مقالات

مقارعة الجبهة بصليل سيوف خشبية

الجبهة الوطنية التقدمية في ذكرى تأسيسها الـ 47 - رؤية صفوان قدسي لهذا المشهد

| صفوان قدسي

(1)

منذ نشوء هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي، ومنذ ارتقائها، ومنذ احتلالها موقعا متميزا في حياة البلاد، فإن بعضا ممن يعيش على أفكار تقادمت وتحجرت وتكلّست وعفا عليها الزمن، لم يكن قانعا ولا مقتنعا بما صنعه القائد الخالد حافظ الأسد. وهذا غير القانع وغير المقتنع، لم يستسلم أمام حقائق جديدة تبدت معالمها واضحة في حياتنا السياسية، ولم يسع إلى تنشيط قدرته على التفكير السليم الذي يؤدي إلى الاستنتاج المناسب، ولا عمل على قراءة الواقع قراءة صحيحة، وإنما مضى إلى مقارعة هذه الصيغة بصليل سيوفه الخشبية التي سرعان ما تكسرت وتشظت.

 

(2)

ومازالت أستحضر من ذاكرتي أحاديث مسهبة جرت في مسمعي خلال لقاءات منفردة مع القائد الخالد. وكان مما جرى في مسمعي، من جملة ما جرى، كلام وفير وغزير عن حجم معاناته مع رفاق له في الحزب كان دأبهم وديدنهم مقاومة هذا التحول النوعي الذي طرأ على حياتنا السياسية. وكان من رأيه أن هؤلاء مازالوا يعيشون عصرا مضى وانقضى. وكان من رأيه أيضا أن هؤلاء لا يمتلكون القدرة على التخلص من آثار مرحلة كانت محكومة بثقافة الانفراد، وعدم الاعتراف بالآخر، والاعتقاد بأن الحقيقة، كل الحقيقة، موجودة في قبضة حزب واحد، وأنه لا تعددية حزبية وسياسية ولا ما يحزنون، تماما مثلما كانت مرحلة مكبلة اليدين بثقافة التخاصم والتصادم والتقاتل والتناحر.

(3)

 

وكان يضيف إلى هذا الكلام كلاما آخر وهو أنه إذا كان لهذه الثقافة المتحجرة أن تهجر تحجرها وأن تتحرر من العقلية المتخلفة التي تتحكم بها، فإن ذلك لن يتم بين عشية وضحاها، ولا بين سنة وأخرى، وإنما الأمر يحتاج إلى مدة زمنية قد تطول بأكثر مما ينبغي.

لكن القائد الخالد كان مشبعا بقناعة مفادها أن الذين يتشبثون بهذه الثقافة ولا يهاجرون منها أو يهجرونها، سوف يتجاوزهم الزمن وسوف يجدون أنفسهم معلقين في الفراغ أمام حقائق تترسخ، وأمام وقائع تتجذر.

 

(4)

وكان هؤلاء يعمدون إلى محاولات محمومة يبذلونها بهدف تهشيم هذه الصيغة والتخلص منها.

وفي تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي العربي فيض غزير من محاولات التهشيم التي تعرض لها من رؤوس حامية كانت ترى خطرا عليها قراءة الحزب للناصرية قراءة جديدة تحافظ على ثوابتها وتحذف متغيراتها، وفي الحيلولة دون وضع الناصرية في متحف التاريخ، وفي الوقوف في وجه الذين يجعلون من النصوص محرابا يتعبدون فيه، وفي إقامة الحزب جسرا يعبر عليه من بوابة جمال عبد الناصر إلى عالم حافظ الأسد الرحيب، وفي الاجتهاد في مدرسة القائد الخالد، وفي الجلوس فوق مقاعدها، وفي الاستزادة من دروسها، وفي القراءة الواعية لنصوصها ومتونها.

 

(5)

تبقى بعد ذلك كله كلمات معدودات، هي أن ثقافة التهشيم التي آلت إلى زوال، أعقبتها ثقافة التهميش التي أثق الثقة كلها في أن الرئيس بشار الأسد يعمل على حذفها من قاموسنا السياسي بالقول وبالعمل في آن معا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق