أبحاث ودراسات

معارك العلم والخرافة

معارك العلم والخرافة

| برتراند راسل

العلم والخرافة

إن دراسة علم الأجناس جعلتنا على بينة بشكل واضح، من مجموعة المعتقدات التي لا أساس لها من الصحة، والتي تؤثر في حياة غير المتحضرين من البشر. فالمرض يعزى إلى السحر، وعجز المحاصيل يرد إلى الآلهة الغاضبة والشياطين الشريرة. ويجري الظن بأن تقديم الضحايا البشرية يجلب النصر في الحرب وخصب التربة، ويسري الاعتقاد بأن الكسوف والخسوف والمذنبات نذير بوقوع نكبات. وحياة الشخص الهمجي محصورة بين محرمات، إذا خرق واحدا منها أصابته عواقب مخيفة.

وكان كسوف الشمس وخسوف القمر من أولى الظواهر الطبيعية التي خرجت من نطاق الخرافة إلى دائرة العلم، فقد استطاع البابليون التنبؤ بها وإن لم تكن تنبؤاتهم بالكسوف صحيحة دائما، ولكن الكهنة احتفظوا لأنفسهم بهذه المعرفة واتخذوا منها وسيلة لتشديد قبضتهم على عامة الشعب.

إن رفض العلم للخرافات التي أبقت عليها التقاليد، لم ينتشر في صفوف المتعلمين إلا في عهد شارل الثاني (1649- 1985)، الذي أدرك أن العلم يمكن أن يكون حليفا له ضد (المتعصبين) كما كان يطلق على من أسفوا على زوال كرومويل. ولهذا أنشأ شارل الجمعية الملكية وجعل العلم شيئا مألوفا، وأخذ التنوير ينتقل بالتدريج من نطاق البلاط ليؤثر في غيره من الفئات والمجالات.

ولم تكن نظرة مجلس العموم حديثة كما هو شأن الملك، إذ بعد الطاعون والحريق الكبير، أخذت لجنة تابعة للمجلس تبحث أسباب هذه النكبات التي كانت تعزى بوجه عام إلى استياء الرب، وإن لم يكن سبب الأشياء واضحا. وقررت اللجنة أن أعظم ما أغضب الرب هو مؤلفات المستر (توماس هوبز) (فيلسوف إنكليزي 1588- 1679)، وتقرر عدم نشرها في بريطانيا. وثبتت فعالية هذا الإجراء، إذ لم يحدث منذ ذلك التاريخ وباء ولم يشب حريق كبير في لندن.

ولكن شارل كان يحب هوبز الذي علمه الرياضة، فأحس بالضيق. غير أن البرلمان لم يكن يعتقد أن الملك نفسه على علاقات طيبة بالعناية الإلهية.

وكان على الطب المستند إلى العلم، أن يكافح في أول الأمر ضد خرافات مماثلة. فعندما بدأ فيزال يشرِّح الجثث، ارتعبت الكنيسة، ولم ينقذه من الاضطهاد سوى الإمبراطور شارل الخامس، ولكن لما مات الأخير، اتهم فيزاليوس بتقطيع أجساد الناس قبل موتهم فعلا، وأمر أن يكفر عن ذنوبه بالحج وغرق في الطريق.

وبرغم ما عمله هو وهارفي وغيرهما، ظل الطب خرافيا إلى حد كبير، وكان الجنون بنوع خاص يعزى إلى الأرواح الشريرة. إن الطب لم يصبح علميا إلا عندما ظهر العالمان ليستر وباستير.

من هذا العمل الذي قام به رجال عظام في القرن السابع عشر، نشأت نظرة جديدة إلى العالم أدت إلى انحطاط شأن الاعتقاد في النذر السيئة والسحر وتسلط الشياطين على الإنسان، وما إلى ذلك. وفي ظني أن النظرة العلمية التي تميز بها القرن الثامن عشر، تنطوي على عناصر ثلاثة لها أهمية خاصة، وهي:

1- يجب أن تستند الحقائق إلى الملاحظة وليس إلى النقل الذي لا أساس له من الصحة.

2- إن عالم الجماد نظام يعمل بذاته ودائم بذاته وفيه تتم جميع التغييرات وفقا لقوانين طبيعية.

3- ليست الأرض بمركز الكون، ومن المرجح أن الإنسان ليس الغرض (إن كان هناك غرض)، الذي وجد الكون من أجله، وأكثر من هذا فإن (الغرض) فكرة عديمة النفع من الناحية العلمية.

هذه العناصر تتكون منها ما يقال لها (النظرة الآلية) التي أدت إلى وقف الاضطهاد وإلى اتجاه إنساني بوجه عام.

إنها الآن أقل تقبلا مما كان عليه الحال من قبل، وعاد الاضطهاد إلى الحياة من جديد. وإلى هذه الحقائق ألفت نظر أولئك الذين يعتبرون آثارها ضارة من الناحية الأخلاقية.

وهنا يجب أن أقول شيئا عن أسس هذه النظرية العلمية:

الملاحظة ضد النقل

يبدو واضحا في نظر المتعلمين في العصر الحديث أنه يجب التثبت من الحقائق عن طريق الملاحظة. هذه فكرة حديثة تماما لم يكن لها ثمة وجود تقريبا قبل القرن السابع عشر.

إن الكثيرين منا لا يزالون يعتقدون في أشياء كثيرة لا أساس لها في الحقيقة إلا ما يؤكده القدماء. وقد كان يقال لنا دائما إن النعام يأكل المسامير، وبرغم أني كنت أعجب كيف يجد النعام المسامير في الأجمة، لم يخطر في بالي أن أشك في القصة، وأخيرا اكتشفت أنها مأخوذة من بليني.

وهناك أشياء يعتقد فيها، لأنهم يشعرون أنها لا بد أن تكون صحيحة، وفي هذه الحالة، لا بد من أدلة ضخمة لتبديد هذه المعتقدات. ومن أمثلة ذلك الاعتقاد بأن ما تتعرض له الأم من مؤثرات في أثناء (الوحم) يؤثر في النسل.

ولو سألت امرأة عن هذه الخرافة لقالت لك: طبعا، إن السيدة فلانة شاهدت ثعلبا في مصيدة، وبالتأكيد ولد طفلها وله قدم ثعلب. فإذا سألتها إذا كانت تعرف فلانة هذه، نسبت الرواية إلى امرأة أخرى وهكذا.

ويحدث نفس الموقف بخصوص وراثة الأخلاق المكتسبة. ولقد أخفق العلماء في الاتحاد السوفيتي في إقناع ستالين بعدم الاعتقاد في هذا، واضطروا إلى أن يتنازلوا عن النظرة العلمية في هذا الموضوع.

وعندما أظهر تلسكوب غاليليو أقمار المشتري، رفض المؤمنون النظر خلاله إذ كانوا يعرفون أنه لا يمكن وجود مثل هذه الأجرام، وبالتالي يجب أن يكون التلسكوب خداعا.

إن احترام الملاحظة صعب، ونكاد أن نقول (إن احترام الملاحظة يتعارض مع الطبيعة البشرية). والعلم يصر عليه، وكان هذا الإصرار من أعنف المعارك بين العلم والنقل. ولا تزال هناك نواح كثيرة لم نتعلم فيها هذا الدرس بعد. إنهم لقلة أولئك الذين يمكن إقناعهم بأن عادة كريهة ما يمكن علاجها بطريق العقاب.

استقلال العلم الطبيعي

ربما كان أقوى عالم في إذابة النظرة السابقة على عصر العلم، هو القانون الأول للحركة والذي يدين به العالم إلى غاليليو وإن سبقه إليه- إلى حد ما- ليوناردو دافنشي.

يقول القانون إن الجسم الذي يتحرك سوف يواصل الحركة في نفس الاتجاه وبنفس السرعة إلى أن يوقفه شيء. وكان الرأي قبل غاليليو أن الجسم السليب من الحياة لا يتحرك من تلقاء ذاته، وأن الأجسام الحية هي وحدها التي تستطيع التحرك بغير قوة خارجية. وكان أرسطو يعتقد أن الآلهة هي التي تحرك الأجرام السماوية. كان من المسلم به أن هناك أنواعا من الحركة هي (طبيعية) بالنسبة إلى المادة الميتة، فالتراب والماء يتحركان بطبيعة الحال إلى أسفل، بينما يتحرك الهواء والنار إلى أعلى، وفيما عدا هذه الحركات (الطبيعية) البسيطة فإن كل شيء يتوقف على الدفع من جانب المخلوقات الحية.

في ظل هذه النظرة كان من المستحيل وجود علم الطبيعة بوصفه علما مستقلا.

ولكن غاليليو ونيوتن أثبتا أن جميع حركات الكواكب والمادة الميتة على الأرض، تسير وفقا لقوانين علم الطبيعة. وبمجرد أن تبدأ فسوف تواصل العملية إلى ما لا نهاية.

وكان ديكارت يعتقد أن أجسام الحيوانات أيضا، وليس المادة الميتة وحدها فقط، تحكمها هذه القوانين تماما. ولعل اللاهوت منعه من أن يقول الشيء نفسه عن الأجسام البشرية.

وفي القرن الثامن عشر سار أحرار الفكر الفرنسيون خطوة أبعد. إذ كانت العلاقة بين العقل والمادة في نظرهم على نقيض فكرة أرسطو والمدرسيين. فمنذ أرسطو كانت العلل الأولى عقلية دائما. أما الماديون في القرن الثامن عشر فاعتبروا العلل جميعا مادية، أما الأحداث العقلية فهي منتجات ثانوية ليس لها تأثير.

إنزال (الغرض) عن عرشه

كان أرسطو يعتقد أن العلل من أنواع أربعة. أما العلم الحديث فلا يعتقد إلا بنوع واحد، ويعنينا من الأربعة اثنان هما العلة (المؤثرة) والعلة (النهائية)، والأولى هي ما نسميها ببساطة (العلة)، والثانية هي (الغرض). كان أرسطو يرى- ولا يزال هذا هو رأي الكثيرين- أن كلا النوعين موجود في كل مكان، فكل ما له وجود يمكن تفسيره من ناحية الأحداث السابقة عليه التي ولدته، ومن ناحية أخرى بالغرض الذي يحققه.

وبرغم أنه لا يزال أمام الفيلسوف أن يعتقد بأن لكل شيء (غرضا)، إلا أنه وجد أن (الغرض) ليس مفهوما نافعا حينما نبحث عن القوانين العلمية.

ومن هذه الناحية كان العمل الذي قام به داروين حاسما، ذلك أن ما أوضحه من تنازع وبقاء الأصلح- وليس حقيقة التطور- هو الذي جعل في الإمكان تفسير كون الحيوانات والنباتات تلائم بينها وبين البيئة، وذلك من دون إدخال (الغرض) في هذه العملية.

فالتغيير الذي يحدث اتفاقا، والاختيار الطبيعي يستخدمان عللا مؤثرة فقط. وهذا هو السبب الذي من أجله نجد الكثيرين ممن يتقبلون حقيقة التطور العامة لا يتقبلون رأي داروين في كيفية حدوث هذا التطور.

إن صمويل بتلر وبيرجسون وشو ليسنكو لن يقبلوا إنزال الغرض عن عرشه، وإن لم يكن الغرض الإلهي عند ليسنكو، وإنما الغرض الذي يستهدفه ستالين، هو الذي يحكم تماما الوراثة في القمح الشتوي.

في العصر السابق على العلم، لم يكن هناك الكثير مما يستطيع الإنسان أن يعمله حتى في ظل أنسب الظروف، وكانت الظروف عرضة لأن تصبح غير مواتية إذا جلب الناس على أنفسهم غضب العناية الإلهية، والذي كان يتجلى في الزلازل والأوبئة والمجاعات والهزائم في الحرب. كل هذا مختلف في العالم: إنك أن تجعل الأمور تجري حسب مشيئتك، لا تستطيع بالصلوات والدعوات والخضوع، وإنما عن طريق اكتساب المعرفة بالقوانين الطبيعية.

وقوة العلم لا حدود لها معروفة. كان يقال لنا إن الإيمان يستطيع أن يذلل الجبال، ولكن أحدا لم يصدق هذا القول. والآن يقال لنا إن القنبلة الذرية قادرة على إزالة الجبال، والجميع يعتقدون في هذا.

حقيقة لو توقفنا ورحنا نفكر في الأكوان، فقد نشعر بالقلق. قد تبرد الشمس أو تنفجر، وقد تفقد الأرض غلافها الجوي فلا تصلح للسكنى. والحياة ظاهرة قصيرة وصغيرة وزائلة في ركن مظلم ومغمور، وليست بذلك الشيء الذي يثير الإنسان الضجة بشأنه لو لم يكن معنيا به شخصيا. لكن رجل العلم يحدثنا أن من العبث الانغماس في مثل هذه الأفكار غير العملية. فلنواصل تحويل الصحراء إلى أرض خصبة تزرع، ولنعمل على إذابة الجليد في المناطق القطبية، وليقتل بعضنا بعضا بأساليب يدخل عليها التحسين باستمرار.

إن بعض أعمالنا تعود بالخير، والبعض الآخر تحدث الأذى. ولكنها جميعا- على السواء- تدل على قوتنا.

كانت للداروينية تأثيرات كثيرة على نظرة الإنسان إلى الحياة والعالم، وذلك بالإضافة إلى استبعاد الغرض مما أسلفت الحديث عنه. لقد هددت عند ظهورها عقيدة الليبرالية التي سادت القرن الثامن عشر. كان (كوندورسيه) نموذجا للفيلسوف الحر في ذلك القرن، وخرج (مالتس) بنظريته لتقيد آراء كوندورسيه. ونظرية مالتس هي التي أوحت لداروين بنظريته.

كانت فكرة الليبراليين في القرن الثامن عشر مطلقة، بطريقتها الخاصة. كانت هناك (حقوق الإنسان)، فجميع الناس متساوون، وإذا أظهر أحدهم مقدرة تفوق ما لسواه، فإن هذا يرجع كلية إلى أنه حصل على قدر من التعليم أفضل، كما قال (جيمس مل) لابنه ليحول بينه وبين الاغترار بنفسه.

يجب التسليم بأن الناس ليسوا جميعهم متساوين من ناحية الخلق، وأن التطور يتم عن طريق انتقاء التغييرات المناسبة. يجب التسليم بأن للوراثة دورا في إنتاج شاب صالح، وأن التعليم ليس بالعامل الوحيد الذي يجب أخذه في الاعتبار. فإذا قضى العرف بأن يتساوى الناس في الحقوق السياسية فليس السبب أنهم متساوون من الناحية البيولوجية، وإنما هم كذلك لأسباب سياسية. مثل هذه الأفكار عرضت الليبرالية السياسية للخطر.

إن التسليم بعدم المساواة بين الناس في الصفات تولد معهم، يصبح مبعث خطر حين يقال عن مجموعة ما إنها أرقى أو أدنى من غيرها. فإذا قلت إن الأغنياء أقدر من الفقراء، أو أن الرجال أقدر من النساء، أو البيض من السود، أو الألمان من أي شعب آخر. فإنك بذلك تنادي بمذهب لا تؤيده الداروينية، وهو مبدأ يكاد من المؤكد أن يؤدي إما إلى العبودية أو الحرب. ولكن أمثال هذه المذاهب نودي بها باسم الداروينية. وكذلك الحال بالنسبة إلى تلك النظرية القاسية التي تذهب إلى إهمال شأن الضعفاء وتركهم لمصيرهم ما دام هذا هو أسلوب الطبيعة. ويقول أنصار هذه العقيدة إن الجنس في تحقيق التقدم يتحسن عن طريق التنازع على البقاء، ولهذا يجب أن نرحب بالحروب، وكلما كانت أشد تدميرا كانت أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى