مقالات

مازن صباغ في سلسلته التوثيقية حول الوحدة السورية المصرية – تجربة الوحدة ضاعت بين محب مفرط وكاره حاقد، فماذا تقول الوثيقة؟!

61 عاماً على قيام الوحدة

(مع كثر من شعبنا، كنا نتمنى نجاح تجربة (دولة الوحدة) وتكون الجمهورية العربية المتحدة نواة وحدة عربية.. وتكون دولة ديمقراطية مدنية، تعددية، دولة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات ولكن)!!.

بهذه الجملة من الأمنيات التي لم تحقق يومها، ولم تتحقق حتى اليوم، وقد لا تتحقق في المستقبلين القريب والبعيد يبدأ الدكتور مازن صباغ كتابه الجديد في سلسلة دراساته التاريخية التوثيقية (دولة الوحدة- سورية ومصر- الجمهورية العربية المتحدة 22/2/1958- 28/9/1961).

هذه الأمنيات التي داعبت حلم صباغ وكل عربي يحلم بدولة قوية غير مشظاة، ولكن ضمن شروط وظروف موضوعية تجعلها أقدر على الحياة في مواجهات العالم المتغير المتحرك في الداخل والخارج، بقيت الأمنيات، وغابت دولة الوحدة وراء حجاب كثيف من الذكريات السلبية والإيجابية، لتبقى الوثيقة التاريخية النادرة والبعيدة عن الأعين والتناول هي الوسيلة الوحيدة لتقويم تجربة هي الأهم في تاريخنا الحديث.

الضرورة والغاية

مثل هذا العمل المضني لا يتم إنجازه ببساطة وسهولة، ويحتاج إلى وقت طويل وصبر ومراسلات، وخطورة التوثيق تكمن في التأكد من الصدقية، لأن الوثيقة هي التي يتم الحكم من خلالها إيجابا وسلبا، لذا أقدر للصديق صباغ هذا الصبر والجلد في الجمع والمراسلة والتثبت، وهو في البداية يشكر كل من أمده بوثيقة أو معلومة، تأتي ضرورة هذا العمل في الوقت الراهن قوية للغاية، فنحن نشهد تضاربات في الآراء، حول مفهومات العروبة والوحدة والدولة، فجانب كفر بكل هذه المفهومات ويراها مجرد حبر على ورق، فلا الجامعة العربية ذات جدوى، ولا العروبة قادرة على تحقيق شيء للعرب والدول على السواء! هذا عن مجرد الرابطة الفكرة في منظمة جامعة الدول العربية، المنظمة غير الملزمة وغير الفاعلة، فما بالنا بالحديث عن تجربة وحدوية، مهما كان نوع الوحدة، هذه التجربة التي تعيد إلى الأذهان والذاكرة سنوات ملأى بالأغنيات والأمنيات والأحلام والبطولات والطواحين وغيرها، وتعيد إلى الذاكرة كذلك مرارة التجربة وسطوة المصالح والقوة، وإلغاء الآخر، لتخرج الوحدة جنينا مشوها غير قادر على الحياة، وقد كتب عليه أن يفارق الحياة سريعا، وهذا ما كان!.

من هنا تأتي أهمية ما قام به د. صباغ في هذا الكتاب الذي يتابع فيه سلسلة التوثيق التي حمل همها وما حاد عنها وما تحوّل، فالوحدة اليوم تجربة مرت في حياة الأمة، وتحتاج إلى حيادٍ مطلق في التأريخ وعرض الوثيقة، ولا ينفع مطلقا كل ما قرأناه من كتب وذكريات عنها، فكل ما كتب توصيف ونقد يخضع لرؤية الكاتب أو صاحب المذكرات، فتجربة شكري القوتلي تختلف عن خالد العظم، وأكرم الحوراني يختلف عن صلاح البيطار في قراءتها والكزبري والدواليبي في خلاف عن السراج، وكذلك عن محمود رياض وأنور السادات، بل إن رأي المواطن السوري يختلف عن رأي المواطن المصري، وكل منهما يرى أن دولة الوحدة كانت على حسابه.. ورأي العسكريين لا يتوافق مع الاقتصاديين والمدنيين، ورأي الساسة في نوع الوحدة الاندماجية أو الفدرالية يختلف من سياسي إلى آخر، وكل واحد يملك الحقيقة من وجهة نظره فماذا تقول الوثيقة؟.

فضيلة التأريخ والتوثيق

بعد مقدمات علمية تعودناها من المؤلف في كتبه التوثيقية ذات المساس المباشر بالآخر جاء الكتاب الواقع في 920 صفحة من القطع المتوسط في ثمانية أقسام هي: مصر وسورية عبر التاريخ عرض موجز، أحداث ومواقف سبقت إعلان قيام الوحدة، الإجراءات والمقررات البرلمانية والحكومية التنفيذية تمهيدا لإعلان وقيام دولة الوحدة، قيام دولة الوحدة وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر، الاتحاد القومي- التنظيم السياسي في الجمهورية العربية المتحدة، مجلس الأمة- برلمان دولة الوحدة، معلومات وتعاريف وإضاءات، ملاحق ووثائق.

مصر وسورية عبر التاريخ القسم الأول يعرض فيه المؤلف للعلاقات العميقة والقديمة والخاصة بين سورية ومصر عبر التاريخ من قصة أوزيريس وإيزيس وقول رمسيس: (إن أمن مصر يتوطد بتأمين حدودها الشرقية والبلاد التي وراءها) ويعرج على المكتشفات الأثرية وانتقال الأسر بين سورية ومصر بين حضارات خاصة هنا وخاصة هناك، ومن التجارة والتواصل الحضاري إل التمازج في العقائد مسيحية وإسلامية فيما بعد، وصولا إلى العلماء وانتقالهم من مكان إلى آخر، ومن حال إلى حال، ورجال الفكر والثقافة واختياراتهم في العمل والعيش، والتعبير في عصر النهضة المشترك بين البلدين.. ويخص المؤلف ما سمي دور الشوام في النهضة الصحفية في مصر والنهضة الفنية.. ويختم المؤلف بالوجدان والإبداع الشعري الموجه من أبناء الشام إلى مصر، ومن المصريين في الشام، وماذا بعد قول حافظ إبراهيم؟.

لمصر أم لربوع الشام تنتسب

هنا العلا وهناك المجد والحسب

إذا ألمت بوادي النيل نازلة

باتت لها راسيات الشام تضطرب

وهل هناك أكبر مما قام به سليمان الحلبي، وجول جمال؟!

ويختم المؤلف إطلالته التاريخية الموجزة عن قصد والرشيقة بقوله: (كانت كل من القاهرة ودمشق وتبقى منارة مضيئة ومشعة بالحضارة والثقافة والعلم والمعرفة عبر عصور كثيرة يقصدها العلماء والباحثون والدارسون والشعراء والأدباء من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي ينهلون من عطائها الفياض).

واليوم هل تحتفظ دمشق والقاهرة بهذا الدور التنويري الرائد؟.

الفترة التي سبقت إعلان الوحدة

يعرض القسم الثاني للثورة المصرية سياستها الجديدة، والأجواء المحيطة والأحلاف والاتفاقات والتهديدات والوزارات وتعديلاتها وسياساتها، والمجالس النيابية والتمثيلات فيها واجتماعات الجانبين والاتفاق على وحدة فدرالية تحولت فيما بعد إلى اندماجية، ويعرض للتهديدات التي دفعت إلى الاتفاقات بين مصر وسورية، وتنضم السعودية والأردن إلى هذه الاتفاقات وكذلك لبنان ويوثق لعدد من الأمور المهمة: ميثاق الدفاع المشترك بمواده الثلاث عشرة، واجتماع القاهرة الثلاثي بين مصر وسورية والسعودية، ويتابع في سرد التحضيرات والأجواء وصولا إلى قمة بيروت العربية 1956 وما تبعه على الصعيد الحكومي في سورية، وعلى مستوى الأحداث العربية.

وفي القسم الثالث يوثق للإجراءات والمقررات البرلمانية والحكومية التنفيذية تمهيدا لإعلان وقيام الوحدة، من الزيارات البرلمانية إلى تشكيل مجلس القيادة في الجيش السوري، وقرار مجلس الوزراء في كانون الثاني 1958 القاضي بالمضي نحو الوحدة، ومشروع القرار المشترك للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، فالكلمات ومذكرة مجلس القيادة العامة للجيش السوري وزيارة الوفد السوري العسكري للقاهرة، فتشكيل لجنتين لوضع مبادئ إعلان الوحدة، ثم إعلان الوحدة وتبادل الكلمات والجلسات والرسائل حتى مرحلة قيام دولة الوحدة.

دولة الوحدة وهيكلتها

خصص القسم الرابع لقيام دولة الوحدة من إجراءات واستفتاء وبيانات النتائج، وآليات الاستفتاء، ومجمل كلمات رئيس الجمهورية المتحدة جمال عبد الناصر في القاهرة ودمشق، ثم دوّن المؤلف الدستور المؤقت للجمهورية الذي جاء في ثلاث وسبعين مادة وفي أبواب سبعة، ثم وثق للوزارات التي كانت في دولة الوحدة، وجميع القرارات المركزية، وقرارات الإقليم الشمالي والجنوبي.

والقسم الخامس تناول الاتحاد القومي- التنظيم السياسي في الجمهورية العربية المتحدة والقوانين الناظمة له، والشخصيات التي أخذت دورها في هذا الاتحاد والقسم السادس خصص لتوثيق أنشطة مجلس الأمة، المجلس النيابي وضم القوانين الناظمة لمجلس الأمة والنواب وتوزعهم على الإقليمين أما القسم السابع فيضم معلومات وتعاريف وإضاءات مختصرة لشخصيات وأحداث ومفاهيم، ويقدم هذا القسم تعاريف ضرورية من أجل الاستزادة بما دار حول الوحدة والقسم الثامن يضم ملاحق وصورا توضح الصورة حول الوحدة بصورة أفضل.

دولة الوحدة توثيق وسلاح ثقافي فكري ومعرفي مهم كما يرى المؤلف والموثق د. مازن صباغ الذي أعطى التوثيق حياته إيمانا منه بأهمية التوثيق في معركة الفكر والوجود للوطن والمواطن، وقدم هذا الكتاب معلومات ووثائق قلما نعثر عليها في أماكن أخرى، وهو جهد لا يفيه الشكر، وخاصة للمهتمين الذين يبحثون عن الوثيقة ولا يعثرون عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • عن (الوطن) السورية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى