مقالات

أيام كان العبثُ بالجبهة وأحزابها

الجبهة الوطنية التقدمية في ذكرى تأسيسها الـ 47 - رؤية صفوان قدسي لهذا المشهد

أيام كان العبثُ بالجبهة وأحزابها

 

(1)

أستميح القارئ عذرا في أن أستعيد وأستحضر وأستدعي كلاما سبق لي أن كتبته في وقت من الأوقات.

ولعل عذري في ذلك هو أن طبيعة هذا العدد من (الميثاق) الذي يصدر في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية في مثل هذا اليوم من عام 1972، أي في السابع من آذار على وجه التحديد، تقتضي إحياء ذاكرتنا السياسية والجبهوية وإجهادها في استذكار وقائع يحاول بعض منا إصدار حكم الإعدام عليها رميا بالرصاص عند الفجر.

وها آنذا أفعل.

(2)

ففي وقت من الأوقات، أمضى عبد الحليم خدام الكثير من وقته، وبذل العديد من جهده، في سبيل هدف سعى إليه سعيا حثيثا، وهو الإجهاز على حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وجز رأس أمينه العام ووضع رقبته تحت المقصلة، إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

وكان يشغل ذلك كله حيزا من وقته، تحريضا وتقسيما، وشرذمة وبعثرة، واصطناع نتوءات شاذة واستطالات غير طبيعية، حملت مسميات عدة، وسمَّت نفسها أحزابا، لكنها كانت مجرد كيانات وهمية لا وجود لها على أرض الواقع ولا حياة.

(3)

ويعرف الذين عاشوا تلك السنوات من تاريخنا، أن عبد الحليم خدام كان يستدعي من يستدعي لإلزامه بالتخلي عن حزبه والانصراف إلى كيانات ورقية وكرتونية لا حول لها ولا قوة، إلا بما كان يقدمه لها عبد الحليم خدام من شحنات كهربائية، وجرعات دوائية وإسعافية، علَّها تتمكن من الوقوف على ساقيها.

(4)

ويجب هنا أن أعترف بحقيقة يعرفها غيري بكل تأكيد، هي أن من كان يفعل ذلك، كان يمتلك قدرا من الصدقية تجعله قادرا على التأثير في عقل من يبحث عن فرصة، أو يفتش عن امتياز، أو يتطلع إلى مكسب.

(5)

وعلى سبيل المثال، فإن من مثلَّت الحزب وزيرة له ذات يوم، جاءها من مكتب عبد الحليم خدام من يهمس في أذنها كلاما مفاده أن عقيلة خدام تتوقع منها أن تطلب موعدا تحدده لها. وكان جواب وزيرة الحزب آنذاك هو أنها لا تتفهم دواعي هذا الطلب ومسوغاته، فآثرت الاعتذار بأدب جمّْ.

(6)

وحين بلغ الاعتذار مسامع من أرسل رسوله إليها، استشاط غضبا، وقال ما نصه بالحرف الواحد، وبلغته المعهودة: (الله لا يخليني إذا بخليها وزيرة). ثم كان ما كان من قدرته على فعل ذلك بأساليبه المعروفة، وبإساءاته المعهودة إلى كل من لا يقول له سمعا وطاعة، وخرجت وزيرة الحزب من الوزارة قبل أن تكمل العامين بثلاثة شهور على وجه التحديد.

(7)

وأنا هنا إنما أشير إلى واقعة قد يفسرها البعض على أنها ذات بعد ذاتي، في حين أني أراها ذات بعد موضوعي من حيث كونها تشكل حالة من الحالات التي تؤكد أن من فعل ذلك كان يؤكد صدقيته. فهو الذي قال، وهو الذي أقسم، وهو الذي فعل من بعد قوله وقسمه ما فعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق