مقالات

حين أصبح (رابين) عاطلاً عن العمل

| د.بارعة القدسي

 

(1)

أجاز لي مؤلف كتاب (السياسة المسلحة) أن أستعير من كتابه بعضا مما نشره في جزء من أجزاء الكتاب. وهذا الذي أستعيره هو أن (شمعون بيريز) في دراسته التي تحمل هذا العنوان: (يوم قريب ويوم بعيد)، يكتب في معرض محاولته إظهار إسرائيل بمظهر الباحث عن السلام الذي لا يريده العرب، وفي معرض حديثه عن الطريقة التي يمكن بها تحرير جمال عبد الناصر من الخوف والتوجس الذي يشعر به تجاه إسرائيل، وكان ذلك قبل حرب حزيران بأسابيع معدودة: (يجب علينا أن نعيش من دون حرب في السنوات العشر المقبلة. فالحرب مجازفة قد تعرض أية حضارة إلى الدمار. ولقد عانى اليهود الذي يسكنون إسرائيل كثيرا من ويلات الدمار والحروب، وهم لن يجدوا فائدة في أية مجابهة عسكرية، مهما كان أمرها).

 

(2)

هل يمكن النظر إلى هذا النص باعتباره يشكل نموذجا للصوت الإسرائيلي في حديثه إلى العالم الخارجي؟. ربما كان ذلك صحيحا إلى حد كبير. ففي الوقت الذي كان (بيريز) يشارك في التخطيط للحرب المقبلة مع العرب، وكانت في ذلك الوقت حرب عام 1967، باعتباره أحد القادة البارزين في الحياة السياسية الإسرائيلية، وصديق (بن غوريون) و(موشي دايان) المخلص، كان يعلن على صفحات مجلة (الأزمنة الحديثة) الفرنسية عن رغبة إسرائيل في السلام، وعن خطر الدمار الذي تؤدي إليه الحروب.

 

(3)

إسرائيل، كما يكتب (بيريز)، لا تسعى إلى التوسع، والدليل هو أن الذين زاروا الكنيست الإسرائيلي في القدس لم يجدوا أية خريطة تعين الأراضي التي تنوي إسرائيل احتلالها، أي أنهم لم يجدوا خريطة ما يسمى بإسرائيل الكبرى، ومع ذلك فإن قادة إسرائيل يتحدثون عن أن الحدود الآمنة لإسرائيل هي حيث يصل الجيش الإسرائيلي.

خريطة إسرائيل الكبرى، كما يكتب (بيريز)، ليست أكثر من خرافة عربية لها أثر أقوى من أثر الواقع نفسه، وتغيير الوقائع أسهل بكثير من إزالة الخرافات، ومع ذلك فإن (موشي دايان) يعلن، من دون مواربة: (إن جيلنا هو الذي صنع إسرائيل عام 1948، وجيلكم هو الذي صنع إسرائيل عام 1967، والجيل القادم سوف يصنع إسرائيل الكبرى). فأي شيء هي إسرائيل الكبرى إن لم تكن الخريطة التي تعين الأراضي العربية التي تنوي إسرائيل احتلالها؟.

 

(4)

مثال فريد في التضليل السياسي، ونموذج نادر في تزييف الوقائع التاريخية. الولايات المتحدة خذلت إسرائيل وتركتها معرضة للدمار؟. ومع ذلك فإن الجياد المعصوبة العيون والمفتونة بالدوران حول نفسها تريد أن تصدق.

أليس كافيا أن (إسحق رابين) وقف ذات يوم ليعلن أنه أصبح عاطلا عن العمل بعد أن عمدت الولايات المتحدة إلى تلبية كل ما طلبته إسرائيل منها؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى