أبحاث ودراسات

جمال عبد الناصر وقضية الصلح

| د. عبد العظيم أنيس

عندما طلب مني رئيس التحرير أن أكتب شيئا عن ثورة يوليو/تموز، ترك لي أن أختار الزاوية التي أتناول منها هذه الثورة. وبعد تفكير، استقر رأيي أن أتناول على وجه التحديد مسألة الجهود التي بذلت من الغرب لدفع عبد الناصر إلى الصلح مع إسرائيل خصوصا في السنوات الأولى للثورة، وقد استمرت هذه الجهود إلى وقت زيارة وزير الخزانة الأمريكي- أندرسون- إلى القاهرة في ديسمبر/كانون الأول سنة 1955، الذي جاء يعرض على مصر مقايضة السد العالي بالصلح مع إسرائيل.

وسبب اهتمامي بهذا الجانب اليوم، ينقسم إلى شقين: الشق الأول هو أن هذه القضية حية اليوم في ضوء المفاوضات والعثرات بين العرب وإسرائيل في واشنطن، ووصول جولات المفاوضات في هذا المضمار إلى عشر جولات.

أما الشق الثاني، فهو تاريخي في حقيقة الأمر، فهذا الجانب- ثورة يوليو/تموز وقضية الصلح- لا يعرف عنه غالبية الناس شيئا، وقلما تجد بين المثقفين من اهتم ببحث هذه القضية. وهناك عدد من الكتب التي تناولت في السنوات الأخيرة هذه القضية وفي مقدمتها كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، خصوصا كتاب (ملفات السويس)، بالإضافة إلى بعض الكتب الأمريكية ومنها الكتاب القديم (لعبة الأمم) لمؤلفه ضابط المخابرات السابق مايلز كوبلان. إلا أن مثل هذه الكتب والوثائق المصاحبة لبعضها (كتب هيكل على وجه الخصوص) غير متيسرة لغالبية الناس، وقد يكون من المفيد التعرض للموضوع في مقال واحد.

قبل وقوع ثورة يوليو/تموز- ووفقا لرواية كوبلاند- عاد كيرميت روزفلت (مسؤول المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط) إلى واشنطن بعد زيارة للقاهرة، وقدم لوزير الخارجية الأمريكي تقريرا عن الأوضاع في مصر، ملخصه ما يأتي: إن الثورة الشعبية المتوقعة في دوائر الخارجية والتي يسعى إليها الشيوعيون والإخوان، ليست مطروحة، وأنه لا توجد طريقة لإبعاد الجيش عن التحرك، وأن الضباط الذين يرجح أنه يقودوا الانقلاب على نظام فاروق لهم دوافع سياسية، وأن على الولايات المتحدة أن تقبل إزاحة الملك فاروق، وربما نهاية الملكية، وأنه إذا كان لا مفر من عدو لا يخاف من هذا الانقلاب، فهي الطبقات العليا في مصر والإنكليز وليس إسرائيل.

أمريكا ومساعٍ للصلح مع إسرائيل

وكان هذا التقرير هو أول إشارة في التقرير الأمريكي إلى أن الثورة قد لا تكون معادية تماما لإسرائيل. وبعد الثورة وبالتحديد في سبتمبر/أيلول سنة 1952، أعدت- وفق رواية هيكل في (ملفات السويس)– مذكرة (تقدير موقف) في الخارجية الأمريكية تتضمن تأكيد أهمية تأييد النظام ماديا ومعنويا بهدف تحقيق أهداف الغرب وخصوصا الصلح مع إسرائيل، وتشير المذكرة إلى أهمية أن يصدر النظام تصريحا علنيا في وقت ما يعلن فيه نواياه غير العدوانية تجاه إسرائيل.

ولسنا نعلم شيئا عن الأسس التي جعلت رجال المخابرات الأمريكية يتوقعون أن يكون موقف ثورة يوليو/تموز (مرنا) في قضية الصلح. فربما يكون قد جرى نقاش بين هؤلاء وبين الضباط الأحرار، وخرجوا بهذا الانطباع من النقاش. ومن المؤكد أن هذا الموقف كان موجودا في أوساط عدد من الضباط الأحرار، فأنا مثلا أتذكر خطابا غريبا لصلاح سالم في المحلة عام 1953، تحدث فيه عن الصلح مع إسرائيل بشكل صريح، وكان محل اندهاش العديد من المثقفين.

وفي أول زيارة لكيرميت روزفلت بعد الثورة في أكتوبر/تشرين الأول 1952، وفي حفل العشاء الذي أقيم في منزل الوزير المفوض الأمريكي، وحضره عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وعبد المنعم أمين، أثير موضوع الصلح مع إسرائيل من جديد. ثم جاءت زيارة ريتشارد كروسمان النائب العمالي والوزير البريطاني السابق، في ديسمبر/كانون الأول سنة 1952، وكان هدف الزيارة الصريح سؤال عبد الناصر: (ماذا تنوي أن تفعل مع إسرائيل؟). وهو نفس السؤال الذي وجهه أينشتين لهيكل عندما قابله في بريستون بعد ذلك بسنوات.

ولم تكن زيارة كروسمان مجرد مبادرة شخصية, فالثابت أنه طار بعد مقابلة عبد الناصر إلى (تل أبيب) وقابل بن غوريون، ثم عاد إلى القاهرة بعد أسبوع يطلب مقابلة عبد الناصر مرة ثانية، وعندما تم اللقاء عرض عليه اقتراحا إسرائيليا باجتماع مشترك للاثنين في أي مكان في العالم سرا أو علنا.

وفي كل عمليات (جس النبض) هذه للنظام الجديد، كان خط دفاع عبد الناصر هو أن موضوع إسرائيل لا يقع في سلم أولوياته، وأن هذه القضية على أي حال تخص الدول العربية مجتمعة لا مصر وحدها، وبالتالي لا تستطيع مصر أن تبت فيها وحدها. أما سلم أولويات الثورة فهو جلاء الإنكليز والتنمية. وقد ظل هذا هو موقف عبد الناصر حتى بدأت مرحلة المفاوضات مع بريطانيا للجلاء عبر قناة السويس. ويذكر هيكل في كتاب (ملفات السويس) أنه عندما بدأت هذه المفاوضات أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي- موسى شاريت- مبادرات مستقلة مع رسل كثيرين باقتراح لقاء مفاوضات مباشرة. وكان رد عبد الناصر على هؤلاء الرسل هو أن موضوع إسرائيل مؤجل بالنسبة له، وأن مشكلة فلسطين هي مشكلة جماعية عربية.

ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي دالاس لمصر في مايو/أيار سنة 1953، وكان دالاس قد قابل السفير الإسرائيلي في واشنطن أبا إيبان، قبل سفره إلى القاهرة واعترف له في هذا اللقاء أن خبراء الخارجية نصحوه بعدم فتح موضوع الصلح مع إسرائيل في زيارته الأولى لمصر، فرد أبا إيبان قائلا: (إنها نصيحة تفوح منها رائحة البترول).

لكن دالاس لم يأخذ بوجهة نظر خبرائه وأثار موضوع الصلح على مائدة العشاء في منزل السفير كافري- وكان عبد الناصر وعامر من حضور هذا العشاء- بإلحاح، وقال إن السلام مع إسرائيل هو من طبيعة الأمور، وأن الإسرائيليين ساميون مثل العرب وأولاد عمومتهم، وأن الخطر الحقيقي هو الشيوعية وليس إسرائيل. ووفق رواية هيكل، اضطر عبد الناصر إلى الرد على بعض هذه الادعاءات مفندا، وعندما سأله دالاس: (هل يعني هذا الرد استحالة السلام مع إسرائيل)، لجأ عبد الناصر إلى رده التقليدي وهو أن إسرائيل ليست شاغله اليوم!.

إسرائيل ضد جلاء بريطانيا

وعندما بدأت مفاوضات الجلاء مع الإنكليز، كان عبد الناصر يدرك أن إسرائيل ستكون في مقدمة المعارضين لجلاء القوات البريطانية عن القناة، لذا حاول عبد الناصر تطمين إسرائيل بأنه عند جلاء الإنكليز يمكن حل مشكلة الصلح بينها وبين العرب. ويحكي خالد محيي الدين في كتاب (شهود ثورة يوليو)، أنه خلال إقامته في الخارج بعد أزمة مارس/آذار سنة 1954، علم أن هناك اتصالات سرية مع إسرائيل يقوم بها عبد الرحمن صادق- الملحق الصحفي بسفارتنا في باريس- بهذا الهدف، وحتى لا تتأخر مفاوضات الجلاء.

لكن إسرائيل كانت لا تريد تنفيذ اتفاقية جلاء بريطانيا عن مصر من دون اتفاق صلح مع إسرائيل، وعندما وقعت اتفاقية الجلاء في 27 يوليو/تموز سنة 1954، كانت إسرائيل قد بدأت تفقد الأمل في أن ينحاز عبد الناصر إلى صف التفاهم والصلح مع إسرائيل، وثبت لها خطأ تقديرات المخابرات الأمريكية في هذا الصدد، ومن هنا بدأت تحرك عملاءها في القاهرة والإسكندرية في عمليات تخريب واسعة النطاق بالقنابل بأمل إضعاف مركز النظام في مصر وإثبات عجزه، وهو الأمر الذي عرف بعد ذلك بـ(فضيحة لافون) بعد أن قبضت السلطات المصرية على الفاعلين وقدمتهم للمحاكمة. ولقد كان الهدف الأساسي من عمليات التخريب هذه الإساءة إلى اتفاقية الجلاء وإلى العلاقات المصرية الأمريكية. وفي فبراير/شباط سنة 1955، بدأت عمليات الاستفزاز ضد الجيش المصري في قطاع غزة بالغارة الإسرائيلية الأولى التي قتل فيها العشرات من الجنود والضباط المصريين، وكان الهدف من هذه العملية إثبات عجز النظام محليا وعربيا خصوصا أن الغرب قد رفض أن يعطى عبد الناصر السلاح الذي كان قد طلبه لتسليح الجيش.

ولقد كانت هذه الأعمال الاستفزازية من جانب إسرائيل تعني أن إسرائيل بعد أن فقدت الأمل من التفاهم مع عبد الناصر، قد قررت أن تلجأ إلى استفزازه. لكن لم يكن هذا هو موقف الجانب الأمريكي بالدقة حتى مع بداية طريق باندونغ، فعندما كان عبد الناصر على وشك الإعلان عن صفقة الأسلحة التشيكية، حاول كيرميت روزفلت إقناع عبد الناصر أن يتضمن إعلانه فقرة تستهدف تطمين إسرائيل على أمنها.

ثم جاءت زيارة وزير الخزانة الأمريكي- أندرسون- في ديسمبر/كانون الأول سنة 1955، بعد صفقة الأسلحة التشيكية، وجرت آخر محاولة لمحاصرة قيادة الثورة في موضوع الصلح مع إسرائيل. فقد بدأ أندرسون أول اجتماع له مع عبد الناصر بسؤاله عن فرص السلام مع إسرائيل. وكان عبد الناصر قد بدأ يتخلى عن خط دفاعه القديم في المسألة الإسرائيلية عندما كان يقول إنها ليست من أولى أولوياته وأنها مشكلة عربية وليست مصرية. لقد تخلى عبد الناصر عن هذا القول لأنه لم يعد مقنعا، فاستبدله بخط دفاع ثان بمناسبة الأزمة التي أثارها اقتراح اشتراك إسرائيل في مؤتمر باندونغ، باعتبارها دولة آسيوية. لقد كان هذا هو رأي (أونو) رئيس بورما إحدى الدول الخمس التي وجهت الدعوة إلى المؤتمر. وأرسل عبد الناصر رسالة إلى (أونو) يقول فيها لأول مرة إن العرب على استعداد لقبول مشروع الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، فإذا قبلته إسرائيل، فإن الطريق يكون ممهدا لاشتراكنا في باندونغ. وبالطبع لم تقبل إسرائيل المشروع ولم تشترك في باندونغ.

عبد الناصر ورفض المفاوضات

وألان نعود إلى زيارة أندرسون وسؤاله لعبد الناصر الذي أعاد موقفه الذي اتخذه في باندونغ، وهو قبول مشروع التقسيم. وطار أندرسون إلى تل أبيب للتداول مع بن غوريون، وعاد مرة أخرى بعد أسبوع يحمل اقتراح بن غوريون بمفاوضات مباشرة في أي مكان علنا أو سرا، ورفض عبد الناصر.

ثم سافر أندرسون إلى واشنطن لقضاء عطلة عيد الميلاد مع أسرته وللتشاور مع حكومته، ثم عاد إلى القاهرة يحمل معه اقتراحا أمريكيا مؤداه أن واشنطن مستعدة أن تتقدم إلى الطرفين المصري والإسرائيلي بمشروعات حلول تفصيلية يوقعها الطرفان من دون لقاء بينهما، ثم تتاح فرصة اللقاء بعد التوقيع. وحمل أندرسون معه إلى القاهرة ملفا يحتوي على ثلاثة مشروعات رسائل: إحداها موجه من عبد الناصر إلى إيزنهاور، والأخرى تتضمن مبادئ التسوية مع إسرائيل كما تراها مصر، والثالثة موجهة من عبد الناصر إلى البنك الدولي يوافق فيها على إشراف البنك على موارد مصر المالية وأوجه صرفها خلال سنوات تنفيذ مشروع السد.

وبعد مداولات متصلة، انهارت المفاوضات التي عرفت تاريخيا باسم (مقايضة السد العالي بالصلح مع إسرائيل)، ورفض عبد الناصر الصفقة وشروطها، وسافر أندرسون غاضبا واستعد دالاس لإعلان رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالي على نحو ما هو معروف.

يحكي هيكل في كتاب (ملفات السويس) أنه قد عقد اجتماع في المخابرات الأمريكية حضره جيمس إنجلتون وكيرميت روزفلت وفرانسيس راسل وريمون هير في أوائل 1956، لمناقشة الموقف من عبد الناصر بعد باندونغ وصفقة الأسلحة التشيكية ورفضه مقايضة السد العالي بالصلح مع إسرائيل. وفي هذا الاجتماع اقترح إنجلتون إطلاق إسرائيل ضد مصر. لكن روزفلت قال في الاجتماع: (إن أسلوب الانقلاب على عبد الناصر لا يصلح في مصر، وأنه ليست هناك وسيلة للخلاص منه إلا إذا تقرر اغتياله).

ولقد حاولت المخابرات البريطانية تدبير هذا الاغتيال بعد هذا الاجتماع، وعندما فشل هذا التدبير بدأ الاستعداد للعدوان الثلاثي. لكن تلك قصة أخرى.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى