مقالات

الوحدة العربية في (الميثاق)

61 عاماً على قيام الوحدة

إن مسؤولية الجمهورية العربية المتحدة في صنع التقدم وفي دعمه وحمايته تمتد لتشمل الأمة العربية كلها.

إن الأمة العربية لم تعد في حاجة إلى أن تثبت حقيقة الوحدة بين شعوبها.

لقد جاوزت الوحدة هذه المرحلة وأصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته.

يكفي أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل.

ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان.

ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير.

إن الذين يحاولون طعن فكرة الوحدة العربية من أساسها، مستدلين بقيام خلافات بين الحكومات العربية، ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية.

إن مجرد وجود هذه الخلافات هو في حد ذاته دليل على قيام الوحدة.

إن هذه الخلافات تنبع من الصراع الاجتماعي في الواقع العربي. واللقاء بين القوى التقدمية الشعبية في كل مكان من الوطن العربي والتجمع الذي تقوم به العناصر الرجعية والانتهازية في الوطن العربي، هو الدليل على وحدة التيارات الاجتماعية التي تهب على الأمة العربية وتحرك خطواتها وتنسيقها عبر الحدود المصطنعة.

إن التقاء القوى التقدمية الشعبية على الأمل الواحد في كل مكان من الأرض العربية، وتجمع القوى الرجعية على المصالح المتحدة في كل مكان من الأرض العربية، هو في حد ذاته دليل على الوحدة أكثر مما هو دليل على التفرقة.

إن مفهوم الوحدة العربية قد جاوز النطاق الذي كان يفرض التقاء حكام الأمة العربية ليكون من لقائهم صورة للتضامن بين الحكومات.

إن مرحلة الثورة الاجتماعية تقدمت بهذا المفهوم السطحي للوحدة العربية ودفعت به خطوة إلى مرحلة أصبحت فيها وحدة الهدف هي صورة الوحدة.

إن وحدة الهدف حقيقة قائمة عند القواعد الشعبية في الأمة العربية كلها.

واختلاف الأهداف عند الفئات الحاكمة هو صورة من صور التطور الحتمي الثوري واختلاف مراحله بين الشعوب العربية.

لكن وحدة الهدف عند القواعد الشعبية هي التي ستتكفل بسد الفجوات الناشئة من اختلاف مراحل التطور.

إن وحدة الأمة العربية قد وصلت في صلابتها إلى حد أنها أصبحت تتحمل مرحلة الثورة الاجتماعية.

ولا يمكن أن تدل أساليب الانقلاب العسكري، ولا أساليب الانتهازية الفردية، ولا أساليب الرجعية المتحكمة، على شيء إلا على دلالتها بأن النظام القديم في الوطن العربي يعاني جنون اليأس وأنه يفقد أعصابه تدريجيا وهو يسمع من بعيد في قصوره المعزولة وقع أقدام الجماهير الزاحفة إلى أهدافها.

إن وحدة الهدف لابد أن تكون شعار الوحدة العربية في تقدمها من مرحلة الثورة السياسية إلى الثورة الاجتماعية.

ولابد أن ينبذ الشعار الذي جرت تحته مرحلة سابقة من النضال الوطني، هي مرحلة الثورة السياسية ضد الاستعمار.

إن الاستعمار الآن غيَّر مكانه ولم يعد قادرا على مواجهة الشعوب مباشرة، وكان مخبأه الطبيعي بحكم الظروف داخل قصور الرجعية.

إن الاستعمار نفسه، دون أن يدري، ساهم في تقريب يوم الثورة الاجتماعية، وذلك حين توارى بمطامعه وراء العناصر المستغلة يوجهها ويحركها.

وليـس من شـك أن الثورات الأصيلة تسـتفيد من حركـات خصومهـا في مواجهتـها وتكتسب منها قوة دافعة.

إن الاستعمار كشف نفسه وكذلك فعلت الرجعية بتهالكها على التعاون معه، وأصبح محتما على الشعوب ضربهما معا، وهزيمتهما معا، تأكيدا لانتصار الثورة السياسية في بقية أجزاء الوطن العربي ودعما لحق الإنسان العربي في حياة اجتماعية أفضل لم يعد قادرا على صنعها بغير الطريق الثوري.

والعمل العربي في هذه المرحلة يحتاج إلى كل خبرة الأمة العربية مع تاريخها الطويل المجيد، ويحتاج إلى حكمتها العميقة بقدر حاجته إلى ثوريتها وإرادتها على التغيير الحاسم.

إن الوحدة لا يمكن بل ولا ينبغي أن تكون فرضا، فإن الأهداف العظيمة للأمم يجب أن تتكافأ أساليبها شرفا مع غاياتها.

ومن ثم فإن القسر بأي وسيلة من الوسائل عمل مضاد للوحدة.

إنه ليس عملا غير أخلاقي فحسب، وإنما هو خطر على الوحدة الوطنية داخل كل شعب من الشعوب العربية، ومن ثم بالتالي فهو خطر على وحدة الأمة العربية في تطورها الشامل.

وليست الوحدة العربية صورة دستورية واحدة لا مناص من تطبيقها، لكن الوحدة العربية طريق طويل قد تتعدد عليه الأشكال والمراحل وصولا إلى الهدف الأخير.

إن أي حكومة وطنية في الوطن العربي، تمثل إرادة شعبها ونضاله في إطار من الاستقلال الوطني، هي خطوة نحو الوحدة من حيث أنها ترفع كل سبب للتناقض بينها وبين الآمال النهائية في الوحدة.

إن أي وحدة جزئية في الوطن العربي، تمثل إرادة شعبين أو أكثر من شعوب الأمة العربية، هي خطوة وحدوية متقدمة، تقرب من يوم الوحدة الشاملة، وتمهد لها، وتمد جذورها في أعماق الأرض العربية.

إن مثل هذه الظروف تمهد الطريق للدعوة إلى الوحدة الشاملة.

وإذا كانـت الجمهوريـة العربيـة المتحـدة ترى في رسـالتها العمـل مـن أجـل الوحـدة الشاملة، فإن الوصول إلى هذا الهدف يساعد عليه وضوح الوسائل التي لا بد من تحديدها تحديدا قاطعا وملزما في هذه المرحلة من النضال  العربي.

إن الدعوة السلمية هي المقدمة.

والتطبيق العلمي لكل ما تتضمنه الدعوة من مفاهيم تقدمية للوحدة هو الخطوة الثانية للوصول إلى نتيجة محققة.

إن استعجال مراحل التطور نحو الوحدة يترك من خلفه – كما أثبتت التجارب –  فجوات اقتصادية واجتماعية تستغلها العناصر المعادية للوحدة كي تطعنها من الخلف.

إن تطور العمل الوحدوي نحو هدفه النهائي الشامل يجب أن تصحبه بكل وسيلة جهود عملية لملء الفجوات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة من اختلاف مراحل التطور بين شعوب الأمة العربية، هذا الاختلاف الذي فرضته قوى العزلة والرجعية والاستعمار.

إن جهودا عظيمة وواعية يجب أن تتجه أيضا إلى فتح الطريق أمام التيارات الفكرية الجديدة حتى تستطيع أن تحدث أثرها في محاولات التمزق، وتتغلب على بقايا التشتت الفكري الذي أحدثه ضغط ظروف القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وما تركته دسائسه ومناوراته من رواسب تحجب الرؤية الصافية في بعض الظروف.

والجمهورية العربية المتحدة، وهي تؤمن بأنها جزء من الأمة العربية، لا بد لها أن تنقل دعوتها والمبادئ التي تتضمنها لتكون تحت تصرف كل مواطن عربي. ولا ينبغي الوقوف لحظة أمام الحجة البالية القديمة التي قد تعتبر ذلك تدخلا منها في شؤون غيرها.

وفي هذا المجال، فإن الجمهورية العربية المتحدة لا بد لها أن تحرص على أن لا تصبح طرفا في المنازعات الحزبية المحلية في أي بلد عربي. إن ذلك أمر يضع دعوة الوحدة ومبادئها في أقل من مكانها الصحيح.

وإذا كانت الجمهورية العربية المتحدة تشعر أن واجبها المؤكد يحتم عليها مساندة كل حركة شعبية وطنية، فإن هذه المساندة يجب أن تظل في إطار المبادئ الأساسية، تاركة مناورات الصراع ذاته للعناصر المحلية تجمع له الطاقات الوطنية وتدفعه إلى أهدافه وفق التطور المحلي وإمكانياته.

كذلك فإن الجمهورية العربية المتحدة مطالبة بأن تفتح مجال التعاون بين جميع الحركات الوطنية التقدمية في العالم العربي.

إنها مطالبة بأن تتفاعل معها فكريا من أجل التجربة المشتركة.

لكنها في نفس الوقت لا تستطيع أن تفرض عليها صيغة محددة لصنع التقدم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • من الباب التاسع من ميثاق العمل الوطني الذي قدمه جمال عبد الناصر

         إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية

        في 21/أيار 1962

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى