مقالات

راعي بقر أمريكي قادم من (تكساس)

| صفوان قدسي

(1)

كان (جون فوستر  دالاس)، يحلم بعالم تكون فيه للولايات المتحدة السيادة المطلقة. وهو لهذا السبب، كان يريد أن يقف بالعالم أمام حافة الهاوية بحيث يمنع الاتحاد السوفييتي من أن يلعب دورا أكثر فاعلية في السياسة الدولية وفي تقرير مصير العالم. وكان (دالاس) الذي يُعَدُّ المهندس الأول لسياسة حافة الهاوية، يطمح إلى أن تنفرد الولايات المتحدة في رسم خريطة العالم. ولعل كتابه الذائع الصيت (حرب أم سلام؟) يفصح عن الكثير في هذا المضمار.

وكان (دالاس) بهذه السياسة يلخص مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين كان العالم يمر بطور بالغ الخطورة، وهو طور الانتقال من عصر الأسلحة التقليدية، إلى عصر الأسلحة ذات الدمار الشامل.

 

(2)

في ذلك الوقت، لم يكن ميزان الرعب النووي قد بدأ في ممارسة تأثيره الهائل على علاقات القوى الكبرى في عالمنا المعاصر. وكان الحديث عن إمكانية قيام حرب تقليدية، أقرب ما يكون إلى الحديث عن مسألة قابلة للتحقيق. ولم يكتشف (دالاس) حقيقة أن العالم قد انتقل بالفعل من عصر إلى آخر، إلا بعد حرب السويس وما نجم عنها من إنذار سوفيتي بأن الصواريخ التي تحمل الرؤوس النووية يمكن، خلال دقائق، أن تصل إلى لندن وباريس.

وكان معنى هذا الاكتشاف هو أن عصر السيادة المطلقة قد انتهى، وأن العالم أصبح محكوما بموازين بالغة الدقة والحساسية، وأن الحلم الأمريكي القديم بقيام عالم تكون فيه للولايات المتحدة السيادة المطلقة، قد تلاشى تماما.

 

(3)

وبالفعل، فإن الولايات المتحدة استوعبت الدرس جيدا. وكان (جون كينيدي) يمثل البدايات الأولى لمرحلة استيعاب الدرس بشكل جيد. وعلى الرغم من أن (كينيدي) هو الذي أوصل العالم مرة أخرى إلى حافة الهاوية خلال أزمة كوبا الشهيرة عام 1961، وعلى الرغم من أنه هو الذي تحمل مسؤولية العملية العسكرية التي عرفت فيما بعد باسم معركة خليج الخنازير، نسبة إلى الخليج الذي نزلت فيه قوات الغزو بهدف إسقاط (كاسترو)، فإن ذلك كله كان يجري وفق حسابات ميزان الرعب النووي البالغة الدقة والحساسية.

وحين سقط (جون كينيدي) برصاصة مجهولة في أحد شوارع مدينة (دالاس)، كانت السياسة الأمريكية قد استوعبت معنى استحالة الحرب الشاملة في عصر التوازن النووي. وعلى الرغم من أن (جونسون) كان أشبه ما يكون براعي بقر أمريكي قادم من (تكساس) يحمل مسدسين جاهزين للاستعمال عند أية لحظة، فإن (جونسون) نفسه كان أسيرا للحقائق الجديدة التي فرضت نفسها على عالمنا.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى