أبحاث ودراسات

أعداء الوحدة

61 عاماً على قيام الوحدة

 

| د. بهي الدين زيَّان

 

.. ولسوف يضاعف من مصاعب ما سوف نلقاه أمامنا على الطريق، أن الذين لا تروقهم وحدة سورية ومصر ولا توافق أغراضهم، لن يتقبلوها بالرضا والسكوت، وإنما ستكون المساعي وستكون المحاولات وستكون المناورات.. لهذا أقول لكم من الآن: إننا في سعينا على طريق أملنا، يجب أن نظل مفتوحي الأعين منتبهي الحس والوجدان..

جمال عبد الناصر

 

(1)

انتصاراتنا تؤذي الأعداء

تلك هي لمحات عن البناء الذي تقيمه الوحدة في ظل الجمهورية العربية المتحدة، وقد رأى الشعب العربي في كل ذلك سبيلا إلى رخائهم ورفاهيتهم.

ولكن للوحدة أعداء يؤذيهم أن يحقق الشعب كل هذه الانتصارات، فقد قامت الجمهورية العربية برغم الاستعمار الغربي كله وبرغم أعوان الاستعمار وبرغم القوى الاستغلالية التي كانت تحكم في الوطن العربي وما تزال تتحكم في بعض أجزائه إلى اليوم، ومن أجل ذلك رأينا هؤلاء ((الأعداء)) لا يخفون عداوتهم منذ إعلان الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة. فقد قضت الوحدة على أطماع كثيرة وآمال كثيرة فراحوا يتخيلون ويتصورون ويديرون في أذهانهم أفكارا عجيبة، ما تلبث أن تنطق بها ألسنتهم وتنشرها صحفهم، وتذيع إذاعاتهم ما يحلو لهم من افتراءات.

(2)

ماذا قال الأعداء عن الوحدة؟

لقد شقت الوحدة طريقها منتصرة، وأقامت بناءها على دعائم قوية، فخيبت ظنون أعدائها وأظهرت كذب افتراءاتهم، فلننظر في يوم احتفالنا بالوحدة ماذا قال عنها أعداؤها منذ أن قامت بين شطري الجمهورية.

قال أعداء القومية العربية وأعداء الشعب العربي ما قاله نوري السعيد غداة إعلان الوحدة: إنها سبيل إلى أن يزيل أحد الشطرين الشطر الآخر، كما قالوا إنها خطوة لفصل سورية ومصر عن الدول العربية. ثم تباكوا على الوحدة العربية التي كانوا يوهمون الشعب العربي بها.

إن كل عميل للاستعمار لا يريد وحدة أبدا إذ أنه يعرف أنها ضد ما يريده الاستعمار، وكانت الوحدة في وهمه غزوا وفتحا ومحوا أيضا، ولقد دار في خياله ما دار في خيال غيره من أعداء العرب الذين أرادوا الكيد لوحدة الإقليمين السوري والمصري، فبدأوا يدبرون المؤامرات.

أما المستعمرون أعداء العرب فقد قالوا: إنها سبيل إلى إثارة مشاكل في الشرق الأوسط، وهي سبيل إلى عدم الاستقرار، وكان هذا رأي أعدائنا الذين وهموا أننا سنمنع عنهم البترول بعد الوحدة، بل لقد اتهم بعض الاستعماريين حكوماتهم بالتفريط لأنها سمحت بقيام الجمهورية العربية المتحدة.

ولم تكن هذه الوحدة الشعبية التي حياها الشعب العربي في كل مكان كما حيتها الشعوب الحرة في العالم كله، ترضي الاستعمار وأعوانه، إذ رأوا فيها طريقا لتحرير الشعب العربي في أجزاء أخرى من الوطن العربي ورأوا فيها نهاية لنفوذهم، حتى لقد قالوا إنها خطوة لإنشاء إمبراطورية عربية، وحمل هذه المزاعم مع إسرائيل أعوان لها من الاستعماريين ومن عملائهم في داخل البلاد العربية أيضا حين وجدوا في الوحدة سبيلا إلى هدم الصروح التي يبنونها والأوهام التي يعيشون عليها. ولقد أعلنت إسرائيل في ذات الوقت أن الوحدة موجهة ضدها وكان هذا يكفي أن يلفت هؤلاء المخدوعين إلى زيف ادعائها وإلى السم الذي تنفثه ضد الشعب العربي والوطن العربي، ولكنهم يرتبطون إلى الاستعمار وإلى إسرائيل صنيعة الاستعمار، ومن ثمة كانت مؤامراتهم التي دبروها في يوم الاستفتاء على الوحدة في 21 فبراير/ شباط، إذ بدأ حلف بغداد يدبر مؤامرة أنفقت عليها أجهزته مليون دولار استعانت بالقوميين السوريين الذين فروا من سورية، ولكن السلطات الوطنية قد كشفت هذه المؤامرة وقطعت الطريق على المتآمرين.

(3)

الاتحاد الهاشمي

ولقد أراد أعداء الوحدة وأعوان الاستعمار الذين هالهم انتصار الشعب العربي أن يزينوا لأنفسهم أنهم عرب، وأنهم يستطيعون أن يحققوا وحدة، فكان ما اصطنعوه باسم الاتحاد العربي أو الاتحاد الهاشمي بين عرشين أحدهما- كان- في العراق والآخر في الأردن.

لقد قام هذا الاتحاد بعد الوحدة التي تمت بين الإقليمين السوري والمصري، ولم يقم على عقيدة أو فكرة أو مذهب، بل على عرشين هاشميين إقطاعيين رجعيين فاستقبله الشعب العربي بالاستخفاف ووجد فيه سبيلا إلى الفرقة والانقسام، لا إلى الوحدة التي ينشدها كل عربي. وقارن الشعب العربي بين الجمهورية العربية المتحدة وبين هذا الاتحاد العربي، فرأى في الأولى ثورة للتحرير والبناء وثورة ضد أعداء الشعب العربي في كل مكان. ورأى فيها ثورة شعب متحرر من كل سلطان أجنبي، فكانت الفرحة والتأييد. ونظر إلى الاتحاد العربي فوجد فيه ردة رجعية ضد التحرير، وعملية للهدم وتخريب البناء، ووجد في هذا الاتحاد كذلك، مؤامرة أخرى من مؤامرات الاستعمار ضد القومية العربية وضد الشعب العربي، ولم يلبث هذا الاتحاد أن قتل، حين ثار الشعب العراقي وأطاح بمن صنعوه ومزقهم وجر أشلاءهم في شوارع بغداد العربية، وكان ذلك دليلا أكيدا على أن الوحدة التي تمت بين شطري الجمهورية العربية المتحدة وحدة شعبية لم يفرضها على الشعب العربي حكام أو ذوو عروش، وعلى أن قيام الجمهورية العربية المتحدة كان انتصارا للقومية العربية ضد الاستغلال والسيطرة وضد الاستعمار في كل جزء من أجزاء الوطن العربي.

ولقد سار الشعب العربي في الإقليمين السوري والمصري في ظل الجمهورية في طريقه لم يلتفت أحد إلى أعوان الاستعمار حين كانوا يذيعون الأراجيف، ولم يأبه أحد لمؤامرات الاستعمار ضد الشعب العربي عن طريق أعوانه في بعض المراكز العربية لأن الشعب العربي في كل مكان يعرف أن أعداء الوحدة هم صنائع الاستعمار. ومن ثمة كان الرئيس جمال عبد الناصر وهو يرد على أعوان الاستعمار في العراق أمثال الجمالي ومرجان وباش أعيان، يدرك أنهم يعملون بإرادة الاستعمار ويعملون ضد الشعب العربي في العراق ذاته، فتركهم للشعب العراقي ليحاسبهم، وقد تمكن الشعب العربي في العراق بعد فترة قصيرة من أن ينتصف لنفسه، وأن ينتصر لقوميته العربية وكان ذلك انتصارا للوحدة من غير شك.

(4)

مؤامرات جديدة

ولقد أخذ المستعمرون وذهل أعوان الاستعمار، فراحوا يضعون أساس حلف جديد تدخل فيه إسرائيل، وكشف راندولف تشرشل عن ذلك فقال: (أن هناك خططا جديدة لمواجهة الموقف في الشرق الأوسط). وعبر عما فكر فيه الاستعمار فقال: (إن ما يحتاج إليه الأمر في الشرق الأوسط، هو سياسة طويلة الأجل قائمة على الواقع، ولابد من وضع مشروع يناسب احتياجات الموقف مع التسليم بوقائع معينة هي أن (ناصر) عدو الغرب، وأن ما تلقاه دعوته إلى القومية العربية من هوى في نفوس الشعوب العربية يزداد بصورة مطردة كل يوم).

وهكذا نرى أعداء الوحدة، ما يزالون يدبرون. ولكن لابأس من مشروعات الاستعمار، ومن مؤامرات الاستعمار، فإنه يعرف أن كل مشروعاته قد قضي عليها منذ أن حاول ذلك، ومنذ أن قامت الوحدة، كما يعرف أن كل مؤامراته قد فشلت: فشلت مؤامراته التي دبرها للغدر، وفشلت مؤامراته التي دبرها ضد الجمهورية العربية المتحدة، كما فشلت دعاياته وأراجيفه التي يذيعها.

(5)

أراجيف أعداء الإصلاح

إن أعداء الوحدة لا يرضيهم أي إصلاح، لأنهم لا يريدون للشعب العربي خيرا، ومن أجل ذلك يجعلون كل تطور في حياة العرب اليوم، هدفا لإشاعاتهم وأراجيفهم، وليس أدل على ذلك مما قالوه عن قانون الإصلاح الزراعي في الإقليم السوري. فمع أنه قانون اشتراكي له آثاره في الناحية الاجتماعية والاقتصادية يهيئ لأكثر من مليون ونصف مليون من المواطنين أرضا يملكونها ويستفيدون منها، ولا يمس أكثر من ثلاثة آلاف مالك يمثلون الإقطاع، لن يصيبهم حرمان أو عوز، إذ ترك لهم ما يعيشون به حياة كريمة، فإنهم يقولون: لماذا لم توزع الأراضي التي تملكها الدولة؟. ويقولون أن الإنتاج سيقل، ويشككون في قدرة الفلاحين على استغلال الأرض التي سيملكونها ثم يتساءلون: لماذا يقتصر الإصلاح على ملاك الأرض وحدهم!.

(6)

أكاذيب الأعداء ترد عليهم

هذا ما يقوله أعداء الوحدة وأعداء الإصلاح، ولكن نظرة واحدة، تريك أن كل هذه أراجيف لا طائل وراءها، وأن هؤلاء يكذبون على أنفسهم حين ينشرون هذه الأراجيف، فإن أراضي الدولة التي يشيرون إليها لا تصلح للزراعة الآن، وهي في حاجة إلى مياه جوفية وإلى شق أنهار وآلات زراعية، وكل هذه الوسائل تحتاج إلى أموال طائلة، ومع ذلك فإن الدولة قد أخذت في إصلاح هذه الأرض لزراعتها واستغلالها، كما أن الجمعيات التعاونية ستقوم بمساعدة الفلاحين الذين سيملكون هذه الأرض، وتتولى ما كان يتولاه الإقطاعيون من نفقات. أما من ناحية الإنتاج، فإن هؤلاء الأعداء يعرفون النتائج التي أسفرت عنها التجربة في الإقليم المصري من قبل، حيث زاد الإنتاج الزراعي وزادت غلة الفدان بنسبة 13%، وفي خطاب الرئيس جمال عبد الناصر الذي ألقاه في المؤتمر التعاوني الرابع نجد هذه الزيادة قد تحققت في حاصلات كثيرة، فزاد القمح بنسبة 28% والأرز بنسبة 69% والقصب بنسبة 7%، وكانت الزيادة في محصول القطن هذا العام مليون قنطار، هذا إلى زيادة الأراضي التي تزرع خضرا بنسبة 68% والأراضي التي تزرع فاكهة بنسبة 22%، ولم يقل أحد أن الأرض التي وزعت على الفلاحين قد نقص إنتاجها.

وإذا نظرنا إلى حال الطوائف الأخرى من التجار وأصحاب العقارات، نجد أنهم يدفعون ضرائب تصاعدية، هذا إلى أن الثروة في الإقليم السوري مركزة في الأرض الزراعية التي تبلغ 19/20 من الثروة العامة، ومن أجل كل ذلك كان لابد من الإصلاح الزراعي، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية ويتوفر الرخاء لآلاف عديدة من المواطنين.

وإذا كانت الجمهورية العربية المتحدة قد خطت في مجال التصنيع والتنمية الاقتصادية خطوات واسعة وحققت في هذا السبيل ما عجزت عنه كثير من الدول، واستطاعت أن تحصل على قروض من الاتحاد السوفييتي ومن ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية ومن اليابان، فإن الأعداء لا يرضيهم أن ينمو اقتصادنا أو أن نبني حياتنا أو نحقق مبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز وأن موقفنا لا يزال من المعسكرين الشرقي والغربي، حياد وعدم انحياز، ولقد اعتنقنا هذا المبدأ من أجل بناء حياتنا ومستقبلنا.

إن العالم كله يعرف أننا لا نميل إلى يمين أو إلى يسار، فإن لنا رسالة ندافع عنها في الحياة، ولنا أهداف نريد أن نحققها. ونحن نحافظ على رسالتنا وعلى الدستور الذي قامت عليه جمهوريتنا، فنحن لا نستعمر ولا نبغي ولا نغزو ولا نكره أحدا على أمر لا يريده.

وقد أعلن الرئيس جمال عبد الناصر شرطا للوحدة أو الاتحاد، وهو أن يكون إجماعا من الشعب، وقد تحقق هذا الإجماع في وحدة الإقليم السوري والإقليم المصري.

(7)

هل للوحدة مشاكل؟

في الثاني من شباط/فبراير 1959، أشار الرئيس جمال عبد الناصر إلى مشاكل الوحدة وإلى مشاكل التجزئة وقال إن مشاكل الوحدة أهون من مشاكل تجزئة البلاد العربية والوطن العربي، وفي الحق فإن مشاكل الوحدة ليست مشاكل تتصل بالوحدة، إذ إن الوحدة في ذاتها ليست مشكلة، ولكن المشاكل هي ما يصنعه أعداء الوحدة الذين يريدون مصالحهم وفائدتهم. هي مشاكل البقية الباقية من الطبقة الإقطاعية ومن الطبقة الاستغلالية، ومن أعوان الاستعمار الذين يجسمون المسائل، بحيث تبدو كأنها مشاكل. فإذا كانت هناك مشاكل، فهي مشاكل هؤلاء لا مشاكل الوحدة.

إن أعداء الوحدة هم أعداء العرب جميعا، ومهما حاولوا من تمويه أو دس أو كذب، ومهما دبروا من مؤامرات أو أطلقوا من شائعات، فإنهم لن يصلوا إلى شيء، ولن يخطئ الشعب العربي أهداف المستعمرين وأعوانهم، وأهداف المستغلين والانتهازيين، وسيظل يرى في الجمهورية العربية المتحدة دعامة للأمن والسلام، ونورا يهدي السالكين سبيل الحرية والاستقلال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • من كتاب: (في ظلال الوحدة).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى