مقالات

الوحدة: قوة الحياة

61 عاماً على قيام الوحدة

لقد كان الكفاح من أجل الوحدة هو نفسه الكفاح من أجل الحياة.

ولقد كان التلازم بين القوة والوحدة أبرز معالم تاريخ أمتنا.

فما من مرة تحققت الوحدة إلا تبعتها القوة، وما من مرة توافرت القوة إلا كانت الوحدة نتيجة طبيعية لها.

وليس محض صدفة أن إشاعة الفرقة، وإقامة الحدود والحواجز، كانتا أول ما يفعله كل من يريد أن يتمكن في المنطقة ويسيطر عليها.

وكذلك لم يكن محض صدفة أن محاولة الوحدة في المنطقة لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة، طلبا، للقوة، بل طلبا للحياة.

*       *       *

لقد اتحدت المنطقة بحكم السلاح يوم كان السلاح هو وسيلة التعبير في الطفولة الأولى للبشرية. واتحدت المنطقة حين بدأت رسالات السماء تنزل إلى الأرض لتهدي الناس.

واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عباده إلى الحق.

واتحدت المنطقة بتفاعل عناصر مختلفة في أمة عربية واحدة.

واتحدت المنطقة باللغة يوم جرت العربية وحدها على كل لسان.

واتحدت المنطقة تحت دافع السلامة المشتركة يوم واجهت استعمار أوروبا يتقدم منها محاولا أن يرفع الصليب ليستر مطامعه وراء قناع من المسيحية. وكان معنى الوحدة قاطعا في دلالته حين اشتركت المسيحية في الشرق العربي في مقاومة الصليبيين جنبا إلى جنب مع جحافل الإسلام حتى النصر.

واتحدت المنطقة بالمشاركة في العذاب، يوم حلَّت عليها غارات الغزو العثماني، وأسدلت من حولها أستار الجهل، تعوق تقدمها، وتمنعها من الوصول إلى عصر النهضة في أوروبا.

بل إن المنطقة اتحدت فيما تعرضت له في كل نواحيها، من سيطرة الاستعمار عليها. وقد كان اتحادها في الثورة على هذا الاستعمار بكل أشكاله، ومقاومته في تعدد صوره.

ومع الوحدة في الثورة كانت الوحدة في التضحيات، فإن المشانق التي نصبها جمال باشا في دمشق، عاصمة سورية، لم تكن تختلف كثيرا عن المشانق التي نصبها اللورد كرومر في دنشواي، هنا في مصر.

هكذا ترون الوحدة حقيقة، حقيقة نسعى إليها، أو حقيقة قائمة بالفعل.

هكذا ترون أن الصراع من أجل القوة، من أجل الحياة، يتم ويتحقق بالوحدة، وترون أن الوحدة لا تتم ولا تتحقق إلا بقوة الحياة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • من خطاب للقائد المعلم جمال عبد الناصر ألقاه

بتاريخ  5 شباط/ فبراير 1958 في القاهرة.

 

 

                       

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى