مقالات

  إعرا ضٌ مقصود واستخفافٌ متعمَّد

| صفوان قدسي

(1)

ينتابني شعور يقوم فوق أرض صلبة من الملاحظات الموضوعية التي لا يمكن إنكارها بحال من الأحوال.

هذا الشعور هو أن هناك، وفي مواقع عديدة من حياتنا، إعراض متعمد ومقصود عن العلوم الإنسانية.

وحين يسعفني الوقت للتدقيق في هذا الذي يتحول من ظاهرة عابرة، إلى حقيقة راسخة وناجزة، فإن أخشى ما أخشاه هو أن يكون من بيننا، وهو كائن بكل تأكيد، من يراوده شعور الاستخفاف بالعلوم الإنسانية، والاستعلاء عليها، والتعامل معها على أنها علوم لا تجدي نفعا، في مقابل العلوم التطبيقية التي يذهب الوهم ببعض منها إلى أنها العلوم التي تصنع التقدم، ناسين أو متناسين أن الأساس هو العلوم الإنسانية، من دون تجاهل أهمية العلوم التطبيقية.

 

(2)

ولعل الكثيرين من الذين حازوا شهاداتهم وإجازاتهم من جامعات أوروبية، بل وحتى أمريكية، وقصدي هو الشهادة التي لا تتقدم عليها أية شهادة أخرى، وهي شهادة الدكتوراة، يتذكرون كيف أنه حتى في مجال العلوم التطبيقية، فإن ما هو مسطور في أعلى الشهادة، حروف ثلاثة هي PHD، وهي تعني دكتوراة في الفلسفة. بمعنى أن هذه الدكتوراة هي شهادة في الفلسفة، لكن الاختصاص الدقيق هو الطب أو الهندسة أو الصيدلة أو ما إلى ذلك من العلوم الطبيعية الموصوفة بأنها علوم تطبيقية.

 

(3)

لماذا هذه الـPHD؟.

أسأل وأتساءل.

ثم أجد الإجابة في النص الآتي:

يستخدم مصطلح PHD للتعبير عن درجة علمية رفيعة المستوى، وهي درجة الدكتوراة في فلسفة العلوموهو ما يجعل صاحب رسالة الدكتوراة فيلسوفا علميا، لأن الإضافة العلمية التي يقدمها من خلال بحثه، تؤثر في تنظير ما، أو شيء متعلق بفلسفة العلم الذي يدرسه.

وهناك إجابة أخرى في نص آخر هو:

المعنى الحرفي لها (دكتور في الفلسفة)… ومصطلح الفلسفة هنا يشير إلى الدراسة العامة للمعرفة.

لكن الأصل في تعريف الفلسفة، هو أنها (محبة الحكمة)، والحكمة كلمة عامة وشاملة، تنضوي تحتها جميع العلوم، سواء منها الإنسانية أو التطبيقية.

 

(4)

ما أقصد إلى قوله، وربما لم أقله، هو أن هناك جسورا موصولة ودروبا ممدودة بين العلوم بمسمياتها كافة. ذلك أن الأساس هو الإنسان. وحين يكون الأمر كذلك، فإن التمييز بين علوم إنسانية، وأخرى تطبيقية، هو من باب التمييز وليس من باب التميز. والفارق بين معنى التمييز ومعنى التميز، فارق لا تخطئه العين المدققة.

 

(5)

أنتهي من ذلك كله إلى القول إن إعراضنا عن العلوم الإنسانية واستهانتنا بها ليس سوى من قبيل جهلنا المطبق بما تنطوي عليه هذه العلوم من أهمية يعرفها بكل تأكيد من يذهب به الظن إلى أنهم يعرضون عنها ويستخفون بها، لكن العكس هو الصحيح تماما.

لماذا؟.

لأنهم يعلمون حق العلم بأن الأساس هو الإنسان.

والذي يبني الإنسان وينشئه النشأة التي تجعل منه إنسانا خلاقا، هو العلوم الإنسانية.

فبأي آلاء ربكما تكذبان؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى