مقالات

علاقات تحابب وتجاذب

| د. بارعة القدسي

(1)

لست هنا في معرض الإشادة بالعلوم القانونية بحسبانها العلوم التي تحمل اسمها شهادة الدكتوراة التي حزتها، وإنما أنا هنا في معرض التذكير بأن العلوم الإنسانية، ومنها العلوم القانونية، ومعها العلوم التطبيقية، لا تنتميان إلى عالمين منفصلين ومتباعدين.

 

(2)

وأسوق مثالا وهو أننا في كلية الحقوق نقوم بتدريس علم من العلوم التطبيقية، وأعني به التحقيق الجنائي، ولي فيه كتاب غير جامعي نشرته لي وزارة الثقافة وعنوانه: (التحقيق الجنائي والطب الشرعي).

وكذلك الأمر في كلية الطب التي لا تخلو دراسة الطالب فيها من كلام على القانون في الطب، في إشارة واضحة إلى كتاب بالغ الأهمية وذائع الصيت، هو كتاب ابن سينا (القانون في الطب) الذي قال في أسباب تأليفه: (التمس مني بعض خلَّص لإخواني، ومن يلزمني إسعافه، بما يسمه به وسعي، أن أصنف في الطب كتابا مشتملا على قوانينه الكلية والجزئية اشتمالا يجمع إلى الشرح الاختصار، وإلى إيفاء الأكثر حقه من البيان الإيجاز، فأسعفته بذلك)، وهو الكتاب الموصوف بأنه ظلَّ في أوروبا الكتاب الطبي المقدس لمدة أطول من أي كتاب آخر.

 

(3)

وما زلت أذكر كيف أني وقعت ذات يوم في مكتبة زوجي على كتاب عنوانه لافت هو: (تقدم العلم). وحين قرأت على غلاف الكتاب بأنه من تأليف العالم العلامة الدكتور عبد الكريم اليافي، الذائع الصيت في عوالم الفلسفة، فإني سرعان ما قمت بالانكباب على قراءة ما تيسَّر لي من صفحات هذا الكتاب التي تربو على الثلاثمائة صفحة، فكان أن وجدت ضالتي المنشودة، وهي أن الفلسفة والعلم صنوان لا يفترقان، وأن على ما بينهما أحيانا من علاقات ابتعاد وتضاد، فإن بينهما أيضا علاقات عشق وغرام.

والكتاب، باختصار شديد، يتكلم في العلاقة بين الفلسفة الموصوفة بأنها من العلوم الإنسانية، والفيزياء الموصوفة بأنها من العلوم التطبيقية، فما وجدت بينهما إلا علاقات تحابب وتجاذب، بحيث أن ما لا يقدر العلم على تفسيره، تتولى الفلسفة القيام بهذه المهمة الصعبة. والعكس صحيح.

 

(4)

ومثال ذلك هو مسألة خلافية، وأعني بها مسألة الحتمية واللاحتمية.

وما يعنيني هنا هو تلك الإشكالية بين ما كان يقوله العلم من مسألة وجود حتميات في عالم الفيزياء، وما تقوله الفلسفة من أن مملكة الإنسان لا تخضع لما تخضع له مملكة الطبيعة، بمعنى أن مملكة الطبيعة ليست محكومة بحتميات صمَّاء بكماء، وهو ما جاءت العلوم الفيزيائية، لتؤكده عبر تجارب علمية دقيقة أفضت إلى مصطلح بديل هو حساب الاحتمال.

 

(5)

موجز ما أقول هو إن اهتمامنا بالعلوم التطبيقية، لا ينبغي له أن ينأى بنا عن الاهتمام بالعلوم الإنسانية.

ومن يذهب بعيدا في التعمق في هذه المسألة، فإنه واقع لا محالة على حقيقة مفادها أنه ليس بالعلوم التطبيقية وحدها، ولا بالعلوم الإنسانية، يحيا الإنسان.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى