أبحاث ودراسات

ماركيوز والصراع العربي الإسرائيلي

| د. فؤاد زكريا

لو كانت هناك مشكلة يصعب الانتهاء فيها إلى رأي قاطع في صدد فكر هربرت ماركيوز السياسي والإيديولوجي، لكانت تلك مشكلة تحديد انتمائه. فهو قد بذل كل ما في وسعه من جهد لكي يقنع العالم- الذي أصغى إليه بانتباه شديد في السنوات الأخيرة- بأنه خارج عن جميع التيارات التي تتصارع في عالمنا المعاصر. وعلى الرغم من أن السلب، أو الرفض، كان هو القوة الدافعة له في تحديه للأنظمة القائمة، فإن خروجه عن هذه الأنظمة لم يكن (سلبيا) على الإطلاق. أعني أنه لم يكن من تلك الفئة من المفكرين الذين يرفضون كل ما هو موجود بدافع اليأس أو التشاؤم أو السأم أو عدم الاكتراث، ويتخذون من صراعات العالم موقف المتفرج الساخر أو الحكيم المتعالي. فالسلب عنده لم يكن تباعدا أو رفضا لتحمل المسؤولية، ولم يكن انعزالا أو عزوفا، وإنما كان في صميمه روحا نقدية. والفرق واضح بين السلب المتعالي أو غير المكترث، وبين السلب النقدي. إذ أن الأخير يفترض اندماجا كاملا فيما ينقده، ومعايشة تامة له، مع رفض للأسس التي يرتكز عليها. أما الأول فقد يتم من دون معاناة حقيقية، لأنه لم يعايش ولم يندمج.

وهكذا رفض ماركيوز طريقة الحياة الرأسمالية والتطبيقات الاشتراكية في بلاد الكتلة الشرقية. وجمع بين الاثنين معا تحت فئة واحدة، أطلق عليها اسم (المجتمع الصناعي المتقدم). وكان جهده الأكبر منصبا على كشف نواحي التقارب بين النظامين فيما يشبه (في رأيه) أن يكون مؤامرة منهما معا على حرية الإنسان الحديث. على أن هذا الهجوم المزدوج يمكن أن يكون في الوقت ذاته دفاعا مزدوجا، فالنقد الموجه إلى النظم الاشتراكية يرضي الولايات المتحدة، ويسدي إليها خدمة جليلة، والنقد الموجه إلى البلاد الرأسمالية يتلاقى مع وجهات نظر المعسكر المعادي لها. ومن هنا كان أقصى ما يمكن أن يوصف به موقف الطرفين من ماركيوز هو أنه موقف عدم الارتياح، ولكنه ليس موقف التحريم أو الخصومة الشديدة، فهو ينقد كل طرف ويخدمه في آن واحد، ولذلك كانت كلماته مسموعة، ومقبولة، هنا وهناك.

وربما كان هذا، من الوجهة العملية، موقفا شديد الذكاء، لأنه يضفي على صاحبه صفة العالمية وصفة الموضوعية، ويضمن له في الوقت ذاته شهرة في جميع أرجاء العالم، ما دام كل نظام يجد لديه ما يرضيه، ويستخدمه في الهجوم على خصمه، ويمكنه- من ناحية أخرى- أن يتجاهل العناصر المضادة له في كتاباته. ولكن هذا الذكاء العملي يشكل صعوبة شديدة بالنسبة إلى شارحي فكر ماركيوز، ذلك لأنه يجعل مسألة انتمائه الفكري غير قابلة للحل. وعدم الانتماء هذا قد يكون ناجما عن اتجاهه إلى تكوين رأي في الحضارة الإنسانية لا يجد صدى له في كل الإيديولوجيات الموجودة. ولكن الأرجح في نظري أنه يرجع إلى رغبته في أن يظل غامضا، محيرا، يغضب الجميع ويرضي الجميع، فيكتسب بذلك نوعا من الأصالة فريدا غير مألوف، ويقبل عليه الكل لأنهم لا يمكنهم أن يجزموا إن كان معهم أم عليهم، وينحاز إليه الشباب بوجه خاص، لأن الشباب- في عالم تمزقه الحروب والصراعات الإيديولوجية- ينحاز بطبيعته إلى كل من يتجسد فيه نزوعه الخاص إلى عدم الانتماء.

*       *       *

هذا الغموض المتعمد، في المواقف السياسية والإيديولوجية، هو بعينه الأسلوب الذي يتبعه ماركيوز في تحديد موقفه من المشكلة اليهودية بوجه عام، ومن النزاع العربي الإسرائيلي بوجه خاص. فهو في هذه الحالة بدورها يتخذ لنفسه مظهر الموضوعية التي تكشف عن عيوب الطرفين معا، ويبدو في الظاهر كما لو كان يستهدف غايات تعلو على المصالح الضيقة لهذا الجانب أو ذاك، بحيث يصعب على القارئ العادي أن يحدد بوضوح الظرف الذي ينتمي إليه. ولكن قليلا من التروي كفيل بأن يكشف عن موقفه الحقيقي، الذي أستطيع أن أقول باطمئنان إنه كان منحازا لشعبه على حساب العرب، وعلى حساب الحقيقة.

لقد كان ماركيوز في اتجاهه العام يهوديا غير متعصب. ولكنه في الوقت ذاته لم يكن يهوديا متمردا، على غرار اسبينوزا أو ماركس. وكان قبوله أن يشتغل سنوات طويلة في جامعة برانديس Brandeis الأمريكية أمرا ذا دلالة، إذ أن هذه الجامعة يهودية صريحة، في تكوينها وفي اتجاهها الثقافي وفي أساتذتها وطلابها. وليس في هذا ما يعيب أستاذا يهوديا هاربا من الحكم النازي. ولكن اليهودي المتمرد لا يقبل أن يقوم بمهمة كهذه، فهو إذن كان متحررا لم يصل إلى درجة التمرد.

ولكن هذا التحرر كانت له حدود لا يتعداها، وكان من الطبيعي أن يضيق نطاقه في أحيان معينة، هي تلك التي يشعر فيها بأن هناك فرصة لتمجيد الشعب الذي ينتمي إليه، أو للدفاع عنه ضد خطر يهدده. على أنه في أغلب الحالات التي كان يتعاطف فيها مع شعبه كان يعبر عن رأيه تعبيرا غير مباشر، ينم عن تمجيد لا شعوري على الأقل لهذا الشعب.

فمن المعروف أن ماركيوز لا يؤمن بثورية الطبقة العاملة في البلاد الصناعية المتقدمة، لأن النظام السائد قد استوعب هذه الطبقة في داخله وربط مصالحها بمصالحه، بحيث تحول بها من طبقة ثورية بالقوة إلى طبقة محافظة أو مسايرة بالفعل. ولقد كان البديل الذي يكمن فيه أمل البشرية في التمرد على الأوضاع الجائرة السائدة، هو تلك الفئات الهامشية، المضطهدة، ذات الجنس الآخر واللون الآخر. تلك الفئات التي لا تندمج في المجتمع، لأنها مرفوضة أو منبوذة منه، هي في نظر ماركيوز صانعة التاريخ في مستقبل البشرية. وليس من الصعب أن يدرك القارئ تشابها واضحا بين أوصاف هذه الفئات الهامشية، وأوصاف الأقليات اليهودية في المجتمعات التي تعيش فيها. فهي بدورها (حسب الصورة المألوفة) خارجة عن المجتمع، تنتمي إلى (جنس آخر)، وهي مضطهدة، تعيش على الهامش. والأهم من ذلك أنها (غير مندمجة) بطبيعتها، بل إنها لا تسعى أصلا إلى الاندماج في مجتمعاتها. فهي في انغلاقها على نفسها، وفي انعزالها عن مجتمعها، تحقق الشرط الأساسي الذي يراه ماركيوز ضروريا لكل فئة قدر لها أن تصنع التاريخ، وتحقق المعجزة، وتخلص البشرية من اغترابها في العصر الحاضر.

لذلك أعتقد أن تأكيد ماركيوز للدور الذي تقوم به الأقليات المضطهدة في تحرير البشرية، ونظرته إليها بوصفها وريثة الروح الثورية، وأمل الإنسانية الوحيد ضد قوى الظلم والقمع، كان فيه تأثر ضمني بموقفه من حيث هو مفكر ينتمي إلى شعب يعد نفسه أقلية مضطهدة حيثما كان. والدليل على صحة هذا التفسير أن ماركيوز قد استخدم لفظ (الغيتو ghetto) للدلالة على هذه الفئات التي يرى أنها صانعة التاريخ، وهو لفظ معروف مشتق من التراث اليهودي بالذات. وإذا كان من الشائع لدى بعض الكتاب استخدام هذا اللفظ للتعبير عن الأقليات المضغوطة بوجه عام، فإن استخدام ماركيوز له يزيد من قوة الارتباط بين الفئة التي لا تقبل العيش في ظل استبداد المجتمع الصناعي المتقدم، وبين الطوائف اليهودية بالذات.

ومن المؤكد أن صورة اليهودي هي أول صورة تقفز إلى ذهن القارئ، وتبعث فيه إحساسا لا شعوريا بأن اليهود هم على الأقل فئة رئيسية من الفئات التي ستخلص البشرية من مظالم النظم السائدة، حين يقرأ السطور التي يصف فيها ماركيوز، قرب نهاية كتاب (الإنسان ذو البعد الواحد)، تلك الفئات الهامشية التي هي معقد الأمل في الثورة على استبداد المجتمع الصناعي. فيقول: (إنها قوة بدائية تخالف قواعد اللعبة، وهي إذ تفعل ذلك إنما تكشف زيف هذه اللعبة. وعندما يتجمعون، وعندما يسيرون في الطرقات بلا سلاح، وبلا حماية، مطالبين بأبسط الحقوق المدنية، يعلمون أنهم يعرضون أنفسهم للكلاب وللحجارة، وللقنابل، وللسجن، ولمعسكرات التعذيب، بل وللموت).

إن صورة مخلصي البشرية، عند ماركيوز، تحمل إذن ملامح يهودية واضحة. وأغلب الظن أن هذا التشابه كان لا شعوريا، مستمدا من تعاطفه مع الشعب الذي ينتمي إليه، وعجزه عن التحرر من تراثه الطائفي. ولكن آراء ماركيوز في هذا الموضوع لم تكن كلها تتخذ هذه الصبغة الضمنية غير المباشرة. ففي نص واحد على الأقل، عبر ماركيوز عن آرائه في قضية النزاع العربي الإسرائيلي تعبيرا صريحا، وكان ذلك في كتاب (نهاية اليوتوبيا La fin de L,utopie) (الترجمة الفرنسية ص128- 130). في هذا النص. في هذا النص، الذي يسجل حوارا طويلا دار بين ماركيوز وبين بعض زعماء الحركة الطلابية في بلاد متعددة، تحدث ماركيوز عن النزاع في الشرق الأوسط، وكان ذلك في سياق حديث أعم عن الرأسمالية المتقدمة والعالم الحديث. وكان زمن الحديث هو عام 1968.

وقد بدأ ماركيوز بالقول إن هذا النزاع قد أحدث انقساما بين قوى اليسار، ذلك لأن اليسار ظل ينحاز إلى صف إسرائيل (وهو أمر مفهوم تماما)، ولكن هذا اليسار- ولاسيما الماركسي منه- لا يستطيع من ناحية أخرى أن يتجاهل أن العالم العربي، في جزء منه، مندمج بالعالم المعادي للإمبريالية. وهكذا يحدث الفصام موضوعي لدى اليسار بين التضامن الذهني أو الفكري (مع العرب، بسبب عدائهم للإمبريالية) والتضامن العاطفي (مع إسرائيل).

ويقدم ماركيوز بعد ذلك رأيه في هذا الموضوع بوصفه رأيا شخصيا، وليس تحليلا موضوعيا للموقف. ومن المؤكد أن تأكيد وجود تعارض بين رأيه الشخصي وبين التحليل الموضوعي هو في ذاته أمر ذو دلالة واضحة. ولكنه على أية حال يقدم في هذا الصدد عرضا مسهبا لوجهة نظره في هذا الموضوع. ولما كان هذا العرض هو الموضع الوحيد الذي اهتدينا فيه إلى رأي صريح ومفصل لماركيوز في هذا الموضوع الحيوي، فقد آثرت أن أقدمه إلى القارئ العربي كاملا، لكي يتبين له كيف كان هذا المفكر المشهور ينظر إلى قضية نزاعنا مع إسرائيل في أعقاب حرب عام 1967.

(إنكم ستفهمون أنني أشعر بنفسي متضامنا مع إسرائيل لأسباب شخصية جدا، وهي في الوقت ذاته ليست شخصية فقط. فليس في استطاعتي، أنا الذي أعلنت مرارا أن العواطف والأفكار الأخلاقية والمشاعر تنتمي إلى السياسة، بل إلى العلم ذاته. ليس في استطاعتي إلا أن أرى في هذا التضامن أكثر من مجرد تحيز شخصي، فأنا لا أستطيع أن أنسى أن اليهود قد اضطهدوا وظلموا قرونا طويلة، وأن ستة ملايين منهم قد أبيدوا منذ عهد ليس بالبعيد. تلك حقيقة واقعة، فإذا ما اهتدى هؤلاء الناس آخر الأمر إلى مكان لا يخشون فيه اضطهادا ولا ظلما، فلست أملك إلا أن أتضامن مع هدف كهذا. وإني لسعيد بأن أكون في هذه النقطة متفقا مع سارتر، الذي قال: إن كان ثمة شيء ينبغي أن نمنع حدوثه بأي ثمن، فذلك هو حرب إبادة جديدة ضد إسرائيل. تلك هي المقدمة التي ينبغي البدء بها من أدل الإجابة عن السؤال الذي تطرحه إسرائيل، وهي مقدمة لا تلزمنا بالموافقة على كل أفعالها، كما أنها لا تلزمنا بتقديم تأييدنا إلى الظرف المضاد.

ولأشرح ما أعنيه، فأقول إن من الممكن النظر إلى إقامة دولة إسرائيل على أنه عمل ظالم، من حيث أن هذه الدولة أقيمت على أرض غريبة، وبفضل اتفاق دولي، من دون عمل حساب بالمعنى الصحيح للسكان الأصليين ولمستقبلهم. ولكن هذا الظلم لا يمكن إصلاحه بظلم آخر أفدح. فالدولة موجودة، ولا بد أن تتفاهم مع جيرانها المعادين لها: هذا هو الحل الوحيد.

وإني لأعترف بأن إسرائيل قد أضافت ظلما آخر إلى هذا الظلم الأول. فهي قد عاملت السكان العرب بطريقة أقل ما توصف به هو أن من الممكن الاعتراض عليها- وهو أخف الأوصاف- فسياستها تكشف عن سمات عنصرية وقومية كان ينبغي، وما زال ينبغي، أن نرفضها بوصفنا يهودا. فلا يصح أن يوافق المرء على أن يعامل العرب في إسرائيل بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، حتى لو كانت المساواة القانونية ممنوحة لهم.

وهناك ظلم ثالث (ولعلكم ترون أنني أجعل مهمتي أكثر مشقة) هو أن سياسة إسرائيل الخارجية، منذ إنشاء دولتها، كانت تساير السياسة الخارجية الأمريكية مسايرة تامة أكثر مما ينبغي. ففي الأمم المتحدة لم يحدث مرة واحدة أن اتخذ مندوب إسرائيل موقفا يؤيد معركة التحرر التي يخوضها العالم الثالث ضد الإمبريالية. وهذا ما أتاح التوحيد بين إسرائيل والإمبريالية، وبين العرب والعداء للإمبريالية.

وفي هذه الناحية بدورها، لا ينبغي أن ييسر المرء مهمته أكثر مما يجب. فالعالم العربي ليس وحدة. وإنكم لتعلمون، مثلي، أنه يتألف من دول ومجتمعات تقدمية ورجعية. فإذا ما تحدث المرء عن الدعم المقدم إلى الإمبريالية، كان في استطاعته أن يتساءل أيهما أنفع للإمبريالية: أصوات إسرائيل في الأمم المتحدة أم كميات البترول التي تقدمها هذه الدولة العربية أو تلك بلا انقطاع. وقد استؤنف تقديم هذه الكميات مرة أخرى. وثانيا ينبغي أن نتذكر أن إسرائيل قد اقترحت التفاوض مرات عديدة، ولكن ممثلي البلاد العربية رفضوا ذلك الاقتراح. وثالثا فهناك حقيقة واقعة هي أن ممثلين للعرب، ليسوا بأقلهم أهمية، قد أعلنوا صراحة أنه ينبغي أن تشن ضد إسرائيل حرب إبادة. هذه حقيقة واقعة (ومن المؤسف أن في الإمكان التيقن منها). في هذه الظروف، يستطيع المرء أن يفهم ويبرر حربا وقائية، كتلك الحرب التي شنت ضد مصر وسورية والأردن.

فما الذي ينبغي عمله من أجل وضع حد لهذه البؤرة المخيفة للنزاع؟. من المؤسف أن النزاع بين إسرائيل والدول العربية قد أصبح منذ وقت طويل نزاعا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وانتقل من المستوى المحلي إلى مستوى الدبلوماسية- الدبلوماسية العلنية والخفية- وإلى التنافس على تقديم الأسلحة إلى الطرفين المتنازعين. والمشكلة الكبرى الآن هي إرجاع هذا النزاع إلى حدوده الأصلية.

فمن واجبنا أن نفعل كل ما في وسعنا لكي يتلاقى ممثلون لإسرائيل وللعرب ويحاولوا حل مشكلاتهم بطريقة مشتركة- والحمدلله أن هذه المشكلات ليست هي مشكلات الدول الكبرى- والمثل الأعلى هو بالطبع أن تضع هذه المناقشات أسس تكوين جبهة مشتركة من إسرائيل وخصومها العرب ضد تدخل القوى الإمبريالية. ولو قامت هذه الجبهة لكانت شيئا ظهر في أوانه، ذلك لأن البلاد العربية بدورها في حاجة إلى ثورة اجتماعية: وهو أمر ينبغي ألا ننساه. بل إن هذه الثورة قد تكون أشد إلحاحا من تدمير إسرائيل).

هذا النص الهام يثير أسئلة كثيرة حول مدى تقدمية تفكير هربرت ماركيوز. فهو كعادته في جميع مواقفه ينقد الطرفين معا، ويدافع في الوقت ذاته عن جوانب معينة من سياستهما، ويتخذ بذلك أمام مستمعيه مظهر المفكر المحايد. ولكن ليس من الصعب أن يدرك القارئ من وراء هذا الحياد الظاهري اتجاها قويا إلى تأييد وجهة النظر الإسرائيلية. ولنذكر دائما أن الداعية الذكي ليس هو الذي ينحاز على طول الخط، بل هو ينقد أولا- ليكسب الثقة- ثم ينحاز في إطار من هذا النقد.

ومن الواضح أن ماركيوز لم يحاول أن يخفي انحيازه لإسرائيل بناء على أسباب وصفها بأنها (شخصية جدا، وهي في الوقت ذاته ليست شخصية فقط). أما الأسباب الشخصية فهي عقيدته وثقافته اليهودية (وهي عوامل لم تمنع مفكرين آخرين مثل رودانسون أو ليلنثال من مهاجمة هذه الدولة، بل ورفض فكرة إقامتها من حيث المبدأ). وأما الأسباب التي (ليست شخصية فقط) فهي أسباب عاطفية وأخلاقية، يردد فيها ماركيوز القصة القديمة، قصة الملايين الستة من اليهود الذين قضت عليهم النازية، وقصة الشعب المضطهد الذي (اهتدى) أخيرا إلى مكان آمن، ومن ثم فلا بد من التضامن معه.

ولسنا نود أن نضيف ردا جديدا على هذه الحجج البالية التي يستطيع أن يكشف خداعها كل من لديه أبسط إلمام بحقائق المشكلة. ولكن ما يهمنا في الأمر هو مستوى هذه الحجج ذاتها، والمبادئ التي ترتكز عليها. فمن الأمور التي تثير الدهشة حقا أن يلجأ مفكر (نقدي)، لم تخدعه المظاهر السائدة في أشد المجتمعات الصناعية تقدما، ونفذ بفكره إلى (الجوهر) فاهتدى فيه إلى الحقيقة من وراء القناع المزيف، إلى حجج سطحية واهية كهذه، لكي يتخذ منها نقطة البدء، والركيزة الأساسية في مناقشة قضية النزاع العربي الإسرائيلي. وليس لهذه الظاهرة من تعليل سوى أن التعاطف المفرط (الذي لا يفصله عن التعصب سوى فارق كمي) قد أسكت صوت العقل فيه لكي يعلي صوت العاطفة المجردة. وهذه بدورها حقيقة اعترف بها ماركيوز، وحاول أن يضعها في صيغة مبدأ عام، هو أن العوامل العاطفية والأخلاقية ينبغي أن يكون لها مكان في السياسة، بل في العلم ذاته.

وعلى الرغم من أن ماركيوز يعلن، في هذه الحالة، مبدأ يمكن أن توجه إليه اعتراضات لا حصر لها، فإنا نود فقط أن نشير إلى أن العواطف التي يجب أن يسمح لها بالتأثير في السياسة لا بد أن تكون مرتكزة أصلا على أساس عقلي. فالوضع السليم هو أن يقتنع العقل أولا، ثم تأتي العاطفة بعد ذلك لكي تضيف إلى حكم العقل طاقة تدعمه وتزيد من حماسة الإنسان له. أما ذلك النوع من العاطفة، الذي لا يكون الإنسان قد استمع فيه أولا إلى صوت العقل، فقد عانت منه البشرية ويلات كثيرة، يعرف ماركيوز ذاته واحدة من أشدها قسوة، وأعني بها تجربة الحكم النازي. وإنه لمن سخرية الأقدار حقا أن يقف ماركيوز، الذي طالما ندد باحتقار النازية للعقل، وأكد أن هذا الاحتقار ذاته هو الذي يفسر نزوعها العدواني إلى هدم كل القيم الإنسانية، لكي يدافع عن مبدأ العاطفة المجردة في السياسة، ناسيا أن العواطف نسبية، وأنها يمكن أن تبرر كل شيء، وأن العطف على اليهود المضطهدين حين يصل إلى حد تشريد شعب بأكمله من أجلهم لا يشكل ظلما إنسانيا صارخا فحسب، بل يشكل أيضا عدوانا صارخا على العقل. وحين يداري ماركيوز طابع المفارقة هذا بقوله: (إن الدولة موجودة، وأن الحل الوحيد هو أن تتفاهم مع جيرانها المعادين لها)، فإنه يزيد موقفه سوءا، إذ يتحدث بمنطق الأمر الواقع الخاضع للقوة الغاشمة، ويخلع عن نفسه- في هذه النقطة بالذات- رداء الفيلسوف، محب الحكمة والباحث عن الحقيقة.

ومن وراء مظهر الحياد الزائف، الذي يعدد فيه خطأ لهذا الطرف وخطأ لذاك، وميزة لهذا الطرف وأخرى لذاك، يحتشد تفكير ماركيوز في المشكلة بمغالطات مضللة، فيفترض أن الخدمة الوحيدة التي تؤديها إسرائيل للإمبريالية هو أنها تمنحها صوتها في الأمم المتحدة، وهو يعلم جيدا أن المسألة ليست مسألة صوت زائد ينحاز إلى صف الإمبريالية في هيئة دولية لا تملك حتى الآن قوة تنفيذية، وإنما هي تخدم الإمبريالية عن طريق سياسة كاملة تمارسها في الشرق الأوسط، أصبحت بفضلها وسيلة الإمبريالية في إرهاب دول المنطقة وتخريب اقتصادها. أما الوجه المقابل، وهو تقديم دول الشرق الأوسط لبترولها إلى الإمبريالية، فإن ماركيوز يخدع نفسه إذا ظن أن الدول العربية لها فيه خيار، ويعلم أن إسرائيل ذاتها من أهم الأسلحة التي تستخدم، بصورة غير مباشرة، لكي يصبح وصول بترول الشرق الأوسط إلى دول الغرب أمرا مضمونا.

إن ماركيوز يخاطب، في هذا الحديث، جمهوره المفضل، الذي جلب له الشهرة، وأعني به ممثلي الحركات الطلابية اليسارية. وهو يخاطب هذا الجمهور بنفس منطقه، إذ يعلم مدى عداء الطلاب اليساريين للإمبريالية العالمية، ولذلك يدعو في نهاية حديثه إلى ما يصفه بأنه الحل الأمثل، وهو تكوين جبهة مشتركة من إسرائيل وخصومها العرب تقف في وجه القوى الإمبريالية. هذا الحل يرضي مستمعيه إلى أبعد حد، لأنه يتمشى مع الأهداف التي يكافحون من أجلها، ولكن ماركيوز أول من يعلم باستحالته العملية، إذ أن عداء إسرائيل للإمبريالية معناه تغيير كيانها من جذوره. إنه إذن يتملق مشاعر مستمعيه، ويوهمهم بأن إسرائيل سيكون في استطاعتها يوما ما أن تشارك في تحقيق الأهداف التي يسعون إليها، وبذلك يضفي عليها صورة تقدمية هي أبعد ما تكون عنها.

وأغرب ما في الأمر أن ماركيوز يفترض ضمنا في بداية حديثه، أن انحياز اليسار لإسرائيل أمر (مفهوم تماما). إنه يأخذ التزييف الذي وقعت فيه جبهات يسارية معينة على أنه حقيقة مسلم بها، وينظر إلى الأمر الواقع غير المنصف على أنه الحقيقة والواجب. وهو في تسليمه هذا يزيد من تأكيد الفكرة الباطلة التي تعد إسرائيل- وفقا لها- دولة تقدمية تحمل مشعل الحضارة في المنطقة التي تعيش فيها. وإنه لمن الغريب حقا أن يتناسى ماركيوز الأسس الدينية والعنصرية التي قامت عليها دولة إسرائيل، ويتجاهل إصرار اليهود على رفض الكفاح من أجل الاندماج السوي في المجتمعات التي يعيشون فيها، لكي يؤكد أن عواطف اليسار تتجه بطبيعتها نحو إسرائيل، وأن عقله يتجه نحو المعادين للإمبريالية من العرب. وأحسب أن اليسار الذي يعاني من انفصام كهذا بين عقله وعواطفه لا يستحق أن يكون يسارا بأي معنى من المعاني.

وعلى أية حال فقد اتبع ماركيوز في تعليقه هذا على القضية العربية الإسرائيلية أسلوبه المفضل، الذي يتملق فيه مشاعر الشباب، ويندمج اندماجا تماما مع طريقتهم في النظر إلى الأمور، ولكنه يقدم في الوقت ذاته إيحاءات ضمنية تكشف عن اتجاه مضاد إلى حد بعيد للتقدمية الحقة التي يدافع عنها هؤلاء الشباب.

هذا الموقف يمثل نموذجا مصغرا لطريقة ماركيوز العامة في التفكير. ولو اتسع المقام لتضمن هذا المقال إثباتا مفصلا لهذا الحكم. وحسبي الآن أن أقول إن تفكير ماركيوز ليس- في رأيي- من ذلك النوع الذي سيكتب له البقاء طويلا، وأن عبادة الشباب الثائر له، التي أخذت بوادر تضاؤلها تظهر في الآونة الأخيرة، ستختفي في المستقبل، وسيدرجه التاريخ ضمن تلك الفئة التي تلمع سريعا وتنطفئ سريعا، لأن التألق الدائم وقف على المفكر الأصيل، الثابت على المبدأ، الذي يحدد مجال انتمائه بوضوح ويظل ملتزما به حتى النهاية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق