نشاطات حزبية

تطوير صيغة عمل الجبهة الوطنية التقدمية

الجبهة الوطنية التقدمية في ذكرى تأسيسها الـ 47 - رؤية صفوان قدسي لهذا المشهد

بناء على الاجتماعات والمداولات التي جرى فيها البحث في تطوير صيغة عمل الجبهة الوطنية التقدمية، فإن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي يقدم رؤيته لهذه المسألة وفق الضوابط الآتية:

1- إن الجبهة الوطنية التقدمية هي صيغة متقدمة للعمل السياسي، وتعد إحدى الإضافات النوعية التي قدمها القائد الخالد حافظ الأسد إلى حياتنا السياسية وإلى فكرنا السياسي في آن معا.

2- إن هذه الصيغة تحمل ثلاثة عناوين كبرى هي:

أ- التعددية الحزبية والسياسية التي أكدها وجود عدد من الأحزاب على ساحة العمل الوطني في سورية، وهي أحزاب عريقة ولها تاريخ طويل في العمل السياسي، وهي في الوقت نفسه تنتمي إلى تيارات فكرية متعددة، بعض منها قومي وحدوي، وبعض آخر يزاوج بين انتمائه القومي الوحدوي وإيمانه بالاشتراكية طريقا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق إذابة الفوارق بين الطبقات، وإقامة مجتمع الكفاية والعدل، وهو مجتمع الوفرة في الإنتاج، والعدالة في التوزيع. وبعض ثالث منها ينتمي إلى الماركسية في أصولها الفكرية، وتجلياتها السياسية، بحسبانها طريقا إلى مجتمع يقوم على امتلاك الشعب لوسائل الإنتاج.

ب- الوحدة الوطنية التي عملت هذه الصيغة على تكريسها وتثبيت أقدامها في الحياة العامة للبلاد، بصرف النظر عن المؤامرات التي جرت حياكتها للمساس بهذه الوحدة وتخريبها.

ج- الديمقراطية المعبرة عن خصوصيتنا الوطنية والقومية، والصاعدة من تاريخنا وتراثنا وحضارتنا وتجاربنا وخبراتنا المتراكمة. وهي الديمقراطية القائمة على حقيقة مفادها أن ما يصلح لمجتمع من المجتمعات، لا يصلح بالضرورة لغيره من المجتمعات، وأن الديمقراطية ليست سلعة للبيع أو الشراء، وللنقل أو الاستعارة، وإنما هي الإبنة الشرعية لهذا المجتمع أو ذاك، بكل خصائصه ومكوناته.

3- إن ما كان قائما في حياتنا قبل قيام هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي، يؤكد أننا كنا نعيش في دائرة شيطانية تقوم على التصادمية، بل والتناحرية أيضا، بحيث وصلنا إلى حلقة مفرغة من الصراعات التي تقوم على مجموعة من الأوهام التي كان هناك دائما من يسعى إلى تأجيجها وتسعير أوارها لتجهز على طاقات الجميع وقدراتهم، وتلتهم كل فرصة من شأنها الارتقاء بعملنا الوطني إلى مستوى التحديات التي تواجهنا.

4- إن جهودا محمومة قد بذلت بغرض الانتقاص من قيمة هذه الصيغة وأهميتها وفعلها وتأثيرها، وصولا إلى الانقضاض على مكون أساسي من مكونات حياتنا السياسية، ووحدتنا الوطنية، وديمقراطيتنا السليمة. وكان الطريق إلى ذلك هو تهميش دور هذه الصيغة، والتقليل من شأنها، بغرض الوصول إلى حالة يكون معها ممكنا ومتاحا تهشيم هذه الصيغة وحذفها وإلغاؤها من قاموسنا الفكري والسياسي، وبالتالي اجتثاثها من حياتنا.

5- إن هذه الجهود المحمومة التي بذلت عبر سنوات مديدة، ولم تفلح في الوصول إلى أغراضها، استأنفت نشاطاتها مع بداية الحرب على سورية بحيث وجدنا أنفسنا أمام خيار نرى نحن في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي أنه لم يكن الخيار المجدي، بدليل أن التنازل الذي قدمناه بإلغاء المادة الثامنة من الدستور، يمكن وصفه، ولو من باب التجاوز، بأنه تنازل مجاني لم يقابله أي كسب مفترض أو متوقع، وإن كنا نعتقد أن ما أملاه علينا هذا التنازل هو ضرورات سياسية وأمنية طارئة.

6- إن الضرورات الوطنية الكبرى التي استدعت قيام هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي، ما زالت قائمة في حياتنا، إن لم نقل إنها تعاظمت بحيث أصبحت الدرع الواقي، جنبا إلى جنب مع عناصر عديدة أخرى، الذي يحمي البلاد من محاولات التفجير والتدمير للإجهاز على الدولة السورية، أرضا وشعبا ومكونات أخرى لا تعد ولا تحصى.

7- إن الحقيقة الغائبة التي لا بد من استحضارها واستذكارها، هي أن هذه الصيغة سابقة على دستور البلاد الذي أقر في استفتاء شعبي عام 1973، وليست لاحقة. ذلك أن الجبهة الوطنية التقدمية في صيغتها الجنينية، قامت مع قيام الحركة التصحيحية التي شاركت الأحزاب التي أسست فيما بعد الجبهة الوطنية التقدمية، في الحكومة التي تشكلت بعد التصحيح مباشرة، وكان لحزبنا وزيران اثنان، أحدهما بحقيبة والآخر وزير دولة، ثم من بعد ذلك دعا القائد الخالد حافظ الأسد إلى حوار بناء بين الأحزاب القائمة في سورية، استمر حوالي سنة كاملة، وانتهى إلى إقرار صيغة الجبهة وميثاقها ونظامها الأساسي. وبهذا المعنى فإن شرعية الجبهة لم تكن مستمدة من الدستور، وإنما من حالة سياسية وشعبية وضرورات وطنية عليا استدعت البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع ولا تفرق، والتي توحد ولا تبعثر، فكان قيام الجبهة تجسيدا لهذه الحالة وتلك الضرورات. وتأسيسا على ذلك، فإن الجبهة لم يصنعها الدستور، بقدر ما أن الجبهة هي التي أسهمت في صياغة هذا الدستور، بما في ذلك المادة الثامنة منه التي أثير حولها لغط مصطنع ومفتعل، والتي تصاعد هذا اللغط حولها منذ بدء الحرب على سورية عام 2011، ولم ينفع انتزاعها من نصوص الدستور الجديد عام 2012 في قبول المتآمرين على الوطن للدستور الجديد الذي أسس لحالة حزبية، وتعددية سياسية، من دون وجود المادة الثامنة.

8- إن هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي قد أدت دورها في حياة البلاد، وأثبتت حضورها وجدواها. لكن ما هو قائم بعد خمسة وأربعين عاما هو عمر الجبهة الوطنية التقدمية، يستدعي التفكير الجدي والرصين وغير المتسرع، في تطوير هذه الصيغة، وهو ما يدعو إليه الرئيس بشار الأسد، بما يستجيب لضرورات العمل الوطني، وبما يتجاوب مع تطورات نوعية تحققت، ومنها صدور قانون ينظم الحياة الحزبية في البلاد، ويضع لها ضوابط وقواعد محكومة بالمصالح الوطنية العليا، وهو قانون كان من شأنه استيلاد عدد من الأحزاب الجديدة.

9- إن ما استولده قانون الأحزاب من أحزاب جديدة، إنما يشكل حالة يفترض أن تضيف جديدا إلى الحياة الحزبية القائمة، لكن هذا الافتراض يتوقف على قدرة هذه الأحزاب الوليدة على إثبات أهليتها وجدارتها، خصوصا إذا أخذنا بالحسبان أن بعضا منها لا يملك القدرة على إثبات حضوره في الحياة السياسية السورية بسبب فقر في الخبرات، ونقص في الكفاءات، وضعف في الثقافات.

10- إن المهم في الأمر كله هو أن يتحقق هذا الافتراض في ظل شكوك عميقة، ولها أسبابها الموضوعية، حول قدرة هذه الأحزاب على تشكيل حالة حزبية أكثر تطورا من الحالة القائمة، وهي شكوك تتصل باللحظة السياسية والأمنية الضاغطة التي تعيشها البلاد، من دون التشكيك في وطنية الأغلبية العظمى من هذه الأحزاب.

11- إن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي يرى أن الأمر يستدعي تطوير صيغة عمل الجبهة الوطنية التقدمية بما يؤدي إلى تحسين الأداء والارتقاء بالفعل والتأثير إلى المستوى المرغوب، وهذا كله يتطلب قراءة فاحصة ومدققة لما نحن فيه الآن، وصولا إلى ما ينبغي أن نصير إليه في ما هو مقبل من الأيام وآت.

 

حزب الاتحاد الاشتراكي العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق