أبحاث ودراسات

العلم والخيال

معارك العلم والخرافة

| د. عبد الحميد يونس

من الخطأ أن نتصور الخيال مناقضا للواقع دائما، ذلك لأن خيال الإنسان جهد واقعي، كما أن تخيلاته ليست صورا مناقضة لمحسوساته ومدركاته في كل حين. فقد يكون التخيل إضافة صحيحة لصورة مرئية ناقصة. فنحن إذا لمحنا طرفا من منظر ثابت أو متحرك، فإننا نستطيع أن نستكمل بخيالنا بقية عناصر هذا المنظر، كما أن تخيلاتنا مهما كانت لا بد وأن تستمد عناصرها من المحسوسات والمدركات. ومن هنا تقترن التجربة الواقعية بالخيال، ولا يكون ذلك بمجرد الفرض السابق عليها ولا بمجرد القدرة المحدودة على التنبؤ بنتائجها، ولكن بما يبعث عليها وما يعبر عنها، وربما سبقت هذه التجربة الواقعية هواجس يقظة أو أحلام نوم.

ومن البدهيات عند مؤرخي العلوم أن الأسطورة هي أصل العلم الحديث. ولا بد لنا أن نذكر هنا أن الأساطير لم تكن خيالا قصصيا، ولكنها كانت محاولة جادة من المجتمعات الإنسانية القديمة تفسر بها، وتقيس عليها ظواهر الحياة والطبيعة والكون، أي أن الأسطورة كانت نمطا من التفكير العلمي عند الإنسان القديم، وهو تفكير حفزت إليه عوامل الرهبة والروع والخوف من المجهول الغامض إلى جانب النزعة الملحة إلى المعرفة.

وإذا كانت الأساطير التي نطالعها اليوم سردا قصصيا يقوم على التجسيم والتشخيص والتمثيل، فإنها كانت عند أصحابها مجموعة من الشعائر، في وقت اتسمت فيه معرفة الإنسان بوحدة لا تتجزأ ولا تختزل. كانت القيم الإنسانية العليا عند ذلك الإنسان القديم واحدة فحسب، تستوعب الحق والخير والجمال والمنفعة، بل وتستوعب العمل أيضا، لا باعتباره وسيلة لتحقيق قيمة، ولكن باعتباره قيمة عليا في ذاته. فقد كانت جميع الجهود التي ينهض بها الإنسان القديم حلقة من شعيرة أو أسطورة، ولا عبرة بتفسيراتنا نحن لتلك الأساطير، فهي تفسيرات اختزلتها إلى عناصر أولية، ونظرت إليها من زوايا مختلفة، ووازنت بين أساطير قوم، وأساطير قوم آخرين.

ومهما اختلفت الأزياء، والحركات، فالجوهر واحد، هو حماية الحياة وتقديسها والخوف عليها، والرغبة الملحة في معرفتها بمنطق خاص لا يعرف التحليل ولا يشغل باله بالتعليل.

الحروف والأرقام

وإذا كان العلم الحديث قد حقق منذ منتصف القرن التاسع عشر انتصارات باهرة غيرت مجرى الحياة على الأرض بعد أن صححت كثيرا من الآراء، ونسخت كثيرا من التصورات، وخرجت بالإنسان من جاذبية الأرض، فإن مؤرخ العلوم لا يستطيع أن يغفل انتصارين حاسمين حققهما الفكر:

الأول: ابتكار هذه الوسيلة الخارقة لتسجيل التجربة، ونعني بها الحروف. وقد يبدو هذا العمل بسيطا أو بدهيا الآن، ولكنه في واقع أمره جهد خارق، ذلك لأن الفكر الإنساني لم يفارق أبدا اللغة حتى عدها الكثيرون المعلم (بفتح الميم وتسكين العين) الأول والأكبر الذي يميز الإنسان عن غيره من صور الحياة القريبة منه، كالقردة العظام (أشباه البشر).

واللغة– كما كانت وكما هي الآن- مجموعة من التركيبات الصوتية تحمل مصطلحات مستمدة من الإطار الاجتماعي، وهي بذلك ثمرة التجمع ووسيلة تحقيقه في آن واحد. ولكن الجهد الخارق إنما يكمن في تحويل هذه الأصوات المسموعة بمصطلحاتها إلى صور مرئية يمكن حفظها وتداولها بحيث تعبر المكان والزمان في آن واحد.

أما الانتصار الرائع الثاني الذي حققه الفكر الإنساني- وقد يكون جزءا من الانتصار الأول- فهو القدرة على تحديد التجربة بإحصائها أو القياس عليها أو تكرارها أو اختزالها. وحدث ذلك بابتكار الأرقام الرياضية. ونحن جميعا نذكر أن لغة الكلام بطاقتها المحدودة لا تستطيع أن تفرق إلا بين المفرد والجمع، وفي بعض اللغات يوجد المثنى. ومهما اصطنعت من صيغ فإنها عاجزة عن تحديد التجربة المعقدة تحديدا إحصائيا. ومن هنا كانت الأرقام من أهم الانتصارات الباهرة التي بلغت بالتجربة العلمية هذا الحد من الدقة والتعقيد.

ولم يكن في وسع الإنسان الحديث أن يكتشف بعض الأجرام أو الطاقات بغير هذه الأرقام. ومن المسلم به في تاريخ العلم الحديث أن الفلكيين اكتشفوا واحدا من المجموعة الشمسية، اكتشفوه بالأرقام وحدها، ومع هذا كله فقد كانت الحروف والأرقام في المراحل الأولى من الفكر الإنساني جزءا لا يتجزأ من الشعائر القديمة أو من الأساطير. وكل من يدرس الرواسب التي لا تزال كامنة في بعض العقول والنفوس إلى الآن يدرك هذه الحقيقة. فإن امتياز حرف على حرف، أو رقم على رقم، أو ارتباط هذا وذاك ببعض العادات، وبعض القصائد الثانوية، يثبت الأصل الأسطوري للحرف والرقم.

ولا يزال الذين يمارسون السحر ويرونه تجربة علمية، يرون ما في الحروف والأرقام من إرادة، وطاقة وحركة. أو بعبارة أخرى يرون في الحروف والأرقام مضمون التجربة العلمية في تصورهم، وليست مجرد وسائل تعين على تسجيل التجربة، وتحديدها.

وهكذا يتضح لنا أن الظفر بالحروف والأرقام يعد أعظم بكثير من اكتشاف النار، والقدرة على تدوير العجلة. فالإنسان الذي تتراكم ثقافته لم يكن ليبلغ هذا الشأو من الإنسانية إلا بالحرف والرقم، بفضلهما أسلم كل جيل ما يستطيع أن يسلمه إلى الأجيال التي تكر بعده، وبفضلهما انتصر الفكر الإنساني انتصارا حاسما على حد المكان وحد الزمان، وبفضلهما أيضا أصبح العلماء يستطيعون أن يتعاونوا بصرف النظر عن الزمان، وعن المكان، على الرغم من أن الطريق الذي سلكته الإنسانية لبلوغ ما بلغت من انتصارات كان طويلا وشاقا. فمن التنبؤ الخارق ظهر التنبؤ العلمي، ومن الحروف والأرقام التي تعمل بذاتها، برزت التجربة العلمية الخاضعة كل الخضوع لإرادة الإنسان.

الأحلام والحقائق

إن الذين يرصدون التطورات المتلاحقة في مجال العلوم التطبيقية والتكنولوجيا، محقون عندما يقولون إن هذه التطورات لم تولد سفاحا، ولم تظهر إحداها فجأة كعمل خارق. وهم محقون أيضا عندما يذكرون أن الفضل في أي تطور لا يمكن أن يكون محصورا في شخص بعينه، ومجتمع بعينه، ذلك لأن الإنسانية كلها بثقافتها المتراكمة قد أسهمت فيها، وربما كان الإنسان القديم أجدر بالفضل من سواه في تحقيق هذه التطورات وغيرها.

إن الإنسان البدائي لا يزال يعيش في الإنسان الحديث على الرغم من طاقات البخار والذرة. وإذا كانت الآثار القديمة تعرض علينا نماذج من التحف والعاديات، فإن ما نتوسل به نحن لا تزال عليه بصمات الإنسان القديم.

لقد فرضت الأساطير على أصحابها أن يجعلوا لأرجل مقاعدهم رؤوسا كرؤوس السباع والغزلان، وذهبت الأسطورة، ومع ذلك بقيت المقاعد بأرجل أربع، وبقيت السيارة بعجلات أربع، كما أن اهتداء الإنسان البدائي إلى (قبضة اليد) المصنوعة من الحجر لتضيف إلى طاقته بعدا جديدا في المكان هو الذي أدى آخر الأمر إلى الصاروخ الذي أصبح قادرا على الخروج من جاذبية الأرض. ولكن هناك ما هو أهم من هذا كله وهو أحلام ذلك الإنسان القديم التي تحولت بعد أحقاب وأحقاب إلى واقع حي محسوس.

ولا شأن لنا هنا بتلك الجهود التي انصرف إليها بعض علماء ما بين الحربين والتي أرادوا بها الوصول إلى طريقة تصلح لتسجيل أحلام الإنسان، ثم العمل على استشفاف ما تحمل من عناصر الماضي والمستقبل، والذي يعنينا هو شعور الإنسان منذ استقام على ساقيه بحدود طاقته، وعجزه أمام النواميس الطبيعية الغلابة، وهو العجز الذي صور ما يقابله، فيما جسَّم وشخَّص من الأبطال الأسطوريين.

لقد أراد أن ينتزع النهار من الليل، وأراد أن يزيل الحواجز الجغرافية بين البشر، وأراد- في كلمة واحدة- أن تصبح الرغبة وتحقيقها جهدا واحدا. وأراد أن يستعيد الماضي، وأن يحمي الحاضر، وأن ينتزع المستقبل من المجهول، وأن يحصل على هذا كله بحافز من رغبته وبسلطان إرادته. ومن أعجب ما يسجله تاريخ العلم أن كل تقدم أحزه الإنسان في اكتشاف مادة أو طاقة، واستغلالهما، لم يكد يخرج عن تلك الأحلام البدائية القديمة التي عبر عنها الإنسان في أساطيره أولا، وفي حكاياته الشعبية ثانيا، وفي رؤى بعض أدبائه ثالثا.

إننا نسميها بالأحلام على سبيل المجاز، والتوسع في التعبير- لا أكثر ولا أقل- ذلك لأنها كانت في واقع أمرها تفكيرا وتعبيرا في وقت واحد، تفكيرا في الانتصار على الطبيعة، وتعبيرا عن الطاقة المحدودة. والمرء يلاحظ أن الحدث الذي صور به الإنسان موقفه ذاك لم يكن حدثا إراديا. لا بد من عوالم أخرى تعين الإنسان، عوالم خيرة وشريرة تعين الأخيار والأشرار معا، ولا بد من أدوات لها قدرات خارقة، ولا بد من أشخاص على علم خارق بهذه العوالم، وتلك الأدوات، وهو نمط من التجارب يجاوز الواقع المحسوس الظاهر حتى لنستطيع أن نطلق عليه أنه التصور الشعبي للتجربة العلمية. يمارسها البدو الضاربون في الصحراء، والفلاحون المنتشرون في الوديان والسهول، ولا يكاد يبرأ منها الذين أصابوا حظا من التعليم النظامي الحديث. إنها تجارب تدخل مجال الطب، ومجال حماية المزروعات من الآفات، وعندما يشتد العجز يعتصم الناس بقوة تأتي من المستقبل.

الخيال الخلاق

لقد ساير الخيال الإنساني الخلاق مراحل التطور الحضاري، أو بتعبير أدق، ساير مراحل الفكر الإنساني نفسه. كان أسطوريا يجسم ويشخص ويمثل، ويستجيب لما يخيف ويروع، وكان ملحميا يستحدث ضربا من التوازن بين الإنسان وبين القدر، وكان رومانسيا يسجل الصراع بين الذات وبين المجتمع، وهو اليوم يعود إلى نمط جديد من الملحمية لا يطلب المدد من قوى خارقة، وإنما يطلب المدد من إرادة المجتمع المتجانس الذي يعي موقفه من التاريخ، والذي يدرك مسؤوليته في تطوير الحياة وبناء الحضارة. ومع ذلك نظر الإنسان إلى التغيرات الهائلة التي استحدثتها الآلة، والعلوم التطبيقية كما كان ينظر في القديم إلى المخيف والغامض والمجهول.

ولما كانت الرواية أو القصة الطويلة هي الابن الشرعي للأساطير والملاحم والحكايات الشعبية، فقد سبقت الأنواع الفنية والأدبية إلى التنبؤ بما سيكون عليه حال البشرية لو استمر التطور في هذا الطريق وبتلك الخطوات المتزايدة السرعة دائما، ولا يستطيع باحث أن يغفل رائد الرواية العلمية- إذا صح هذا التعبير- وهو الكاتب الإنكليزي (هـ. ج. ويلز).

ونحن لا نستطيع أن نوافق أولئك الذين يردون (ويلز) إلى العصر الفيكتوري في أسلوبه، وتفكيره جميعا، ذلك لأنه كان من القلائل الذين جمعوا بين واقعية العالم، وتأمل الفيلسوف، ورؤيا الفنان. وسيرته تسجل أنه تخصص في العلوم الطبيعية، ولكنه تجاوز مجال العلم، إلى الأدب والفكر الاجتماعي والسياسي. ولا تعنينا آراؤه السياسية الخاصة، وإنما الذي يعنينا في المقام الأول أنه كان من الذين حاولوا الإسهام في فلسفة التاريخ، وكل ما يوجه إليه حين نقد هو تركيزه على أن يكون التاريخ الإنساني ختام فصول التاريخ الطبيعي، ومع ذلك فإن هذه النظرة هي التي أوحت إليه مضامين رواياته العلمية.

لقد أدرك (ويلز) قبل غيره من الكتاب أن مشكلة الإنسان الحديث أخطر وأعظم من مشكلات الإنسان القديم جميعا، لأنها تنحصر في مصير النوع كله، ولا يمكن أن تدرس رواياته العلمية بمعزل عن كتبه التي عالج فيها (مصير الإنسان) و(عالم الغد) إلى جانب (معالم التاريخ) و(علم الحياة). والكتاب الأخير صنفه مع (جوليان هكسلي).

وعلى الرغم من أن هذا الكاتب لم يشهد نتائج الصواريخ الذرية والخروج من جاذبية الأرض، إلا أنه صور ضربا متخيلا من الصراع الإنساني في المستقبل أثمرته القنابل، والطائرات إذ انقسمت البشرية إلى طبقة تستطيع أن تعيش على سطح الأرض وتظفر بالتطور السليم مع القدرة على إلغاء المسافة، والتحكم في الزمن إلى حد كبير، طبقة يكبر دماغها تبعا للوظيفة الهائلة التي قدر على هذا العضو أن ينهض بتبعاتها. وعلى النقيض منها طبقة أخرى تعيش تحت الأرض فيما يمكن أن نطلق عليه الحضارة الجوفية. كل شيء تحت الأرض، المصانع، المدن، وسائل إنتاج الغذاء، أجهزة الخدمات، وهذه الطبقة كائنات استعبدتها الآلة العظيمة، كما استعبدها العمل الرتيب، ولما تتابعت أجيالها في هذا الإطار الحضاري، تعدلت أعضاؤها بتعدل الوظائف وأصبحت مناقضة تمام المناقضة للطبقة الأولى. الجوارح عد أفرادها أهم كثيرا من الدماغ الذي صغر إلى أقصى حد ممكن، ويستمر الصراع بين الطبقتين، وفي التضاعيف استجابة لنوازع الخوف من فقدان التوازن بين البيئة المادية تغيرها الآلة العظيمة، وبين الكائن الإنساني. ويستخدم (ويلز) قوانين (داروين) في التاريخ الطبيعي، كما يفيد بعض الفائدة من فلسفة التاريخ عند الاشتراكيين.

وشغل (ويلز) بالوصول إلى القمر وتصوره بالخيال المعتمد على قدر من المعارف العلمية، كما تصور أنماطا من الكائنات الحية فيه، وهو برواياته العلمية يعد مرحلة من مراحل الأدب الملحمي الجديد الذي يحاول أن يستحدث التوازن بين الإنسان وبين البيئة المتغيرة أو بالتعبير القديم (بين الإنسان وبين القدر).

ولكن الأحداث الخارقة في رواياته العلمية لها ظل من الواقع وتقوم على تنبؤ شبه علمي، يضاف إلى ذلك أنه أراد أن يطوع الرواية لكي تكون وسيلة إلى إبداء مخاوفه وآرائه فيما يطرأ من صراع بين الكائن الحي وبين محيطه، نتيجة للطاقات الهائلة التي سيطر عليها الإنسان سيطرة تكاد تكون مفاجئة لا يصدها عن الانحراف أو الشر أو الإبادة علم كامل أو جهاز عالمي.

ومن هنا كان (ويلز) حتى في رواياته العلمية من الحالمين بالمدن الفاضلة أو (الطوبى) (يوتوبيا).

وهناك مشكلات كثيرة اقتحمها الخيال الخلاق، منها فكرة الزمان المجردة التي لا يستطاع تصورها من دون أن تقترن بالمكان، إلى جانب العجز عن تمثل الحاضر معزولا عن الماضي أو المستقبل. ولكن كتاب الرواية العلمية مالوا آخر الأمر عن المجرد والمطلق والشامل إلى مشكلات أكثر تخصصا مثل بشرة الإنسان وما لها من دلالة ثقافية، وحضارية. هل من الممكن أن يتحكم الإنسان في لون بشرته؟!.

وإذا صرفنا النظر عن التفرقة العنصرية وما إليها، فما الرأي في علاقة هذا المقوم البدني بشخصية الفرد؟.

ولم تخرج الرواية العلمية بكل ما أوتيت من البعد عن التنبؤ العلمي، ومجاوزة الواقع الحاضر عن التخيل بالإمكانية في الشخوص والعلاقات وذلك في إطار البناء الروائي. كانت نزعة برزت بصورة واضحة بين الحربين إلى إدراك المشكلات الكبرى التي يستحدثها العلم التطبيقي، وكانت رغبة في استدعاء المستقبل بدلا من المنهج السابق وهو استدعاء الماضي في الرواية التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى