أبحاث ودراسات

دراسة المجتمع… علم

د. سمير نعيم أحمد

نعلم جميعا أن المجتمعات تتكون من أفراد، وأن هؤلاء الأفراد في حالة تفاعل مستمر بين بعضهم البعض. كما نعلم أيضا أن هؤلاء الأفراد ينظمون أنفسهم بأسلوب معين يحدد علاقة كل منهم بالآخر. أي أنهم يضعون لأنفسهم ما نسميه بنظام المكانة. وهؤلاء الأفراد المنظمون النشطون يكونون تجمعات ومجموعات فيما بينهم يربط بين كل منها والأخرى علاقات محددة مثل الروابط المهنية أو السياسية أو الدينية أو الثقافية. ونحن نعرف من ملاحظاتنا اليومية أن هذه العلاقات المتبادلة بين الأفراد وبعضهم البعض وبين التجمعات التي يكونونها ليست ثابتة جامدة ولكنها دينامية ومتغيرة. ونستطيع أن ندرك بسهولة أن هناك عمليات مختلفة تؤثر على وتتحكم في تلك الأنماط المختلفة من العلاقات.

تلك بعض الحقائق الواضحة البديهية. والتي تمثل في الواقع أبسط تعريف للمجتمع موضوع مناقشتنا في هذا المقال. والسؤال الآن هو: هل يمكن دراسة هذه الظاهرة دراسة علمية مثلما أمكن دراسة غيرها من الظواهر الفيزيقية أو البيولوجية؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال سوف تساعد على حسم الكثير من المشكلات والاختلافات في الرأي فيما يتعلق بماهية علم الاجتماع.

فما زلنا نرى حتى الآن من ينكرون إمكانية وجود علم بهذا الاسم، وليس أدل على ذلك من أن دراسة المجتمع في جامعاتنا، وفي كثير من جامعات العالم، تعتبر من الدراسات الأدبية أو الفنية وليست من الدراسات العلمية. فأقسام علم الاجتماع توجد بكليات الآداب والفنون، بل أن هناك بعضا من هذه الكليات لا يفرد قسما خاصا لدراسة المجتمع بل يضمها داخل أقسام الفلسفة أو غيرها من فروع المعرفة. وحين يذكر العلم فنادرا ما يطرأ على ذهن الناس، حتى أكثرهم معرفة وعلما ومن هم على مستوى المسؤولية، أن دراسة المجتمع تدخل في نطاقه. إن العامة، ولهم عذرهم، ما زالوا لا يعلمون أن دراسة المجتمع قد أصبحت علما له أصوله وقواعده مثلما أصبحت دراسة الجسم الحي والمواد الجامدة علما، وأن الوقت قد حان لاستبعاد الادعاء والدجل من ميدان دراسة المجتمع مثلما تم استبعاد السحر والشعوذة من ميدان الطب. من كل ذلك تتضح الحاجة الملحة إلى مناقشة وتوضيح الأسس العلمية في دراسة المجتمع.

علمية دراسة المجتمع

إن معظم الاعتراضات على علمية دراسة المجتمع واللبس في فهم طبيعة هذه الدراسة، تأتي عادة نتيجة للمقارنة المباشرة أو الضمنية بين العلوم الفيزيقية والبيولوجية من ناحية، والعلوم الاجتماعية من ناحية أخرى. فالعلوم الفيزيقية (التي تدرس كل ما هو غير حي)، والعلوم البيولوجية (التي تدرس أشكال الحياة) قد حققت حتى الآن انتصارات عظيمة بهرت الناس بنتائجها، ولهذا أصبحت لها مكانة ضخمة في عقولهم، أما العلوم الاجتماعية فإنها- نظرا لحداثة نشأتها- لم تتوصل بعد إلى تلك النتائج الباهرة، وما زال المتخصصون فيها يعملون في كثير من الصمت من أجل إرساء قواعدها وأصولها، وحين يخرج بعضهم عن هذا الصمت ليعلن في تسرع بعض النتائج التي توصل إليها، أو يطالب بتطبيقها في مجالات قبل التأكد التام من صدقها، فإنه يضر بسمعة ومكانة العلم الذي يعمل من أجله بدلا من أن يرفع منها، تماما مثلما كان يحدث في بداية تطور الطب حيث كان السحرة والمشعوذون ينتهزون فرصة فشل أي طبيب في علاج مرض ما للتشهير بالطب بأسره والنيل من مكانته. ولكن ليس معنى تأخر نمو وتطور العلوم الاجتماعية عن الفيزيقية أو البيولوجية أن الأولى لا تدخل ضمن نطاق العلوم. ولا يجب أن ننسى أن كل العلوم مرت بفترة الحداثة هذه ولم يحل ذلك أبدا دون أن تصبح علوما بمعنى الكلمة. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن تأخر تطور العلوم التي تدرس الإنسان لا يرجع إلى قصور لدى العلماء أو لعدم إمكانية دراسة الإنسان دراسة علمية، ولكنه يرجع أكثر من أي شيء إلى مقاومة الإنسان ذاته (موضوع دراسة هذه العلوم) للكشف عن طبيعته وخباياه وللمساس بمعتقداته عن نفسه بأنه شيء مقدس. ولكن من حسن الحظ أنه كلما استطاع الإنسان أن يفهم شيئا عن ذاته، سهل ذلك من عملية تقبله للكشف عن جوانب أخرى منها، ولهذا فإننا نتوقع أن يكون خط العلوم الاجتماعية من سرعة التطور أكثر من خط ما سبقها من العلوم التي تمس الإنسان.

يخطئ الكثيرون حين يظنون أن العلوم هي التي تدرس الظواهر الفيزيقية والبيولوجية فقط، لأنهم في هذه الحالة يعرفون العلم على أساس موضوع دراسته لا على أساس المنهج المتبع في الدراسة. فالظواهر الفيزيقية والبيولوجية كانت، وما تزال، موضوعا لاهتمام ضروب مختلفة من المعرفة غير العلمية. ولم تصبح دراسة هذه الظواهر علما إلا حين اتبع المنهج العلمي فيها. وعلى هذا فإن المعرفة بالظواهر الاجتماعية تكون علما حين يتبع فيها هذا المنهج، ومن الممكن بكل تأكيد اتباع هذا المنهج في دراستها للأسباب الآتية:

أولا: الظواهر الاجتماعية ظواهر طبيعية natural، بمعنى أنها تحدث في الطبيعة وتحت بصرنا وسمعنا، أي أن المعرفة بها يمكن أن تستمد من الحواس شأنها شأن المعرفة بأي ظواهر طبيعية غيرها. وبالتالي فإن هذه الظواهر يمكن أن تخضع للملاحظة والوصف.

ثانيا: لما كانت حواس الإنسان عرضة للخطأ وعدم الدقة، فإنه يمكن أيضا استخدام وسائل مساعدة للحس كالتي يستخدمها علماء الفيزياء والبيولوجيا، وقد تم بالفعل استخدام وسائل مثل التسجيل السينمائي والصوتي للأحداث الاجتماعية، وهذه الوسائل ليست في الواقع سوى تسجيل موضوعي ودقيق وأمين للظواهر والأحداث يضمن موضوعية ودقة الملاحظة. كما أمكن ابتكار مقاييس جيدة ودقيقة للعلاقات الاجتماعية والاتجاهات والرأي العام ودرجة التحضر وحركة أعضاء المجتمع مكانيا واجتماعيا… الخ. وهكذا استطاع علماء المجتمع أن يحققوا أهم أركان المنهج العلمي: الدقة والموضوعية في الملاحظة.

ثالثا: الظواهر الاجتماعية ظواهر ثابتة نسبيا ومتكررة، وبالتالي يمكن التنبؤ بها. والواقع أنه ما لم تكن هذه الظواهر تتسم بالثبات النسبي والتكرار لما أمكن قيام أي مجتمع أو استمراره. فوجود المجتمع في حد ذاته دليل على توفر هذه الصفة في السلوك الإنساني الاجتماعي. ومعظم أفراد المجتمع يمكنهم التنبؤ بسلوك الآخرين في مختلف المواقف، وذلك ما يمكن من التفاعل بين أفراد المجتمع واستمرار بقائهم سويا، لأن هناك ثباتا وتكرارا نسبيا في هذا السلوك. وقد يبدو من الملاحظة العابرة أن الظواهر الاجتماعية سريعة التغير وغير متكررة بالمقارنة بالظواهر الفيزيقية والبيولوجية، ولكن هذا التغير في الواقع ليس سوى تغير في الصور التي تتخذها الظواهر، ويوجد وراء هذا التغير قانون يتسم بالثبات النسبي يحكمه ويوجهه كذلك الذي يوجد وراء التغير في الظواهر الفيزيقية والبيولوجية. فتتابع الفصول وتتالي الليل والنهار هو في واقع الأمر تغير ولكم من المعروف أن هناك نظاما ثابتا يحكم هذا التغير. وتغير الكائنات الحية من شكل إلى آخر في نفس النوع أو من نوع لآخر، ثبت أنه يسير حسب نظام ثابت نسبيا، يحكم هذا التغير في المادة الحية التي يمكن أن تتخذ صورا شتى تبدو لأول وهلة غير مترابطة وغير متكررة. والمادة غير الحية ثبت أنها ثابتة ومتكررة وتتخذ أشكالا عدة، ولكنها لا تختفي أبدا ولا تفنى. وبناء على فهمنا لهذا النظام الثابت لظواهر الكون المختلفة أصبحنا نستطيع التنبؤ بسلوكها، وكلما ازداد فهمنا له ازدادت دقة تنبؤاتنا بسلوك هذه الظواهر. والظواهر الاجتماعية بلا شك من ظواهر هذا الكون وليست خارجة عنها.

رابعا: يخطئ البعض حين يعتقد أن التجربة المعملية هي جوهر المنهج العلمي، وبالتالي يخطئون حين يتصورون أن دراسة المجتمع لا يمكن أن تكون دراسة علمية لأنها لا تستند أساسا على التجربة المعملية. فالتجربة المعملية ليست سوى إحدى الطرق المستخدمة في البحث العلمي وهدفها الأساسي تمكين الباحث من اختبار فروضه واستنتاجاته وتسجيل ملاحظاته بدقة. والعلوم الفيزيقية والبيولوجية لا تعتمد على التجربة المعملية وحدها، كما أن هناك علوما لا تلجأ إلى استخدام هذه الطريقة بحكم طبيعة الظواهر التي تدرسها، فعلم الفلك وعلم الجيولوجيا وعلم المحيطات علوم لا تعتمد على التجربة المعملية،ولكنها تعتمد على الملاحظة والقياس الدقيقين، كما أنها تلجأ إلى الاستعاضة عن التجربة المعملية بتصميم تجريبي للدراسة تتوفر فيه عناصر التجربة المعملية، وهي التحكم في درجة ونوع المتغيرات موضوع البحث وتناولها بالتغيير من أجل اختبار صحة فرض ما. ولكن الفرق بين التجربة المعملية والتصميم التجريبي هو أن الباحث في الحالة الأولى يحدث التغير المطلوب بنفسه، أما في الحالة الثانية فإنه يبحث عن درجات مختلفة من التغير الذي يدرسه كما توجد في الطبيعة، ويدرس ما يترتب على ذلك من تغير في بقية المتغيرات.

خامسا: إذا كان من الممكن إذن فهم الظواهر الاجتماعية على أساس علمي وباتباع المنهج العلمي الذي لا بد من استخدامه في فهم كل ظواهر الكون، فإنه يصبح من الممكن أيضا التنبؤ بهذه الظواهر والتحكم فيها وتوجيهها لتحقيق أحسن تكيف ممكن للإنسان، وهذان هما الهدفان الآخران للعلم بعد الفهم. والذي نحتاجه اليوم بشدة في هذا العالم هو أن نصل إلى فهم حقيقي للقيم والدوافع وراء سلوك الإنسان، حتى في محاولته التحكم في الظواهر الفيزيقية والبيولوجية، ولن يتأتى ذلك بالطبع إلا بإخضاع هذه القيم ذاتها للدراسة العلمية المنظمة.

سادسا: إذا كان القانون يعني علاقة ثابتة نسبيا ومتكررة يمكن التحقق دائما من صدقها بين حقيقتين أو أكثر من حقائق الكون، فإننا إذا سلمنا بأن المنهج العلمي يمكن أو يوصلنا إلى اكتشاف حقائق عن المجتمع- وهو من ظواهر الكون- فإننا لا بد أن نسلم بإمكانية التوصل إلى قوانين اجتماعية. وإذا عرفنا أنه ليس هناك من العلماء من يفترض وجود قوانين جامدة ثابتة أبدا ولكن الثبات في القوانين شيء نسبي، وبالتالي فإن القوانين قابلة أبدا للتعديل وللإضافة وللحذف، فإنه يكون من السهل علينا أن ندرك معنى عدم ثبات القوانين الاجتماعية.

سابعا: إن أي باحث في أي ظاهرة سواء كانت فيزيقية أو بيولوجية أو اجتماعية، معرض لأخطار الذاتية والتحيز، وليس هذا الخطر قاصرا على الباحث في الظواهر الاجتماعية. وقد سبق أن قلنا إن أي باحث يعتمد على حواسه وعلى عقله في ملاحظة وتسجيل وتفسير الأحداث التي يدرسها. ومن الممكن أن تخطئ الحواس في الإدراك وأن يخطئ العقل في التأويل. ولذلك فإن العلماء يبتكرون وسائل مساعدة لحواسهم تكون بمثابة الرقيب على صدق ما تعطيه لهم الحواس وتساعد على تقوية هذه الحواس وزيادة دقتها وموضوعيتها. كما أنهم يراجعون ما توصلوا إليه دائما على ما توصل إليه غيرهم. وهذه هي الوسيلة الأساسية لتجنب أخطار الذاتية والتحيز. ويلجأ علماء الاجتماع إلى هذه الوسائل التي تضمن الموضوعية، وما حدث في العلوم الفيزيقية والبيولوجية من تطوير دائم ومستمر لهذه الوسائل يحدث الآن في العلوم الاجتماعية، بحيث أصبح من المتوقع أن تصل هذه الوسائل إلى مثل دقة الوسائل المتبعة في العلوم الأخرى.

نخرج من هذه المناقشة للأساس العلمي للعلوم الاجتماعية عامة وعلم الاجتماع خاصة بأن أي فهم حقيقي للمجتمع الإنساني لا بد أن يكون باتباع المنهج العلمي، وأن أية محاولة ناجحة للتحكم في ظواهر هذا المجتمع أو حل مشكلاته لا بد أن تقوم على فهم مبني على الأسس العلمية لطبيعة هذه الظواهر. وهذا الفهم هو ما يحاول علم الاجتماع على أسس علمية أن يقدمه عن طريق الأبحاث والدراسات المنظمة التي يقوم بها العلماء المتخصصون في هذا الميدان.           

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق