أبحاث ودراسات

الجدل.. والعلوم الإنسانية

| إمام عبد الفتاح إمام

هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين الجدل والعلوم الإنسانية؟. وبأي معنى من المعنيين السابقين يمكن استخدام الجدل في العلوم الإنسانية؟.

الواقع أنه يمكن أن نعثر على المعنيين معا في ميدان هذه العلوم، إذ يمكن أن يقال من ناحية إن الأفكار التي تعالجها العلوم الإنسانية قد تساعد في حل المشكلة المزمنة التي تعاني منها هذه العلوم، وأعني بها مشكلة المنهج، لكن ذلك يحتاج إلى شيء من التفصيل:

لا بد أن نقول بادئ ذي بدء إننا نعني بالأفكار الجدلية تلك الأفكار التي ترتبط- رغم تعارضها- ارتباطا وثيقا بحيث تعتمد كل فكرة على الأخرى ولا يكون لها معنى بدونها. فليس المهم هنا هو ارتباط الأفكار فحسب، لكن الأهم من ذلك ارتباطها بالتضاد. فكيف يمكن أن توجد مثل هذه الأفكار في العلوم الإنسانية؟. الحق أننا لو أمعنا النظر في علم من العلوم الاجتماعية لوجدنا أن انتشار مثل هذه الأفكار لا يحتاج إلى دليل. خذ- مثلا- علم الاجتماع، تجد أن الأقطار الأساسية فيه تعتمد على أضدادها، فمفهوم المجتمع نفسه يعني أنه يتكون من الفرد ومن الجماعة وما بينهما من مصالح متعارضة، وهو يسعى إلى حل هذا التعارض عن طريق سن مجموعة من القوانين، لكن القانون نفسه يعتمد أساسا على القوة، والبناء- في أي مجتمع- يعتمد بالضرورة على الهدم ويرتبط به، والنظام يعتمد على الضغط أو القهر، والتنظيم الاجتماعي يسبقه الصراع ويرتبط به، وإقامة أي نظام اجتماعي يعتمد أساسا على قمع الآخرين..الخ (انظر في الفهم الفلسفي والعقيدة الدينية لـ إريك فرانك ص14). ويقدم لنا هيغل أمثلة أخرى على هذه الأقطار الجدلية فيقول: (يكفي أن نتذكر كيف تبرهن لنا التجربة العامة على أن الحد الأقصى لحالة من الحالات أو لفعل من الأفعال ينقلب فجأة إلى ضده، وهذا اللون من الجدل وجد بطرق شتى في كثير من الأمثال، فهناك مثل يقول (العدل المطلق ظلم مطلق)، وهو يعني أنك إذا طبقت حقا من الحقوق المجردة إلى حده الأقصى فإنك ترتكب عملا خاطئا. ونحن جميعا نعرف أن الحد الأقصى للفوضى في الحياة السياسية، والحد الأقصى للاستبداد يؤدي عادة كل منهما إلى الآخر) (موسوعة- فقرة 81 إضافة). وإذا ما انتقلنا من الحياة الاجتماعية إلى الحياة النفسية وجدنا علم النفس يقدم لنا أمثلة لا حصر لها عن هذه الأفكار الجدلية. فهو كثيرا ما يتحدث عن الشروط الداخلية والشروط الخارجية للسلوك الواحد ومدى ارتباطهما، وعن عمليتي البناء والهدم، وعن اللذة والألم وكيف أنهما (يجتمعان معا كما في حالة التألم من ضرس مريض، فإذا ضغطنا على الضرس بحيث يصبح الألم حادا، نشعر في نفس الوقت بلذة قوية يصحبها انفراج في الصدر وسهولة في الحركات التنفسية). (الدكتور يوسف مراد: مبادئ علم النفس العام ص76 من الطبعة الثانية).

وإذا ما انتقلنا من الحياة النفسية إلى الحياة الأخلاقية، وجدنا أن العقل الأخلاقي يتطلب من الفرد أن يقهر أنانيته ويحيا للخير العام، وأن يتخلى عن فرديته في سبيل الصالح العام، لكن هذه المحاولات تجد حدودها في الطبيعة الفطرية للإرادة البشرية. فالفرد في محور وجوده الأساسي يقاوم مقاومة عنيدة متطلبات العقل. إنه يريد أن يكون كما هو، ويرغب في التعبير عن فرديته الخاصة في حياته. وتلك هي الخاصية العجيبة للإنسان. فعناده الفطري وعدم اتساق ردود أفعاله، هي التي تجعل الصراع في الحياة العملية أمرا لا يمكن تجنبه) (إريك فرانك- الفهم الفلسفي والحقيقة الدينية ص 14- أكسفورد 1952).

ويقول هيغل: (إننا نجد الجدل في ميدان الأخلاق في تلك الأقوال المعروفة جيدا: “الغرور يسبق الانهيار” و”سرعان ما تفل السكين الحادة” و”المفروط في الخداع والحيلة يخدع نفسه”)، (موسوعة فقرة 81 إضافة). وهذه الأمثلة موجودة في اللغة العربية- العامية والفصحى على السواء (“إذا اشتد الكرب هان” و”أضيق الأمر أدناه إلى الفرج” و”لا تتم الحيلة إلا على الشاطر” و”الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده” الخ..). لكن الأمر لا يتوقف عند حدود مجموعة من الأمثلة هنا وهناك، لكنه أهم من ذلك وأعم، فما تريد إبرازه هنا هو أن الأفكار الأخلاقية نفسها أفكار جدلية: فالفضيلة لا يكون لها معنى إلا من حيث ارتباطها بالرذيلة، والخير لا يفهم إلا من خلال الشر، والخطيئة لا تفهم إلا من حيث ارتباطها بالله (ولقد كشف كيركجور النقاب عن الفكرة الأخيرة بطريقة لا تدع مجالا للشك) والأمانة لا تفهم بمعزل عن السرقة؟. وليس السلوك الأخلاقي سلوكا إيجابيا بينما السلوك اللاأخلاقي مجرد سلب للسلوك الأول، بل إن كلا منهما يمكن أن ينظر إليه على أنه إيجابي وسلبي في آن معا، لأن كلا منهما فعل موجب. فالشخص الأمين هو الذي لا يسرق، والسارق هو غير الأمين، وما هو سلب من وجهة نظر الدائن إيجاب من وجهة نظر المدين، والعكس صحيح أيضا، وقد أوضح هيغل ذلك بطريقة رائعة.

المنهج الجدلي… والعلوم الإنسانية

سبق أن ذكرنا في تحليلنا لفكرة الجدل بصفة عامة أن هناك تصورا يجعل الجدل منهجا خاصا لتحليل التغير، وأنه يقال أحيانا إن هذا المنهج يتفق مع التغير الجدلي الذي يسري في الوجود. ولعل أوضح مثال على ذلك هو التحليل الماركسي لتطور المجتمع، فها هنا نجد أن التغير الجدلي الذي يخضع المجتمع في سيره ليتفق تماما مع التحليل الجدلي لهذا السير، أعني أن القوانين التي يخضع لها تطور المجتمع البشري (وحدة الأضداد، ونفي النفي، وتغير الكم إلى كيف)، هي نفسها قوانين المنهج الجدلي عندهم. من هنا كان فهم التطور الاجتماعي لا يعني أكثر من الكشف عن هذه القوانين التي تحكم هذا التطور حين ينتقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى. ففي استطاعتنا أن نرى التناقض كامنا في أقدم أشكال النظم الاجتماعية وهو نظام المشايعة البدائية، فهو موجود بين مصالح الأفراد الذين تتكون منهم القبيلة الواحدة، ثم هو موجود بين القبيلة والقبائل المعادية لها، وهو موجود أخيرا بين المجتمع القبلي بصفة عامة وقوى الطبيعة المعاكسة. كما أن الملكية خضعت لسلسلة طويلة من نفي النفي فقد بدأت بالملكية العامة، غير أن هذه الملكية العامة التي كانت شائعة في العصور البدائية أصبحت في المراحل العليا من التطور الزراعي عائقا للإنتاج، ولهذا ألغيت أو سلبت، وتحولت بعد سلسلة طويلة أو قصيرة من الحلقات الوسطى إلى ملكية خاصة حين مارس الإنسان الزراعة. واستقرت القبائل الرحل واقتسم أفرادها الأرض، وهكذا عرف الإنسان التملك، ونشبت فيه الرغبة في توسيع رقعة الأرض التي يملكها. ولكن حين تطورت الزراعة من جديد إلى مرحلة أعلى، أصبحت الملكية الخاصة عائقا، وظهرت الحاجة إلى إلغائها أو سلبها، وكان لا بد من أن تعود الملكية العامة من جديد لا في صورتها القديمة بل في إطار جديد بحيث لا تصبح عائقا للإنتاج، أو إنما متحررة من جميع القيود بحيث تتمكن من استغلال المكتشفات الحديثة. (راجع كتابنا عن المنهج الجدلي عند هيغل ص 420- دار المعارف). ومن المهم أن نلاحظ هنا أن النفي لا يعني الفناء، ولكنه يعني السلب والمحافظة في آن معا. فالعناصر الجوهرية في الظواهر القديمة لا تفنى، وإنما يحتفظ بها في صورة جديدة في مراحل التطور الأعلى. فالإنسان البدائي- مثلا- في المرحلة الأولى من التطور الاجتماعي صنع لنفسه أدوات مصنوعة من الحجارة، فلما تطور المجتمع ألغيت هذه الأدوات وحل محلها أدوات معدنية فكانت الثانية سلبا للأولى، لكنها مع ذلك احتفظت بالعنصر الأساسي في الأدوات القديمة كقدرتها على القطع وشكلها- كما هي الحال في الفأس الحجرية والفأس الحديدية- وما يقال على المجتمع القديم يقال أيضا على المجتمع الحديث.

نعود إلى التساؤل: هل يمكن أن يكون للمنهج الجدلي- كمنهج للدراسة- دور في مجال العلوم الإنسانية؟. الإجابة تتحدد وفقا لنظراتنا لموضوع هذه العلوم. أعني الإنسان. فإذا اعتبرناه جزءا من الطبيعة كان معنى ذلك أنه يخضع لحتمية صارمة- تشبه حتمية الظواهر الطبيعية- لا يكشف عن قوانينها إلا استخدام المنهج التجريبي. أما إذا كان يتميز بعنصر فريد لا نظير له في ظواهر الطبيعة كان المنهج التجريبي وحده غير كاف لدراسته. أي أن المشكلة هنا تبرز مشكلة الحتمية والحرية عند الإنسان، ولهذا فإن الطبيعيين يستبعدون أي منهج آخر غير المنهج التجريبي في مجال العلوم الإنسانية، بل ويذهبون إلى القول بأنه إما أن يخضع الإنسان لحتمية صارمة وإما أن يكون حرا فيطرد في نفس الوقت من حظيرة العلم. غير أن الفهم الحقيقي لمشكلة الحتمية والحرية هذه ينبغي أن يكون فهما جدليا في صميمه، ذلك لأن تحليل وقائع السلوك البشري تكشف لنا بصورة دائمة عن الأسباب والبواعث التي صدر عنها هذا السلوك، لكن شعورنا بالحرية من ناحية أخرى لا يمكن أن يكون أقل حقيقة من هذه الأسباب والبواعث.

وعلى ذلك فإننا نستطيع أن نقول بصفة عامة إنه من المستحيل أن نجد ماهية الإنسان الحقيقية في المادة وحدها (أو في الجانب الطبيعي الذي يخضع للحتمية)، ولا في الفكر وحده (أو في الجانب الداخلي الحر). ولكن الواقعة الأساسية التي ينبغي أن يبدأ منها كل فهم حقيقي للإنسان، هي أن الإنسان ليس فكرا فحسب، ولا هو طبيعة فقط، لكنه الصراع الجدلي بين هذين الجانبين. (إريك فرانك في المرجع السابق ص 8). وهنا نجد المنهج الجدلي يطل برأسه في ميدان العلوم الإنسانية، فهل يجوز استخدام مثل هذا المنهج في ميدان هذه العلوم؟. وهل يمكن أن يساهم في حل مشكلة المنهج التي تعاني منها هذه العلوم؟. إننا إذا ما صدقنا ما يذهب إليه هيغل من أن الموضوع- لا الباحث- هو الذي يحدد المنهج الذي يسير عليه البحث، وإذا كان الموضوع- وهو الإنسان- عبارة عن صراع جدلي بين هذين الجانبين، أو هو المتناقضة التي لا يمكن حلها بين هذين الجانبين كما يقول فرانك في كتابه السالف، فهل يكون المنهج الجدلي أقرب المناهج إلى هذا الموضوع؟. لكن ما المقصود بالمنهج الجدلي هنا، وكيف يمكن الاستفادة منه في مجال العلوم الإنسانية؟.

المنهج الجدلي كما يعرفه هيغل هو: المنهج الذي يجمع بين منهج الاستقراء التجريبي وبين منهج الاستنباط العقلي، لكنه ليس مجرد جمع أجوف بينهما، وإنما هو نفسه مركب جدلي منهما. فقد عرض هيغل لتصنيف المناهج التي يعتقد أن الناس لديهم عنها فكرة خاطئة: (فقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى المنهج التجريبي (وهو يسميه أيضا بالمنهج التحليلي) وكذلك إلى المنهج الاستنباطي (وهو يسميه بالمنهج التأليفي)، على أنهما يعتمدان اعتمادا تاما على رغباتهم الخاصة، وأن اختيار أحدهما من دون الآخر أمر يتوقف أساسا على ميولهم، ولكن ذلك وهم خاطئ. لأن اختيار أحدهما من دون الآخر وسيلة للبحث يعتمد أساسا على موضوعات البحث نفسها. فهي وحدها التي تحدد المنهج الذي تسير عليه. والمنهج الجدلي منهج تحليلي حين يعتمد على تحليل الظاهرة الموجودة أمامه ويصعد منها إلى الفكر (خطوة الاستقراء) وهو منهج تأليفي حين يهبط من الفكر المجرد إلى الواقع العيني (خطوة الاستنباط العقلي) فهو حوار دائم بين الفكر المجرد والعينية المشخصة، وهو تعبير صادق عما بينهما من صراع دائم.

هل هناك خطوات محددة يقدمها المنهج الجدلي بحيث يستطيع العالم أن يسير على هديها في دراسته لموضوع بحثه؟. ونجيب: أولا: إن هذا المنهج ليس منهجا علميا لكنه منهج فلسفي، وثانيا: لا يمكن أن توضع خطوات ثابتة ومحددة لهذا المنهج وإلا لتحول هو نفسه إلى منهج ميتافيزيقي أحادي الجانب، ذلك لأنه من صميم الجدل أن يظل منفتحا وأن يتضمن إلغاء الخطوات التي يضعها طوال سيره. فإذا ما وضعت خطوات في مرحلة معينة، فلا بد أن تكون هي نفسها في مرحلة تالية موضوعا تنفيه خبرة جديدة. وهكذا بحيث لا يبقى لدينا في النهاية سوى الحركة الجدلية نفسها لأن الجدل هو في جوهره- كما قال هيغل- حركة. وعلى ذلك فلا الخطوات التي وضعها هيغل في منهجه الجدلي، ولا القوانين التي اقتبسها الماركسيون من هذا المنهج وأطلقوا عليها اسم (الجدل الماركسي) يمكن أن تعتبر خطوات منهجية محددة للدراسة والبحث. ولسنا نقصد باستخدام المنهج الجدلي في العلوم الإنسانية هذا المعنى، لكن المقصود هو استخدام الحركة الجدلية (أو الفهم الجدلي، أو الروح الجدلية) التي تستفيد من المنهج والمنهج العقلي في آن معا في فهم الأنشطة البشرية المعقدة.

ومما تجدر ملاحظته أن خطوة النفي والسلب هذه سوف تفسح المجال أمام حرية الإرادة البشرية للظهور وممارسة نشاطها الحر، وسوف تجعلنا باستمرار على استعداد لفهم هذا النشاط وتفسيره، وسوف يكون التقدم على هذا الأساس و تقدم في الوعي بوجود الحرية كما قال هيغل. وواضح أن الجدل بهذا المعنى ليس إلا تعبيرا عن دينامية الفكر الذي يتوخى بصورة دائمة ألا يتوقف أبدا في تقدمه نحو فهم الإنسان فهما أكثر كفاية، وهو بهذا المعنى يختلف عن الجدل القديم لأنه لا يهدف إلى الدفاع عن نظرية من النظريات، بل هو على العكس تهمه أرض المعركة أكثر من المعركة ذاتها، وهو يهتم بحركة السير أكثر من اهتمامه بعدد الممالك التي يغزوها.

ويمكن أن نقول في النهاية إن إدخال الحركة الجدلية في فهم العلوم الإنسانية سوف يفيدنا- على الأقل- في أربع نقاط هامة:

أولا: إن هذه الحركة الجدلية سوف تكشف لنا عن حوار دائم بين الذات والموضوع، وهو الحوار الذي يطرح أنصاف الحقائق ويبين لنا بالتالي مدى القصور في الموقف الذي اتخذه كل من الطبيعيين واللاطبيعيين في فهمهم للإنسان. ففي مجال العلوم الإنسانية فليس ثمة ذاتية خالصة، ولا موضوعية مطلقة، وإنما تتشكل الذات وفقا للموضوع، ويتشكل الموضوع وفقا للذات، فلا واحد منهما بمستقل عن الآخر، ولا هو واقعة تامة ومنتهية، لكنهما معا يتشكلان نتيجة لتفاعلهما وهما لهذا ضرورة مستمرة، وتطورهما مرتبط أيضا بنمو المعرفة البشرية. وواضح أن السبب هو أن الذات والموضوع في مجال العلوم الإنسانية هما شيء واحد هو: الإنسان، وإذا كان الإنسان مشروعا وإذا كان هذا المشروع لا يكتمل إلا بفنائه، برزت ضرورة الفهم الجدلي للإنسان، ذلك الفهم الذي يتطور باستمرار في اتجاه حركته.

ثانيا: سوف يترتب على ذلك نتيجة هامة هي أن المعلومات والمعارف التي تجمعها العلوم الإنسانية يجب ألا يفهم منها أنها تشكل صرحا نهائيا يقوم على أسس راسخة كما هي الحال في العلوم الطبيعية، لكنه صرح يعاد إنشاؤه من دون انقطاع. إنه بناء متجدد دائم التطور، فليس ثمة حقائق موضوعية ونهائية لأن نظرياتنا تجدد الأفكار في كل جيل.

ثالثا: إن هذه النظرة تفتح لنا الطريق أمام احتمالات المستقبل وما يحمله في طياته من وقائع جديدة. وحالات لم تعرف من قبل، وبالتالي فإن النتائج التي وصلنا إليها الآن لا بد أن تتعدل في المستقبل. ومن هنا يتسع المجال أمام حرية الإرادة البشرية ويظل الفكر منفتحا ومتهيئا لتقبل أفكار جديدة تتعارض مع الأفكار التي نعرفها، ومعنى ذلك كله استحالة التنبؤ بالمستقبل وقصر المعرفة على الحاضر وحده. ولهذا فقد كان هيغل رائعا حين وقف في تحليله للتاريخ عند العصر الذي عاش فيه من دون أن يتجاوزه لكي يتنبأ بالمستقبل، لأن التنبؤ بالمستقبل أمر لا يمكن قبوله في ميدان العلوم الإنسانية التي تلعب فيها الإرادة البشرية دورا لا يستطيع البحث الدقيق إغفاله. ومن هنا قال هيغل– بحق- إن التاريخ ينتهي في الحاضر لا في المستقبل. (كولنجوود المرجع السابق ص 220 وما بعدها).

رابعا: إن هذه النظرة سوف تمكننا من تطبيق المنهج التجريبي والإفادة من نتائجه، كما أنها تمكننا في الوقت ذاته من الاستفادة من المذاهب الفلسفية والخبرات الإنسانية الأخرى. فالباحث هنا ينفتح على نظريات متعارضة مطلقا، ولا يلبث أن يلجأ إلى واحدة بعد الأخرى بحيث ينشأ لون من ألوان الحوار بينه وبين المذاهب المختلفة ينتهي بتكوين صورة أكثر نفجا وأكثر عينية واكتمالا عن الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق