مقالات

العلم ليس إلهاً يُعبد

معارك العلم والخرافة

| صفوان قدسي

(1)

بين العلم والخرافة مسافات شاسعة يكاد يكون محالا اجتيازها، ومع ذلك فإن هناك من لا يقيم تمييزا بينهما ولا تفريقا، وكأن العلم اشتط طموحه حتى ليكاد أن يتحول، من معطى موضوعي يمتلك الحقيقة كلها في قبضة يده بحيث صار إلى أن يكون أشبه بالإله الذي يُعبد، الأمر الذي استفز العديد ممن راهنوا على أن العلم ليس بقادر على أن يفسِّر ويحلِّل ويشرِّح جسد الكون وحقيقة العالم، وحتى جسم الإنسان الذي ما زال جزء منه، وربما أجزاء، تستعصي على سبر أغوارها، والكشف عن أسرارها، وربما ألغازها، وكذلك اقتحام أغوارها.

 

(2)

والذين يقولون هذا الكلام، ينامون على فراش من حرير، لتقفز تساؤلاتهم في وجه الطب والأطباء: لماذا تقولون الآن، وبعد أن كنتم لسنوات طويلة تقولون عكس ما تقولونه الآن، إنه ليس هناك شيء اسمه المرض، وإنما هناك من تطلقون عليهم اسم المرضى. بمعنى أن التعميم هنا غير جائز بحيث مضيتم إلى القول إن لكل مريض خصوصيته التي لا تماثلها خصوصية مريض آخر. وكذلك بمعنى أن مريضا من المرضى لا يستجيب للعلاج الذي يستجيب له مريض آخر؟. وهذا ليس له من معنى سوى أن العلوم الطبية ليست علوما كلِّية، وبالتالي فإنها تتعامل مع مرضى ولا تتعامل مع مرض في حد ذاته.

 

(3)

ثم إن رؤوسا عديدة أخرى تتقافز أسئلتها وتساؤلاتها لتصل إلى أن العلم الذي كان يفخر ويتفاخر باكتشافه مبدأ الحتمية، عاد قبل سنوات معدودات ليتكلم عن حساب الاحتمال في مملكة الطبيعة التي لا أدري إذا ما كانوا يتجاوزون قليلا ليقولوا إن الطبيعة التي كان يقال إنها محكومة بحتميات صماء وعمياء، وربما بكماء، لم يعد قولهم فيها صائبا ولا صحيحا، حيث حلَّ محلها مبدأ الاحتمال الذي ينفي، بل ويلغي أيضا، فكرة وجود حتمية حاكمة بأمرها في مملكة الطبيعة.

 

(4)

وحين يكون الأمر كذلك من حيث انتفاء الحتمية في عوالم العلم والطبيعة، والفيزياء بخاصة، فكيف يكون الأمر في مملكة الإنسان؟. وكان من شأن هذا الاكتشاف، والذي تلحق به مجموعة مسائل حول المحاولات التي بذلت عبر عقود من الزمن، بخصوص الوهم القائل، وأسميه وهما، بأن ما تخضع له مملكة الطبيعة، تخضع له حكما مملكة الإنسان.

 

(5)

والمسألة الآن يمكن اختزالها في كلمات معدودات، وهي أنه إذا كانت الكشوفات الفيزيائية الحديثة، وأقول الحديثة نسبيا حيث أنه مضى عليها عقود من الزمن، قد أوصلتنا إلى أنه لا توجد في الطبيعة حتميات، وإنما توجد فيها احتمالات، فما الذي يمكن قوله في الإنسان الذي نفترض دائما، وهو افتراض مشروع بكل تأكيد، بأنه لا يمكن أن يكون محكوما بحتميات تجعل منه مجرد آلة صماء تأتمر بأوامر تم اكتشاف أنها ليست موجودة أساسا.

 

(6)

هذا هو العلم، فكيف يكون شأن الخرافة؟.

تلكم مسألة أخرى، ولها حديث مختلف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى