أبحاث ودراسات

نحن والعلوم الإنسانية

تأليف: د. مصطفى سويف
عرض ونقد:د. فؤاد زكريا

في هذا الكتاب احتجاج وتحذير، وفيه نصح وتوجيه، لا يستهدف فئة معينة من الناس، بل يخاطب الأمة بأسرها، ممثلة فيمن بيدهم مقاليد الأمور في توجيه السياسة العلمية للبلاد. فهو يرسم لهم- بأسلوب واضح وحجة مقنعة- معالم طريق جديد ينبغي أن يعمل له في هذه السياسة كل حساب، وذلك بعد أن ينتقد بتعمق وبمنطق لا سبيل إلى إنكاره، أخطاء السياسة الحالية في المجال العلمي، وفي مجال العلوم الإنسانية بوجه عام.

هذا الكتاب قد يبدو لبعض العارفين أنه ينبه إلى قضية لا تحتاج إلى تنبيه، وهي أن العلوم الإنسانية تستحق أن تقف على قدم المساواة مع العلوم الطبيعية، من حيث اهتمام المجتمع بها، وتخصيصه الموارد لها، وإفادته من إنجازاتها. ومع ذلك فإن لهجة الاحتجاج الهادئ العاقل، الذي لا يخلو في الوقت ذاته من مرارة، وهي اللهجة المميزة للكتاب من بدايته إلى نهايته، لها ما يبررها، ذلك أن القضية التي لم تعد تحتاج في كثير من بلاد العالم إلى تنبيه، ما زالت غير معترف بها اعترافا كافيا في بلادنا، بل أن صفحات الكتاب كلها تشهد بأن هناك كفاحا طويلا ومريرا ينتظر كل من يدعو إلى الاهتمام بالعلوم الإنسانية بوصفها علوما بالمعنى الصحيح.

ولقد كانت هزيمة 5 يونيو/حزيران، من أقوى العوامل التي دعت إلى إثارة هذا الموضوع في أذهان فئات واسعة من جمهورنا المثقف. ذلك لأن رد الفعل الأول، والمباشر، على هذه الهزيمة هو الدعوة إلى مزيد من الاهتمام بالعلم الطبيعي والتكنولوجيا بوصفهما مكمن قوة العدو وموضع خطورته.

ولكن قليلا من التفكير المنزوي كان كفيلا بأن يقنع هذه الأذهان بأن تلك الهزيمة هي صيحة تحذير تنبهنا إلى أننا ينبغي أن نفهم الإنسان مثلما نحاول أن نفهم أسرار الطبيعة، بل أن الإنسان هو العامل الحاسم الذي لا ينفع بدونه علم طبيعي أو تكنولوجيا. وهكذا أدرك المؤلف، في لمحة ذكية، أن قضية العلوم الإنسانية ينبغي أن تتلقى قوة دافعة- لا أن تتراجع إلى الوراء كما ظن بعض المتسرعين- من الأحداث المريرة التي مرت بها أمتنا منذ يونيو/حزيران 1967.

ولقد حدد المؤلف هدفه ودوافعه إلى تأليف هذا الكتاب تحديدا واضحا، عندما قال: (إن كاتب هذه السطور يكتب من موقع يستطيع أن يدرك فيه مدى الأضرار والخسائر التي تصيب مجتمعنا في صناعته وتعليمه، وتطبيقه وتسليحه والتخطيط لمعظم مقدرات الحياة فيه نتيجة للتواني يوما بعد يوم في الإفادة مما يمكن أن نسميه في مجموعه بفروع التكنولوجيا البشرية. وأن الشعور بواجب المواطن نحو وطنه هو الدافع الأول والأخير وراء هذا الحديث كله. والمفروض أن يقدم كل مواطن إلى قومه الجهد والنصح في الاتجاه الذي أتيح له فيه قدر لا بأس به من الخبرة والتخصص). وبالفعل يحس المرء طوال صفحات الكتاب بأن مؤلفه ليس كاتبا علميا فحسب، بل هو أيضا داعية وصاحب رسالة ينبه إليها (قومه) لعلهم يهتدون.

وعلى الرغم من قدرة الإقناع العائلة التي تنطوي عليها لغة الأرقام، واللغة التي التجأ إليها المؤلف تأييدا للقضايا الرئيسية التي طرحها في هذا الكتاب، فإن المرء لا يملك إلا أن يشعر بأن من وراء الأرقام الجافة دعوة متحمسة كرس لها المؤلف حياته، تستهدف تأكيد الطابع العلمي للدراسات المتعلقة بالإنسان، وإقناع العقول بأن علوم الإنسان- إلى جانب ما لها من أهمية نظرية- يمكن أن تعود على المجتمع بأعظم الفوائد على الصعيد العملي والتطبيقي.

والحق أن دعوة المؤلف لم تقتصر على العلوم الإنسانية وحدها، بل إنه يضع أزمة العلوم الإنسانية في إطار أوسع، هو إطار البحث العلمي بوجه عام. فهو على سبيل المثال يورد الأرقام الخاصة بميزانية البحث العلمي في كليات جامعة القاهرة، ثم يتساءل بصدق وإخلاص، بعد أن لاحظ الضآلة الشديدة لهذه الأرقام: (هذه المبالغ.. تكفل للجامعة مساندة البحث العلمي في رحابها. ثم أليس هذا الوضع جزءا من حقيقة تقوم هكذا عارية وراء ظاهرة نعترف بها ونأسف لها، وهي ضعف معظم البحوث التي تجري داخل جامعاتنا؟. أليس الكشف عن هذه الحقيقة وأمثالها جزءا جوهريا من مهمة الكتاب الذين ينعون على جامعاتنا ضعفها ويتحدثون كثيرا على أننا ليس لدينا مدارس علمية وليس لدينا بحوث لها قيمة علمية؟. وهكذا يطرح المؤلف قضية البحث العلمي في أعم صورها كما تتمثل في ميزانيات البحث العلمي في الجامعات، ويطالبنا بأن نبحث لظاهرة تأخر الأبحاث العلمية عندنا عن تعليل اجتماعي حقيقي، إلا أن نكتفي بأن نردد، بطريقة انهزامية، إننا عاجزون عن الابتكار في العلم، فتغيب عن أنظارنا الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة من جهة، ويغمرنا إحساس باليأس والعجز عن الإتيان بأي جديد.

وإذا كانت ميزانيات البحث العلمي في الجامعات سواء في كلياتها العملية أم النظرية، ضئيلة إلى حد مؤسف، فإن نسبة توزيع هذه المبالغ الضئيلة ذاتها بين الكليات المتخصصة في العلوم الطبيعية وتلك المتخصصة في العلوم الإنسانية، تكشف بدورها عن حقيقة صارخة، هي أننا كما يؤكد المؤلف: لسنا مهيئين بعد للإفادة من تطبيقات العلوم الإنسانية، والانتفاع منها في حياتنا على الوجه الأكمل. وإلى هذه النتيجة ذاتها ننتهي عندما نستعرض الوضع القائم في أجهزة الدولة المختلفة، التي تتولى مهمة تطبيق العلوم الإنسانية عمليا، ولا نكتفي بأعمال البحث العلمي في هذا الميدان.

وفي مقابل هذا القصور الشديد في الانتفاع من تطبيقات العلوم الإنسانية، يثبت المؤلف، في أجزاء الكتاب الأولى، أن لهذه العلوم مقدرة تطبيقية هائلة، وأنها ألزم ما تكون لمجتمعنا في المرحلة الحالية من تاريخه. فهنا تغير اجتماعي عظيم الأهمية يطرأ على حياتنا في الآونة الراهنة، وتتمثل في توسع كبير في التصنيع، يستتبع الاهتمام بالإنسان، لا بالآلة وحدها، لأن الإنتاج في نهاية الأمر، إنما يتم على يد الإنسان. كما يتمثل هذا التغير في اتساع نطاق التعليم، وما يؤدي إليه من ضرورة اهتمام بالصحة النفسية للأعداد الهائلة من تلاميذ المدارس، وكذلك في الهجرة من الريف إلى المدينة، والمشكلات التي تؤدي إليها الحياة في المدن، وغير ذلك من المجالات العديدة التي تستطيع العلوم الإنسانية، إذا ما وجهت إليها العناية الكافية، أن تقوم فيها بدور عظيم الأهمية. بل إن تطبيقات العلوم الإنسانية يمكن أن تمتد لتشمل معالجة مشكلات البحث العلمي ذاته، أو على الأصح أسباب ضعف روح البحث العلمي، وكذلك مشكلات التأهيل للجيش وزيادة كفاءة المحاربين.

في كل هذه الميادين يؤكد المؤلف- عن حق- أننا لم ننتفع من المزايا التطبيقية للعلوم الإنسانية إلا انتفاعا ضئيلا، مع أن التطبيقات القليلة التي أجريت قد أثبتت الفائدة العملية المحققة التي يمكن أن تعود على المجتمع إذا وجه إلى هذه العلوم العناية اللازمة.

والمشكلة- في نظر المؤلف- لا ترجع فقط إلى ضآلة الاعتمادات المالية المخصصة لهذا النوع من الأبحاث، بل إن هذه الضآلة ذاتها هي على الأرجح مظهر خارجي، أو نتيجة لشيء أعمق، هو نظرة قطاع كبير من المسؤولين عن توجيه السياسة العلمية، وعن تخصيص الأموال للفروع المختلفة في هذا الميدان إلى العلوم الإنسانية. وهذه النظرة هي التي يستهدف الكتاب تغييرها، وإقناع أصحابها بالخطأ الذي يقعون فيه عندما يستهينون بعلوم أصبحت تكون جزءا لا يتجزأ من مقومات التقدم وعوامل الارتقاء في العالم بأكمله. فالكتاب إذن موجه ضد حالة ذهنية معينة، ترجع جذورها إلى نوع من الجمود العقلي الذي يجعل كثيرا من الناس عاجزين عن أن يتجاوزوا في تفكيرهم تلك المرحلة التي كانت فيها العلوم الإنسانية لا تزال شيئا مشكوكا فيه، وكان إمكان تطبيقها العملي لا يزال فيها أمرا غير مؤكد.

على أن من أوضح مزايا هذا الكتاب، أنه لا يكتفي ببيان أوجه القصور في هذه الحالة الذهنية التي تستخف بالعلوم الإنسانية، ولا يكتفي بتقديم الحجج القاطعة التي تثبت فداحة هذا الخطأ، بل إنه يقدم حلولا إيجابية يحدد بها معالم الطريق الذي ينبغي سلوكه لكي نعطي هذه العلوم حقها، ونفيد من العائد الضخم الذي يمكن أن تعود به على حياتنا لو أحسنا استخدامها. وقد لا يتفق البعض مع المؤلف في تفاصيل مقترحاته الإيجابية التي يهدف بها إلى إصلاح هذا الوضع، ولكن أحدا لن يستطيع أن ينكر أن المؤلف لم يسلك مسلك الناقدين الذين يكتفون بإبداء الحسرة وإشعار الآخرين باليأس، بل يرسم طريقا إيجابيا لحلول لا شك في أن كثيرا منها جدير بأن يلقى من المسؤولين كل اهتمام.

إن من مزايا الكتب الجيدة أن تثير في ذهن القارئ كثيرا من القضايا والمشكلات. وفي اعتقادي أنني سأكون قد أسهمت بنصيب في تنبيه الأذهان إلى أهمية القضايا التي يثيرها هذا الكتاب إذا ما عرضت بعضا من الأفكار التي جالت بخاطري خلال قراءتي له، وهي أفكار قد لا أكون متفقا فيها مع وجهة نظر المؤلف، ولكني أشترك معه- على الأقل- في الهدف النهائي الذي يرمي إلى بلوغه، وهو إعطاء الإنسانيات حقها في مجتمع ما زال إلى حد بعيد غير معترف بهذا الحق.

1- أولى الملاحظات التي لفتت انتباهي هي التأكيد الدائم والمستمر للجوانب التطبيقية في العلوم الإنسانية، على أساس أن هذه الجوانب هي التي ينبغي أن تكون مبررا لاهتمامنا بهذه العلوم. فمن المشكوك فيه إلى حد بعيد، أن يعمد عالم الطبيعة، في محاولته تبرير العلم الذي يشتغل به، إلى تأكيد فائدة هذا العلم في اختراع الراديو والتلفزيون، أو أن ينتبه عالم الكيمياء من أجل إقناع الناس بأن علمه مفيد، وإلى دوره في صناعة الأغذية المحفوظة أو تكرير البترول. صحيح أن هذه كلها فوائد محققة لهذه العلوم، وبعضها أحدث انقلابا في حياة الإنسان، ولكن تبرير العلوم على أساس مزاياها التطبيقية وحدها غير كاف، ومن الضروري أن يكون الفهم النظري للظواهر التي تبحثها هذه العلوم، والسعي إلى كشف القوانين المتحكمة فيها، واحدا (على الأقل) من الأسباب التي تقدم لتبرير الاهتمام بدراسة أي علم.

وأنا أدرك أن هذه الملاحظة يمكن أن يوجه إليها ردان:

الرد الأول هو أن العلوم الطبيعية لم تعد في حاجة إلى تبرير، وأنها علوم بلغت من الاستقرار حدا يتيح لأصحابها أن يدافعوا عنها على أساس قيمتها النظرية وحدها، أما العلوم الإنسانية فما زالت في حاجة إلى كفاح من أجل إثبات وجودها، وما زالت مضطرة خلال هذا الكفاح، إلى الارتكاز على التطبيقات العملية التي يمكنها أن تقوم بها.

والرد الثاني أن الكتاب يخاطب مجتمعا يحتاج إلى منطق خاص لإقناعه بجدوى العلوم الإنسانية، هو منطق المنفعة العملية، وذلك من جهة، لحداثة عهد هذا المجتمع بتلك العلوم، ولأنه من جهة أخرى، ما زال في مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي لا يملك فيها أن ينفق من موارده إلا على أوجه النشاط التي يستطيع أن يكون على ثقة من أنها ستعود عليه بنفع عملي.

2- يحدد المؤلف القضية الأساسية التي يدافع عنها بقوله: (نحن نبني مجتمعنا، ونحدد له مكانة في المجتمع الحديث، في عالم يعتمد أساسا على العلم كمنهج. وهذا المنهج العلمي- كما يقوم أمامنا في القرن العشرين، وفي النصف الثاني منه بوجه خاص- يتناول الآلة كما يتناول الإنسان (الإنسان كسلوك لا كأنسجة وأعضاء فحسب)، لذلك يجب علينا أن نعنى بالإنسان والآلة معا، وبأنواع التعليم التي تؤدي إلى مزيد من المعرفة بخصائص كل منها).

إن الدفاع عن بعض الدراسات الإنسانية على أساس أنها استطاعت أن تصبح علمية، ومن ثم فهي جديرة بنفس الاهتمام الذي نبديه بالعلوم البحتة. هذا الدفاع ينطوي في واقع الأمر على تسليم لا شعوري بموقف خصوم الدراسات الإنسانية. ولكي أوضح وجهة نظري، أود من القارئ أن يتأمل مليا هذا الاقتباس: (إن أي حديث عن العلوم الإنسانية تحت عنوان: الدراسات النظرية- كأنما هي قطب مقابل للدراسات التجريبية- ينطوي على خطأ فاضح. والواقع أن العلوم الإنسانية- وخاصة جميع فروع علم النفس وبعض فروع علم الاجتماع- دراسات تجريبية بكل ما لهذه الكلمة من معنى محدد في تاريخ العلوم. والفرق الرئيسي بينها وبين العلوم الطبيعية والبيولوجية فرق في درجة التقدم، وليس فرقا في أن الدراسات الإنسانية تأملية ولا يمكن أن تكون إلا كذلك بينما علوم الطبيعة والتكنولوجيا علوم تجريبية فهذا غير صحيح).

فلنترك جانبا ما جاء في هذا الاقتباس من أن (جميع) فروع علم النفس تجريبية (وهو رأي قد لا يوافق عليه جميع المشتغلين بعلم النفس)، ولنحاول أن نستخلص دلالة النص في مجموعه. إنه (يبرئ) الدراسات الإنسانية من تهمة (التأملية)، وهذا ينطوي على حكم ضمني هو: إذا أصرت بعض الدراسات الإنسانية على أن تظل تأملية، فهي تستحق مصيرها وهي غير جديرة بأن يعطف عليها أحد.

وبعبارة أخرى، فإن جواز المرور إلى الجنة بالنسبة إلى أية دراسة إنسانية، هو أن تكون قادرة على اتخاذ المنهج العلمي، أما إذا عجزت عن ذلك، فمآلها إلى جهنم وبئس المصير. ولكن، أليس في هذا تسليم ضمني بموقف خصوم الدراسات الإنسانية؟. إن هؤلاء الأخيرين يرون أن العلم، أو بعبارة أخرى الدراسات التي تستطيع اتخاذ المنهج العلمي، هو وحده الجدير برعاية الدولة. وها هو ذا المؤلف يوافق على رأيهم هذا موافقة ضمنية، ولكن مع تحفظ واحد: هو أن المنهج العلمي قابل للتطبيق على بعض فروع الدراسات الإنسانية بدورها. وبعبارة أخرى فالمبدأ العام الذي يرتكز عليه خصوم الدراسات الإنسانية هو ذاته الذي يرتكز عليه المؤلف، وهو أنه لا شيء جدير بالاهتمام والرعاية سوى العلم وسوى الدراسات التي تطبق المنهج العلمي، وكل الخلاف بين هؤلاء الخصوم ينحصر في المدى الذي ينطبق عليه لفظ (العلم)، وهل هو الطبيعة وحدها، أم الطبيعة وبعض جوانب الإنسان أيضا. فالمسألة كلها مسألة تضييق أو توسيع لمعنى العلم، أما مبدأ قصر اهتمام الدولة على العلم وحده فلا خلاف عليه.

والآن، لعل قارئا يسألني: وما الضرر في هذا؟. فيم اعتراضك على أن تكون الدراسات الإنسانية علما؟. أليس هذا أفضل من التخبط الذي أوقعتها فيه الأساليب والطرق التأملية؟. وردي على هذا الاعتراض، هو أنني أول من يرحب بدخول أكبر قدر من الدراسات في حظيرة المنهج العلمي. ولكن المشكلة هي أن هناك بالفعل دراسات إنسانية هامة، بل عظيمة الأهمية، لا تستطيع ذلك، ولا يمكنها أن تأمل في المستقبل القريب (ولا في المستقبل البعيد، حسب رأي الكثيرين) في أن تصبح علمية، فماذا نحن بها فاعلون؟. هذا ما  يجيبنا عنه الكتاب.

ولعل الاعتراض الذي أثيره يكتسب مزيدا من القوة إذا أدركنا أن القضية الحقيقية للدراسات الإنسانية، في نظر الكثيرين، إنما هي بعينها قضية تلك الدراسات التي لا تستطيع بطبيعتها أن تكون علوما، أما تلك التي تقترب_ أو تحاول أن تقترب- من المنهج العلمي فأمرها هين. إن المشكلة الكبرى التي تواجهها الإنسانيات في عالمنا الراهن، هي البحث عن مكان للآداب، وللفلسفة، وللدراسات التأملية في عالم يحرز فيه العلم انتصارات ساحقة. هذه هي القضية الكبرى التي تشغل بالفعل بال الحريصين على الدراسات الإنسانية- وهي القضية التي لم يتعرض لها الكتاب أصلا، وحين يجد المرء في الكتاب دعوة إلى إزالة التفرقة بين الشعبتين العلمية والأدبية في التعليم الثانوي، على أساس أن (هذه الثنائية كانت معاصرة لمستوى المعرفة حتى أواخر القرن التاسع عشر، أما الآن فقد أصبحت متخلفة تماما من أن تقدم المعارف في العصر الحديث، بل وأصبحت معوقة للنمو العقلي السليم لشبابنا، لأن امتدادات المنهج العلمي التجريبي إلى معظم الدراسات الإنسانية حطمت الحاجز الذي كان قائما بين الشعبتين). حين يجد المرء في الكتاب دعوة كهذه قائمة على أساس مثل هذا التبرير، فلا مفر من أن يتملكه شعور بالخوف من أن تكون القضية الحقيقية التي أشرنا إليها ضئيلة الشأن في نظر المؤلف الذي ينكر أحقية الآداب البحتة في أن تقف إلى جانب العلوم، وذلك حتى لا تكون هناك ثنائية (معوقة للنمو العقلي) السليم لشبابنا.

إن كثيرا من العلوم الإنسانية كانت حتى عهد قريب علوما تأملية في الأغلب، وحين طبقت في بعضها المناهج التجريبية، وأحرزت في أحيان غير قليلة نجاحا ملحوظا، حدث على ما يبدو نوع من التطرف في الاتجاه المضاد، أعني اتجاه التبرؤ من الأصلي التأملي. والمسألة هنا أشبه ما تكون بتلك الظاهرة المألوفة في ميدان الدراسات الاجتماعية: حين تجد أشد الناس تأكيدا للفوارق بين الطبقات العليا والدنيا، هم أولئك الذين خرجوا حديثا من صفوف الطبقات الدنيا وانضموا إلى الطبقات العليا. وأخشى أن أقول إن التبرؤ المتطرف من تهمة (التأملية) عند أنصار العلوم التجريبية هو شيء من هذا القبيل. ومما يؤيد حدسي في هذا الشأن أن كثيرا من المشتغلين بالعلوم الطبيعية ذاتها يبدون- على عكس المتوقع- اهتماما كبيرا بالدراسات الإنسانية (التأملية)، ويدعون إلى رعايتها وإلى إحداث توازن بينها وبين العلوم الطبيعية، تماما كما نجد أفراد الطبقات العليا العريقين (في المثال السابق) أقل حرصا على تأكيد الفوارق الطبقية من أولئك الذين ارتقوا إليها حديثا.

وإني لأتساءل: هب أن المسؤولين عن وضع السياسة العلمية العليا في بلادنا قد قرأوا هذا الكتاب، وتأثروا بحججه، وأخذوا يطبقونها فعلا فاهتموا بالدراسات الإنسانية التي أقنعهتم بأنها علمية فعلا، ثم ألقوا بالباقي الذي لم يستطع أن يثبت علميته (كما فعل هيوم مع القضايا التي لم يمكن تحقيقها تجريبيا) في النار، فأي رد يمكن أن يوجه إليهم، في حدود الموقف الذي اتخذه الكتاب؟. أيستطيع أحد أن يمنعهم من أن يقولوا إن ما فعلوه لم يكن إلا تلبية لدعوة هذا الكتاب؟.

ولو نظرنا إلى الأمر من الناحية التطبيقية، لوجدنا أن كل المزايا التطبيقية التي يوردها الكتاب للعلوم الإنسانية إنما هي في واقع الأمر فوائد تقدمها العلوم الإنسانية بوصفها (خادمة) للتكنولوجيا (انظر الفصل الثاني كله). ومن المؤكد أن التسمية التي ترددت طوال صفحات الكتاب، أعني تسمية العلوم الإنسانية، باسم (التكنولوجيا البشرية)، لها في هذا الصدد دلالة بالغة.

ومرة أخرى أقول إن مثل هذا الموقف ينطوي ضمنا على التسليم برأي خصوم الدراسات الإنسانية، وهو أن التكنولوجيا هي وحدها الجديرة بالعناية، وكل ما في الأمر أن الكتاب يريد أن ينبه إلى أن معنى التكنولوجيا يجب أن يتسع بحيث يشمل تطبيقات العلوم الإنسانية بدورها، لا تطبيقات العلوم الطبيعية وحدها.

وهنا أعود إلى التساؤل: هل تنحصر رسالة الدراسات الإنسانية حقا في أن تخدم التكنولوجيا وتعمل على زيادة فعاليتها وكفاءتها؟. أليس من واجبنا- أيضا- أن نهتم بالدراسات الإنسانية من حيث هي قوة تقف في مقابل التكنولوجيا وتكبح جماحها، وتحقق في الإنسان توازنا بين الجانب المادي والجانب المعنوي في حياته؟.

إن القضية الكبرى للعلوم الإنسانية في عالم اليوم لا تنحصر في كونها قد أصبحت علوما أم لم تصبح، بل في الوظيفة التي تستطيع أن تقوم بها في عالم متخم بالعلم والتكنولوجيا. وهناك كثيرون يطالبون بالمحافظة على توازن الإنسان عن طريق إبداء مزيد من الاهتمام بالشعر، والأدب، والفلسفة، والدراسات (التأملية) التي لا يمكن أن تصبح علوما، ولا تطمع في ذلك. هؤلاء لا ينكرون أن الإنسان يمكن أن يدرس في فروع معنية دراسة علمية، ولكنهم في الوقت ذاته يؤكدون أن الإنسانية في حاجة إلى الاحتفاظ بتلك الفروع الأدبية والفنية التي لا تكتمل الإنسانية إلا بها. والمشكلة في نظرهم هي في كيفية الحفاظ على هذه المعارف الإنسانية (التأملية) إزاء طوفان الروح العلمية التجريبية الجارف.

مجمل القول إنني أعترف بالقضية الرئيسية التي أثارها المؤلف اعترافا كاملا، وأسلم بحججه المقنعة التي أراد فيها أن يكون للدراسات الإنسانية مزيد من اهتمام مجتمعنا، ولكني أعتقد أن للمشكلة وجها آخر، لا يقل عن ذلك أهمية، لم يتعرض له ذلك الكتاب الذي دافع بصدق وإخلاص عن العلوم الإنسانية، ولكنه- للأسف- تذكر أنها (علوم) أكثر مما تذكر أنها (إنسانية).

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق