يحول المناضلين العرب إلى جياد معصوبة العيون ومفتونة بالدوران حول نفسها. وهذا الإيمان الأعمى بالحتمية سوف يحول المناضلين إلى قدريين يرون (إن كل حادث في الكون مكتوب أو مقدر من البداية، وذلك من حيث وقت حدوثه وطريقة حدوثه أيضاً). وحين يتحول المناضلون إلى قدريين، فلا بد من أن يستسلموا للقوى الخفية التي يتوهمون أنها تحرك التاريخ، وتسقط بذلك حريتهم في العمل من أجل الهدف الذي كانوا يناضلون لتحقيقه، ذلك أنه لا يوجد وسط بين الحرية التامة والقدرية. (لأننا إذا استخلصنا من الموقف الحتمي كل نتائجه التطبيقية، لوجدناه ينكر تلك الحرية التي يزعم أنه يجعلها ممكنة، إذ لو كانت الذات قبل كل شيء حصيلة لتجاربها.. أي للقوى الخارجية التي تؤثر فيها، لكان من الواضح أن الاختيار، في لحظة القرار الفعلي، سيكون نتيجة لهذه القوى، لا لإرادة غير محتومة كتلك التي يقتضيها فرض الحرية. وفضلاً عن ذلك، فإذا كان الحتمي على حق، ألن يكون السؤال عن القوى التي تكون شخصيتنا متوقفاً جزئياً على طبيعة الكائن العضوي الذي نتوارثه؟. وهكذا يكون اختيارنا محدوداً وخاضعاً للتأثير بمعنى مزدوج: إذ نكون، من جانب ما صنعته منا بيئتنا، ونكون من جانب آخر، ما أتينا به إلى العالم من مادة خام. فإذا أكد أي شخص بعد هذه الحقائق كلها أننا أحرار، فإنه بكل بساطة، لا يستخدم اللغة بطريقة استخدامها العادية، ذلك لأنه ما لم تكن الذات عالية، بمعنى كونها قادرة على الارتفاع فوق مستوى علاقة العلة والمعلول التي تقيد الكون، لما كانت حرة. وما لم تكن إرادتنا مستقلة عن المنبهات والوراثة والتجارب السابقة. أي ما لم تكن قادرة في كل لحظة على القيام باختيار كان من الممكن أن يأتي بصورة مختلفة، لكانت الحرية والبشرية وهماً).

وأكثر من ذلك، فإن هذا الإيمان بحتمية الوحدة العربية يمكن أن يجعل المناضلين العرب أسرى ذلك الوهم الماثل في الفكرة القائلة إن هدفهم سوف يتحقق لا محالة، في الوقت الذي يحتاج فيه هذا الهدف إلى من يناضل من اجل تحقيقه وإنجازه. وفي مقابل ذلك، فإننا عندما نصر على الاعتقاد بأننا نحن الذين نصنع تاريخنا، فإن الأمر كله يصبح عندئذ متوقفاً على إرادتنا. وبقدر ما تكون هذه الإرادة واعية ومصممة على تحقيق الهدف، تكون إمكانية تحقيق الهدف أشد اتساعاً. ذلك أنه (إذا استطعت أن أؤمن، بوصفي لا حتمياً، بأن السيادة الكاملة لقوانين العلة والمعلول تتوقف فجأة عندما نصل إلى مجال الحكم الشخصي والقرار الأخلاقي، فإني أكون عندئذ محصناً ضد بعض من أسوأ ضربات الحياة. ففي استطاعة هذا الاعتقاد أن يزودني بدرع داخلية يمكن أن تظل فيها نفسي أو شخصيتي المتكاملة في سلام وهدوء مهما يحدث. وهكذا يتيح لي هذا الإيمان اللاحتمي الاحتفاظ بيقين راسخ بأنني حتى لو لم أستطع التحكم في الظروف الخارجية، فسيظل في استطاعتي ألا أدع هذه الظروف تسيطر علي سيطرة كاملة. ذلك لأنني أستطيع أن أقاوم تحكمها في، وحتى عندما تبلغ الأمور أسوأ مداها، فسيظل في إمكاني وضع إرادتي في مقابل كل قوتها الهدامة، متحدياً إياها أن تفعل أقصى ما تستطيع).

(12)

ويقترب هذا الإيمان بوجود قوى خفية تحرك التاريخ، أو بأن التاريخ يتحقق من تلقاء ذاته، من أن يكون إيماناً قدرياً يستسلم لحركة التطور التلقائي وينتظر مترقباً هذا الذي سيأتي به التاريخ. وهذا الإيمان هو في حقيقته النهائية أبعد ما يكون عن التفكير العلمي. ذلك أنه ليس علماً على الإطلاق أن نقول إن الوحدة العربية آتية لا ريب فيها، وليس علماً على الإطلاق أن ندعي إمكانية الكشف عن المستقبل والتنبؤ بما هو آت، وليس علماً على الإطلاق أن نستعير من التفكير القدري أدواته، وليس علماً على الإطلاق أن نقيم بيننا وبين التاريخ حواجز تحول بيننا وبين مقدرة التأثير فيه. وأكثر من ذلك، فإنه ليس علماً على الإطلاق أن نجعل من الإنسان مجرد محصلة لجملة عوامل، وأن نجعل من الحضارة مجرد نتيجة لمجموعة من العناصر غير الإنسانية، وأن ننفي عن الإنسان مقدرة الخلق والفعل، وأن نعزله عن حركة التاريخ.

(13)

هذا النمط من التفكير هو أقرب إلى النمط الميتافيزيقي الذي يفسر العالم بما هو فوق العالم، والذي يعتقد بوجود قوة مطلقة وقادرة. حتى العلم، حين يتخذ صورة القوة المطلقة، يخسر وجهه الحقيقي ويتحول من قوة في العالم إلى قوة فوق العالم، ويمسي أداة من أدوات السحر والإعجاز بدل أن يكون أداة تطوير للإنسان وللعالم من حوله. وهذا ما تفعله بعض التيارات الفكرية حين تحول التاريخ إلى قوة ميتافيزيقية بما تضفي عليه من قدرات بغير حدود، وبما تمنحه من قوة فوق قوة البشر.

وأكثر من ذلك فإن هذا الضرب من التفكير ليس مقصوراً على المؤمنين بحتمية الوحدة العربية، فهؤلاء يظلون على الرغم كل شيء وحدويين حقيقيين، لكن إيمانهم يتحول في مواقف معينة إلى إيمان غيبي يشل فعاليتهم ومقدرتهم على العمل، وإنما هو يتجاوز هؤلاء إلى فريق آخر لا يؤمن أساساً بقضية الوحدة العربية، ويتستر على تنكره لقضية الوحدة بالترويج لفكرة مفادها أنه مادامت الوحدة حتمية تاريخية، ومادامت الوحدة آتية لا ريب فيها، فإن على العرب مضغ ألسنتهم ترقباً وانتظاراً.

(14)

ولعل أخطر ما في الفكر الصهيوني هو تلك النظرة المبثوثة في كل خلية من خلاياه، والتي تقوم على فهم التاريخ من خلال الوقائع الملموسة. هذا الفكر الصهيوني لا يكف عن الإعلان بصوت خفيض أحياناً، وبصوت عالي النبرات أحياناً أخرى، بأن إرادة الإنسان هي التي تصنع التاريخ وتحركه وتوجهه في الاتجاه الذي تريد. يكتب (بن غوريون)عام 1915 في مقالة له بعنوان: (إقامة الوطن): (ليس القدر العابث هو الذي يحكم التاريخ، والحياة أكثر من أن تكون مغامرة تلعبها قوى عمياء.. ما من أمة تحررت عفواً ودون جهد، بل وأكثر من ذلك، ما من أرض بنيت بناء عفوياً أو بقيت لأهلها دون عناء وإرادة وبلا تعاليم مؤسسيها الأولين).

(15)

وقد مارس هذا الفكر الإقليمي دوراً بالغ الخطورة على هذا الصعيد حين بث في العقل العربي خرافة تقول إن حتمية الوحدة العربية توجب على العرب الانصراف عن العمل من أجل هذا الهدف إلى أهداف أخرى أجدى وأولى بالاهتمام، وقام الفكر الإقليمي بالترويج لهذه الخرافة تحت شعارات العلمية والموضوعية والحتمية التاريخية وما إلى ذلك من كلمات جرى إقحامها في قاموس اللغة اليومية.

والغريب هو أن الفكر الإقليمي المتخفي وراء أقنعة التقدمية، تناسى أنه إنما يغالط نفسه حين يدعو إلى تجميد العمل الوحدوي، والانصراف إلى ما هو أجدى منه وأنفع، تحت شعار أن الوحدة العربية سوف تتحقق من تلقاء ذاتها. ويدعو في الوقت نفسه إلى تحريك العمل الاجتماعي بهدف الوصول إلى شكل أفضل من أشكال العلاقات الطبقية الأكثر عدلاً. ذلك أن هذا الفعل الاجتماعي كما تقول أبجدية الفكر الإقليمي المتخفي وراء أقنعة تقدمية، يدخل هو الآخر في نطاق الحتمية التاريخية. والمفارقة واضحة، وهي تبدو ماثلة في الدعوة إلى تجميد هدف يوصف بالحتمية وتحريك هدف آخر يوصف هو بدوره بالحتمية.

(16)

وكان الفكر الإقليمي، في محاولته تجميد قضية الوحدة ووضعها في الثلاجة، يبرر الأمر على أنه مراعاة للظروف الموضوعية التي لا تسمح بتحقيق الوحدة لاعتبارات راح يعددها الواحدة تلو الأخرى، وعلى أنه سوف يأتي يوم تتغير فيه الظروف وتسقط الاعتبارات التي تمنع تحقيق الوحدة، وما دام الأمر يدخل في نطاق الحتمية التاريخية، فلم الاستعجال وعدم التبصر؟.

وبطبيعة الحال فإن هذا النوع من التحايل اللفظي بحاجة إلى فرقة خاصة بالكشف عن الألغام لإماطة اللثام عن حقيقة هذا الفكر الإقليمي المتستر بعباءة التقدمية والمختبئ تحت مظلة الشعارات. غير أن هذا ليس مجاله الآن، وإنما الحوار المطلوب الآن هو مع أولئك الذين يؤمنون إيماناً حقيقياً بالوحدة العربية وبضرورتها ليس فقط باعتبارها قضية ماض وتاريخ، وإنما أيضاً باعتبارها قضية مستقبل ومصير، ومع أولئك الذين يملكون هذا الإيمان في الوقت الذي تقعدهم فكرة حتمية الوحدة عن العمل من أجلها، ولعل هذا الحوار المطلوب أن يشق قناة واحدة تصب فيها الأفكار، بعد أن تعددت الأقنية وتنوعت.

(17)

وباختصار، فإن هناك من يعتقد بحتمية الوحدة العربية كمدخل وحيد إلى العصر، غير أن هذه الحتمية يمكن أن تكون مجرد إسقاط على التاريخ، بمعنى أننا نسقط على التاريخ رغباتنا الذاتية. وبطبيعة الحال، فإن الإيمان بحتمية الوحدة يمكن أن يسهم في تكريسها كحقيقة لا مناص من أن تجد معادلها التطبيقي في دولة العرب القومية الواحدة، غير أن هذا الإيمان يمكن، من جهة ثانية، أن يستخدم لغير الهدف المتوخى، كأن يقال، وهذا ما يحدث فعلاً، إنه ما دامت الوحدة حتمية، إذن فلنترك أمرها للتاريخ. أي إن القول بالحتمية يستخدم عادة على أحد وجهين، وجه يريد تكريس هذا المفهوم بهدف تحويله إلى إيمان ثابت بأن الوحدة آتية لا ريب فيها. ووجه يريد أن يضع هدف الوحدة عند الدرجة الأخيرة من سلم الأهداف المطلوب تحقيقها، أي أنه يطالب بتأجيل النضال الوحدوي مادامت الوحدة حتمية، وما دام التاريخ كفيلاً بتحقيقها. وبالطبع فإن هذا المفهوم الأخير للحتمية يلغي دور الإنسان الذي يؤثر في التاريخ بقدر ما يتأثر به.

(18)

وإذا كانت الخبرة العملية قد أبانت عن أن الوحدة العربية لا تقع خارج دائرة النشاط الإنساني، وإنما هي تقوم في صلب هذا النشاط، ولا تتحقق إلا به وعن طريقه، وإن التسليم بوجود حتمية تاريخية تخضع لها حركة الوحدة العربية سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى تجميد هذه الحركة، وتقطيع أوصالها، وشل فاعليتها وتأثيرها، فلعل ذلك أن يكون بداية لفكر عربي جديد يخرج من جلده القديم، ويحسم مشكلة تعد بحق واحدة من أخطر المشكلات التي يجابهها الفكر العربي المعاصر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى