مقالات

خصوصية الأمة : تصنع عقلها ودماغها وفكرها ورؤيتها

الجبهة الوطنية التقدمية في ذكرى تأسيسها الـ 47 - رؤية صفوان قدسي لهذا المشهد

(1)

في الكلام على الجبهة كلام على مساحات شاسعة لا يمكن لكلمات معدودات أن ترتادها ولا أن تجوبها، فذلك ضرب من الخيال، إن لم يكن ضربا من المحال. لكن ذلك لا يعفينا من المحاولة، وإن تكن المحاولة قاصرة في جانب منها، ومقصورة على بعض من هذه المساحات الشاسعة في جانب آخر منها.

وفي كل كلام على شأن ذي أهمية خاصة، إن لم نقل استثنائية أيضا، فإن ما هو متعذر على كلمات معدودات، سرعان ما يغدو أسهل منالا حين تتسع هذه الكلمات المعدودات للعناوين الكبرى، وللدلالات العظمى، وللمفاصل الأساسية التي ينطوي عليها هذا الشأن ذو الأهمية الخاصة والاستثنائية معا.

(2)

وفي محاولة من هذا القبيل، فإنه لا مناص من الاختيار، ولا بد من الانتقاء، فالعناوين الكبرى عديدة، والدلالات العظمى كثيرة، والمفاصل الأساسية وفيرة. لكن هذا الاختيار، أو ذاك الانتقاء لا يخلو من قدر ما من المجازفة. ذلك أنه في كل اختيار أو انتقاء، تغليب عفوي أو متعمد لعنوان على آخر، أو لدلالة على غيرها، أو لمفصل على مفصل، وهو أمر ينطوي، بقدر أو بآخر، على هوى شخصي، أو شرط ذاتي. لكن ذلك في نهاية المطاف، يندرج في سياق القول إنه لا بد مما ليس منه بد.

(3)

ولعل في المقدمة من هذه العناوين والمفاصل والدلالات، ذلك الذي يتصل بمسألة التعددية الحزبية والسياسة التي كثيرا ما نتداولها بالحديث المكتوب، أو بالكلام المنطوق، لكننا في الغالب الأعم لا نوفيها حقها من التأمل العميق، والتحليل الذي يسبر الأغوار ويبلغ الجذور، والفهم الواسع والشامل الذي لا يكتفي بتناول الأمر في كليته وشموليته، وإنما يعمد في الوقت نفسه إلى الإلمام بالتفاصيل الدقيقة التي تغني المعنى، وتثري المغزى.

هذه التعددية الحزبية والسياسية تشكل أحد العناوين والدلالات والمفاصل التي تنطوي عليها هذه الصيغة المتقدمة والمبتكرة للعمل السياسي. وتلكم مسألة على قدر غير محدود من الأهمية، خصوصا عندما نضع يدنا على حقيقة ناصعة في وضوحها، هي أن هذه التعددية تمثل إحدى الاكتشافات الكبرى التي قدمها حافظ الأسد إلى تجربتنا السياسية والتي نصفها دائما بأن حافظ الأسد سبق بها عصره بأكثر من عقدين من الزمن. سبقه بالقول وسبقه بالعمل. سبقه بالفكر وسبقه بالممارسة. سبقه بالنظر وسبقه بالتطبيق.

هذا الاكتشاف المبكر لأهمية التعددية الحزبية والسياسية، وهو اكتشاف غير مسبوق، عماده الأول هو تلك القدرة الفريدة والنادرة التي يمتلكها حافظ الأسد، وأعني بها القدرة على الاستشفاف والاستكشاف.

ألم يكن حافظ الأسد يقرأ خارطة المستقبل؟. ثم ألم يكن حافظ الأسد يصغي جيدا إلى وقع خطى التاريخ؟. ثم، وقبل ذلك وبعده، ألم يكن حافظ الأسد يتحسس بأعصابه المرهفة، ويرى بباصرته وبصيرته، ما هو مقبل علينا وآت؟.

(4)

لكن الوحدة الوطنية هي أيضا، وفي الوقت نفسه، إحدى هذه العناوين والمفاصل والدلالات. فالجبهة الوطنية التقدمية، بما هي صيغة متقدمة ومبتكرة للعمل السياسي، تشكل الإطار المناسب، والوعاء الملائم، لتحقيق وحدتنا الوطنية وتجسيدها عبر مؤسسات وممارسات، وفي ذلك ما فيه من إدراك مبكر لأهمية هذه الوحدة الوطنية التي حصنت الوطن في وجه محاولات غزوه من الخارج ومن الداخل، والتي سيجت البلاد في وجه محاولات الاختراق والتفكيك والتفتيت، والتي كانت دائما سلاحنا الأقوى والأمضى من أي سلاح، ودرعنا الواقي وحصننا المنيع وقلعتنا الصامدة.

هذا الاكتشاف المبكر لضرورة الوحدة الوطنية، وهو اكتشاف غير مسبوق أيضا من حيث شكله وإطاره في الأقل الأقل، ومن حيث فاعليته وتأثيره في الأكثر الأكثر، قاعدته الأولى هي تلك الموهبة الاستثنائية التي امتلكها حافظ الأسد، وأعني بها القدرة على الاستبصار.

ألم يكن حافظ الأسد يرتاد آفاق المستقبل ويجوبها ويجول فيها، باحثا ومنقبا، كاشفا ومستكشفا؟.

ثم ألم يكن حافظ الأسد يستبصر ما لم يكن قابلا للاستبصار؟. ثم وقبل ذلك وبعده، ألم يكن حافظ الأسد يستخدم بصيرته النافذة، ورؤيته الثاقبة، في رؤية ما لا يُرى، وفي استيلاد ما يبدو عسيرا على الاستيلاد؟.

(5)

وأين هي الديمقراطية من ذلك كله؟. أليست هي بدورها إحدى هذه العناوين والمفاصل والدلالات؟.

وفي القول الفصل، فإن الجبهة الوطنية التقدمية بما تنطوي عليه من تعددية حزبية وسياسية، كانت على امتداد خمسة وأربعين عاما، الوعاء المناسب لممارسة الديمقراطية في صيغتها الفضلى والمثلى.

لكن الديمقراطية هنا لها خصوصيتها الصاعدة من تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا وتراثنا. إنها ليست الديمقراطية القابلة للإعارة أو الاستعارة، وهي ليست الديمقراطية المنقولة والمجلوبة، وهي ليست الديمقراطية المسطورة في كتاب. إنها ليست ذلك كله، وإنما هي الديمقراطية المصنوعة من خبراتنا وتجاربنا، والقادمة من أعماق تاريخنا وتراثنا، والمتفقة والمتوافقة مع خصوصيتنا القومية.

أليست لكل أمة خصوصيتها القومية؟.

ثم أليست هذه الخصوصية القومية هي التي تصنع للأمة عقلها ودماغها وفكرها؟.

ثم أليست هذه الخصوصية القومية هي التي تصنع للأمة رؤيتها وأساليب عملها وأشكال ممارساتها لحياتها؟.

أليس من حقنا، وفي هذا الشأن بالذات، أن نستذكر كيف أن الأفكار المعلبة، والسطور المحفوظة، والتظريات الجاهزة، والتجارب المسبقة الصنع، سرعان ما تتهاوى وتؤول إلى زوال عندما توضع على محك التجربة في غير المناخ الذي ولدت فيه، وخارج البيئة التي صنعت لأجلها، وفي غير المكان الذي تصلح له؟.

ألم يكن حافظ الأسد يقرأ في كتاب الحياة الأكثر غنى وثراء من أي كتاب؟.

ألم يكن في صياغته لأشكال ممارسة الديمقراطية في حياتنا السياسية، وثيق الصلة، عميق الارتباط، بما تنطوي عليه العبارة الآتية من معان ودلالات، وهي أن علينا أن ننهمك في الحياة بحثا عن النظرية، لا أن ننهمك في النظرية بحثا عن الحياة؟.

ثم ألم يكن حافظ الأسد في ذلك كله إنما يعبر أبلغ تعبير عن انتمائه العميق إلى جذره التاريخي الذي هو جذر الأمة، وإلى شخصيته الحضارية والثقافية التي هي شخصية الأمة، وإلى خصوصيته القومية التي هي خصوصية الأمة؟.

(6)

ذلكم هو بعض القليل القليل مما يمكن أن يقال، لكن البعض الآخر، وهو كثير كثير، ينبغي أن يقال في مساحات أوسع، وفي مجالات أرحب. والذكرى السنوية لقيام الجبهة الوطنية التقدمية هي مناسبة للكلام، لكن الكلام أوسع من هذه المناسبة وأرحب، تماما مثلما أن المناسبة لا تتسع إلا لجزء يسير مما يمكن أن يكتب ويقال.

(7)

ويبقى بعد ذلك كله بضع كلمات أقولها بكل القناعة والاقتناع، هي أن الفضل في كل هذا الذي تحقق وتجسد على أرض الواقع فعلا وممارسة، إنما يعود إلى ذلك العقل المفكر، والدماغ المدبر الذي يمتلك صاحبه من الحذق والمهارة، ومن الحنكة والبراعة، مما لا تتسع له الكلمات، ولا المصطلحات، ولا القواميس السياسية، ما لا يلقاه إلا ذو حظ عظيم.

ألم يكن حافظ الأسد هو ذلك العقل المفكر، وذاك الدماغ المدبر؟.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق