أبحاث ودراسات

العلم يفسر الموت

معارك العلم والخرافة

| د. عبد المحسن صالح

الشيخوخة ببساطة هي هبوط عام في حياة الخلية، فتفقد قدرتها على النشاط، وما تعود بقادرة على أن تقوم بعملياتها الكيميائية بنفس الكفاءة التي تجري في خلايا طفل أو شاب.

لقد تعاون علماء الحياة والكيمياء والطبيعة في فك سر لغز الشيخوخة حديثا. ووجدوه يتمثل أيضا في جزيئات الحياة العملاقة. فمن الدراسات العميقة في هذا الموضوع تبين أن بعض النفايات الجزيئية التي كان من الواجب على الجسم أن يتخلص منها، وجدوها تتداخل مع عمل الجزيئات الكيميائية الكبيرة التي تهيمن على نشاط الخلية وانقسامها، فتشل حركتها، وتقيدها بقيد كيميائي غريب. والواقع أن هذا الموضوع طويل لن أتعرض لتفاصيله هنا.

وقد يذهب بك العجب وأنا أطلق على خلية واحدة اسم مخلوق، ثم أقارنه بالإنسان الذي يتكون من حوالي ألف مليون مليون خلية (أي واحد على يمينه 15 صفرا).

وقد تكون هذه مقارنة مهزوزة، وأنا معك، ولكن دعنا ننظر إلى التفاصيل.

الأميبا مثلا حيوان مستقل، يتنفس الأوكسجين، ويهضم الطعام، ويخرج الفضلات، ويتكاثر، ويحتوي على معظم الخمائر الهاضمة والبناءة التي توجد في الإنسان، ثم إنه يموت بحادثة، أو من جوع أو عطش، وله بعض الإحساس، ويموت بالسموم كما يموت الإنسان.

وكل خلية من خلايا أجسامنا بمثابة أميبيا في صفات كثيرة، فهي تتنفس وتأكل وتخرج الفضلات، وتتكاثر أحيانا تحت ظروف، وفيها معظم الخمائر التي توجد في الأميبا. تركيبها الداخلي قريب الشبه بالأميبا، وتموت بالسموم التي تقتل الأميبا. زد على ذلك أنك لو فصلت خلية من خلايا الإنسان، وقدمت لها الدفء والطعام والهواء وأبعدت عنها الميكروبات، فإنها تعيش وتتصرف كالأميبا.

الأميبا تبلع الطعام على قدر حجمها وطاقتها، إذن فليس لها أسنان حتى تشكو الألم، وتذهب إلى طبيب الأسنان، وليس لها قلب حتى تزو أخصائي القلب، ولا كليتان تسببان لها تسمما في البول، أو حصوة محشورة، فتسرع إلى جراح المسالك البولية، ولا معدة ولا طحال ولا رئتان ولا أوعية دموية، إلى آخر هذه الأمور للعقدة التي تراها في نفسك. وترى لها- كلما يممت وجهك إلى العمارات- لافتات كتب عليها: أخصائي العيون أو القلب أو الأنف والأذن والحنجرة أو الأمراض الجلدية والتناسلية والعصبية والنفسية… الخ، وعلى الرغم من كل هذا فلم يكتب علينا إلا الموت!.

ونحن إذن أجهزة معقدة تعتمد على بعضها، وكل خلية في الجسم تعتمد على تلك الأجهزة في حياتها، فإذا لم تصلها الإمدادات الكيميائية من ماء وهواء وطعام توقفت عن العمل، مثلها في ذلك كمثل مدينة كبيرة تخدمها مرافق عامة حساسة، كمرفق الكهرباء والمياه والتموين… الخ، اقطع المياه عن المدينة وقتا طويلا، تكون النتيجة موت سكان المدينة، احجز عليها الطعام، تجدهم يلقون نفس المصير بعد أيام. وكذلك الحال في الإنسان، تسيطر عليه مرافق أساسية، متناسقة في عملها، متفاهمة في رسالتها، فهناك مرفق لتجهيز الغذاء، يبدأ بالفم، وينتهي بالأمعاء، ومرفق ثان للتهوية (الرئتان)، وثالث للفتح (القلب)، ورابع للأحاسيس، وخامس وعاشر وهكذا.

فإذا سكت جهاز الفتح، انقطع تموين الدم بما يحمل من أوكسجين وطعام ومواد كيميائية هامة عن الخلايا، فتموت أول ما تموت من الاختناق، وإذا أضرب الجهاز المركزي الحاكم (المخ)، دبت الفوضى في أنحاء البدن، وإذا تعطل مرفق المجاري (الكليتان)، تجمعت النفايات الكيميائية وتسممت الخلايا، وسر على هذا الطريق الشائك الذي لا يعرفه مخلوق بسيط كالأميبا أو الميكروب.

وقد يقول قائل: ولكنني أرى أحيانا إنسانا يعيش بدون رجلين أو يدين، وأقول بدوري: هل سمعت عن إنسان يسير بدون قلب أو رئتين أو كليتين أو مخ؟.

إن الأيدي والأرجل لا تحتوي على المرافق الأساسية التي تخدم المجموع، فلو كان القلب مثلا في الساق أو الذراع، وقطع أحدهما، لكان من المحتم أن يموت الجسم.

ولكننا سوف نتعرض في سياق حديثنا لمخلوق آخر بسيط التركيب يتكون من آلاف الخلايا، ومع هذا فلا قلب له ولا كبد ولا كلاوي.. الخ. وتستطيع هذه المرة أن تراه بسهولة وهو يعيش ملتصقا أو (متشقلبا كالأراجوز) على الأعشاب المائية، والمخلوق اسمه الهايدرا.

وتستطيع أن تشق هذا الحيوان بالطول كما تشق البطيخة، وتفصله إلى نصفين مستقلين تماما، فإذا عدت بعد أيام، لوجدت أن كل نصف قد أكمل نفسه من جديد، وأصبح النصفان مخلوقين مستقلين يتمتعان بالحياة، وتستطيع كذلك أن تقسمه إلى أربعة أجزاء أو أكثر، فترى كل جزء ينمو من جديد، ويكون لك نفس المخلوق بكل خلاياه.

زد على ذلك أنه يوجد على كوكبنا مخلوقات تتكون من ملايين الخلايا، ولها عدد من الأذرع. إذا فقدت ذراعا أو أكثر، فإن الأذرع المفقودة ينمو لها بديل، أو قد يكون للمخلوق ذيل كالبرص مثلا، فإذا انفصل هذا الذيل، فإنه ينمو من جديد.

هناك إذن فرق كبير بين بساطة تركيب مخلوقات، وتعقيد مخلوقات أخرى كالإنسان، ومن أجل هذا نهرم ونموت.

نهرم، لأن هذا النظام العجيب المعقد لم يستطع أن يتخلص من العوامل الكيميائية المدمرة التي تشل جزئياته الحيوية، وتوقف نشاطها.

وربما يستطيع العلماء في المستقبل أن يخلصوا هذه الجزئيات الأساسية من أعباء جزئيات أخرى دخيلة، ولو استطاعوا ذلك- وهو أمل ضعيف في الوقت الحاضر- فربما يعود إلى هذا النظام المهدم الحبيس شيئا من النشاط وهو ما نعبر عنه بإعادة الشباب.

ربما يقول قائل: لكن لماذا يموت الأطفال والشباب، وما زالت أنسجتهم نشطة، وخلاياهم متحررة؟.

لكل موت سبب، فقد يصاب الطفل مثلا بالتهاب رئوي، أي أن جهاز التهوية لا يستطيع أن يقوم بعمله من أجل الصالح العام لجسم الطفل، فلا يصل الخلايا أوكسيجينها بالتركيز المطلوب، ولهذا تختنق ببطء، ويموت الطفل، أو قد نخلصه من الميكروب الذي يعيش في رئتيه في الوقت المناسب، فيعيش الطفل.. وهكذا.

وحتى رجل الشارع يسأل: بماذا مات فلان؟. فهو لا شك يعرف أن هناك نظاما خاطئا في الجسم، لم يستطع العلم ولا الطب في الوقت الحاضر أن يصلحه، ولا بد من توقف الأنظمة الأخرى تبعا لذلك، وهو ما تعبر عنه ببساطة بلفظ الموت أو عزرائيل.

ولو أننا تركنا الأمر لعزرائيل، لما كانت هناك بحوث عن الحياة والموت. ولا شك أنك تعرف أن عمر الإنسان في المتوسط قد ارتفع نتيجة لهذه البحوث، وسوف تأتي الأيام المقبلة بأخبار مثيرة، تجعلك تفكر مرة أخرى في سر الحياة.

ومع ذلك فلا بد أن نموت، لأننا نأكل، وكل من يأكل يموت!.

فالطعام والشراب- في الواقع- ليس إلا بمثابة مركبات كيميائية تحتاجها هذه الآلة الحية التي لا تستطيع أن تعمل بدونها. ومن هذا الوقود لا بد أن تخرج النفايات، والنفايات هي التي تدفعنا إلى الشيخوخة والموت. تماما كالنفايات التي تخرج من الآلة، ويد يتجمع جزء منها في أليتها المتحركة فيعوقها إلى حد ما عن الحركة. وإذا أزلناها سارت الآلة بكفاءتها المرسومة. ولكن، أنى لنا أن نزيل نفايات الحياة التي تداخلت في جزئيات الحياة؟.

والموت من صالح البشر. وكلنا نكره هذه النهاية الأليمة، ومع ذلك، فهناك فكرة مدبرة جعلت من الموت غاية لغرض أسمى، فما زلنا نحن بمثابة حقل من حقول التجارب التي تتخذها الحياة كوسيلة للوصول بالإنسان إلى المرحلة التي تهواها.

وإنني لا أزال أذكر قول العالم الشهير جورج حاموف: (لقد سار الكون بضع ساعات فتخلقت الذرات، وبضع مئات من ملايين السنين، لتكون النجوم والكواكب، ولكنه سار ثلاثة آلاف مليون عام ليظهر الإنسان).

وهو يقصد بذلك بداية تخليقه من عناصر الأرض في الأزمنة الغابرة على هيئة جزئيات نشأت منها في الماء حياة، ثم تطورت المادة الحية كل هذه الآلاف من ملاييم السنين لتصل في نهاية المطاف بالإنسان الحكيم، ولن تتركه هكذا في مفترق الطريق، بل لا بد من تجارب أخرى كثيرة تستخدم فيها ملايين البشر، وقوة خفية تميتهم وتحييهم (منها خلقناكم، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).

أي أنها دورة من وراء دورة من وراء دورة. كرر هذا إن شئت ملايين المرات، لتخرج فكرة الخلق بشيء جديد أكثر كفاءة وإثارة من إنسان الغاب، وإنسان القرن العشرين.

ومن المعروف أن الذي يحكم الحياة كلها بداية من الفيروس والميكروب والأميبا إلى النبات والحيوان والإنسان جزيء كيميائي عملاق يطلق عليه الجزيء الوراثي، وهو الذي يحدد لكل كائن حي على الأرض صفاته المكتسبة أو الوراثية.

ومن المؤكد أن هذا الجزيء يتطور. ولنضرب هنا مثلا بالميكروب أو الصرصور. فالميكروب الذي كان يموت بالملايين من المضادات الحيوية في بداية استعمالها، قد تعلم شيئا جديدا، واكتسب خبرة ليقاوم هذا الغزو الجديد، وحور من أجل هذا في كيمياء حياته، وقامت جزئياته الوراثية بالتخطيط الكيميائي، وكانت النتيجة أن بعض الميكروبات قد اكتسبت مناعة، وما عاد الكثير من هذه المضادات يؤثر فيها.

وكذلك الصرصور. لقد حور حياته عندما ظهرت في الأسواق المبيدات الحشرية، وما عادت الصراصير تموت الآن كما كانت تموت في الماضي. ومعنى هذا أن تغيرا كيميائيا حيويا قد دفعته ظروف الحياة من حولها دفعا، واكتسبت من أجل هذا مناعة.

ونعود إلى الإنسان لأنه أيضا يتطور من خلال جزئياته الوراثية التي تحتويها الخلايا الجنسية. وقد صار هذا الإنسان الحكيم في طريق عمره مليون عام، وقد سبقه في الظهور على الأرض إنسان من نوع آخر مثل إنسان لياندرتان، وإنسان جاوه وبكين الخ. وكان هذا النوع من الإنسان البدائي بمثابة القنطرة التي عبرتها الحياة لتخرج من خلال تجاربها الطويلة- بالإنسان الحالي أو الـ Homo sapiens كما نطلق عليه، واستخدم هذا الإنسان تفكيره، فاستطاع أن يقاوم العقبات الكثيرة الشائكة التي اعترضته وتغلب عليها. في حين أن إنسان جاوه مثلا، كان مآله الانقراض، وهي نتيجة حتمية كان لا بد منها ليخلو الجو للإنسان الحكيم. وتسلمتنا الحياة كحقل ضخم للتجارب، ولا أحد ينكر ما كان عليه الإنسان منذ 50 ألف عام فقط، (وليس مليونا من السنوات عند بداية ظهوره). لقد كان يعيش في الغابات كالحيوان، ويستخدم عضلاته أكثر من تفكيره. وتطور العقل، واكتسب ذكاء وخبرة بمرور آلاف السنين، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن. فالذي يفكر أكثر، تكون له السيطرة على من حوله.

والواقع أن العقل البشري يتطور باستمرار، ولن يكون للعضلات في عصرنا الحالي من الأمجاد ما كان لها في الماضي. فالآلة حلت محلها، والآلة من نتاج العقل البشري.

وكان لا بد أن نموت، لتظهر أجيال تتفاعل مع الوسط الذي تعيش فيه، وسط العلم والاختراع والفكر الصائب. فالصراع صراع فكر، وليس صراع عضلات، ومن أجل هذا كان لا بد للعقل البشري أن يتطور إلى الأحسن دائما. ولكي يتطور لا بد أن يموت، ليحل محله شيء جديد أكثر كفاءة وذكاء.

وهذا هو الأساس العريض الذي تسعى إليه الطبيعة دائما، فالبقاء للأصلح تفكيرا!.

وأخيرا، فنحن نأكل لنعيش، ونعيش لنموت، ونموت ليتطور فينا العقل حسب خطة موضوعة من قديم الأزل، ويومها لن يخدع عقل متطور، عقلا آخر مثله، وتختفي من حياتنا الأوهام والخرافات، بعد آلاف كثيرة من السنين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى