مقالات

في الوحدة والعروبة

61 عاماً على قيام الوحدة

| د. بارعة القدسي

 (1)

ما زالت محفوظاتي تحتفظ بمحاججة جرت ذات يوم بين ساطع الحصري وطه حسين، كان موضوعها الوحدة والعروبة. وقد قدرت أن من المناسب استحضار ما قاله ساطع الحصري في هذه المسألة واستعادتها بحسبانها كاشفة عن مسألة يبدو أن هناك من يحاول إعادتنا إلى المحاججة فيها، ولو بأساليب جديدة.

تعالوا نتتبع هذه المحاججة.

يقول ساطع الحصري في كتابه المفتوح إلى طه حسين:

سألتم خلال الحديث: (تريدون أن تتحقق الوحدة العربية، فعلى أي أساس علمي تنادون بها؟.) ثم قلتم: (تعالوا معي نستعرض الروابط التي تصل مصر بالأقطار العربية الأخرى). فاسمحوا لي أن أشترك معكم في الاستعراض لأناقشكم في أهم المواقف التي وقفتموها خلالها.

لقد وقفتم أولا أمام قضية الأصل والدم وقلتم: (إن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء).

أنا لا أود في هذا المقام أن أطرق مسألة أصل المصريين القدماء، ولا أن أبحث عن علاقتهم أو عدم علاقتهم بالساميين عامة وبالعرب خاصة. سأسلم جدلا بما تقولونه في هذا الباب، ومع هذا سأسألكم بدوري: هل علمتم بوجود أمة في الأرض انحدرت من أصل واحد تماما؟. وهل تستطيعون أن تذكروا لي أمة واحدة ترتبط بروابط الدم فعلا وحقيقة؟.

 

(2)

ثم وقفتم أمام مسألة التاريخ, وادعيتم بأن (تاريخ مصر مستقل تمام الاستقلال عن أي بلد آخر).

فاسمحوا لي أن أقول إن هذا الادعاء افتئات صارخ على الحقائق. إن تاريخ مصر اختلط اختلاطا عميقا وتشابك تشابكا كبيرا مع تاريخ سائر البلاد العربية, خلال القرون الثلاثة عشر الأخيرة على الأقل, فكيف يحق لكم أن تحذفوا هذه القرون من تاريخ مصر؟. أنالا أنكر أن تاريخ مصر لم يبق متصلا بتاريخ الأقطار العربية على الدوام, غير أنني أدعي بأن ذلك شأن تواريخ الأمم الأخرى من دون استثناء, فإن تواريخ الأمم تشبه الأنهر الكبيرة التي تتكون من روافد متعددة بوجه عام.

إن كل من يلقي نظرة عامة على تواريخ الأمم المعاصرة لنا كالأمة الفرنسية التي سبقت جميع الأمم في طريق الوحدة القومية، يضطر إلى التسليم بأن العلاقات التاريخية التي تربط مصر بسائر الأقطار العربية, لهي أقوى وأعمق وأطول من العلاقات التاريخية التي تربط الأقليات الفرنسية بعضها ببعض.

 

(3)

ثم يمضي ساطع الحصري في كتابه المفتوح إلى طه حسين إلى مناقشة مسهبة حول تأثير اللغة في تكوين الوحدة العربية, وهو تأثير وضعه طه حسين موضع الشك.

وحين يمضي ساطع الحصري إلى هذه المناقشة, فانه لا يمضي متجردا من أسلحته. فهو يملك من الأسلحة ما يجعله قادرا على مقارعة الحجة بالحجة. وعلى دحض الحجج التي يمكن أن يسوقها القائلون بعدم جواز اعتبار اللغة عاملا من عوامل تكوين الأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى