أبحاث ودراسات

هل هناك خريطة جديدة للشرق الأوسط؟

| مصطفى نبيل

ما هي حقيقة الخريطة الجديدة للشرق الأوسط؟. وهل يمكن أن يعاد تقسيمه كما حدث في عشرينيات القرن الماضي؟. وما الذي يراد من المنطقة العربية في ظل المتغيرات العالمية الجديدة؟.

وهل يمكن ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن تطرح أفكار حول مستقبل البلدان العربية بعيدا عن دوله وشعوبه؟. وما هو الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة في المشروعات والأفكار المطروحة؟.

ولماذا يعيد الغرب طرح أسس التقسيم القديم؟.

تطرح من جديد أفكار وآراء حول إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتولي مراكز البحث الغربية أهمية كبيرة لمستقبل المنطقة العربية، ويرى الباحثون الغربيون في النظام العربي ماضيا عتيقا استنفد أغراضه، ويبحثون عن صيغة جديدة ونظام شرق أوسطي جديد.

ويقسمون الشرق الأوسط إلى عدة أنساق، يفصلون فيها دول الخليج عن مصر والشام، ومصر والشام عن دول المغرب العربي التي يلحقونها بدول جنوب أوروبا ودول حوض البحر الأبيض. ويدخل البعض ضمن الشرق الأوسط دولا مثل قبرص وأفغانستان وتركيا وباكستان والجمهوريات الإسلامية التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما يدخلون إسرائيل، وتخرج منه عند البعض دول عربية مثل المغرب والجزائر وتونس وأحيانا ليبيا والسودان.

والهدف الذي تسعى هذه الدراسات لتحقيقه من النظام الجديد، منع ظهور قوة محلية تنازع في السيطرة على مستودعات الطاقة في هذه المنطقة الحساسة من العالم، أو تتحكم في فوائض البترول، ومعالجة الخلل الاستراتيجي المتمثل في التهديد الذي تتعرض له دول صغيرة قليلة السكان وشديدة الغنى، من دول كثيفة السكان وشديدة الفقر كما تهدف إلى ضمان مستقبل إسرائيل.

ومن يتابع هذه الأبحاث، يشعر وكأن العالم يعود إلى الوراء، إلى الفترة التي تشكل فيها دول الشرق الأوسط، عندما اقتسمت كل من بريطانيا وفرنسا أراضي الإمبراطورية العثمانية، وهي ذات الترتيبات التي يعملون على تغييرها.

وفي هذا الإطار، صدر كتاب أمريكي بالغ الأهمية، عنوانه: (السلام الذي ينهي السلام)، أو (سلام ما بعده سلام)، كتبه دافيد فرومكين، عضو مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، والكاتب في مجلة (فورين أفيرز)، والذي صاغ من الوثائق والأسرار والمذكرات قصة قيام الشرق الأوسط، والذي تشكل خلال ثماني سنوات من سنة 1914 حتى سنة 1922. كشف فيه خلال 650 صفحة من الترجمة العربية، العديد من القضايا التي لم يكشف عنها الستار، وهي الفترة التي لم تكن فيها الولايات المتحدة طرفا فاعلا.

وما أن بزغ فجر القرن العشرين، إلا وكان الشرق الأوسط هو الحصن الوحيد الذي لم يقتحمه الأوروبيون- باستثناء شرق آسيا- فقد كان من بقايا الإمبراطورية العثمانية في آسيا، لذلك كان تثبيت سيطرة الحلفاء في الشرق الأوسط ذروة استيلاء أوروبا على بقية العالم، والفصل الأخير في مغامرات استعمارية شديدة الخطر.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، استطاعت بريطانيا أن تباهي بأن جيوشها قد اقتحمت آخر الحصون في العالم، وأنجزت تلك المسألة المزعجة الشرق الأوسط القابل للانفجار، التي استمرت ملحة في السياسة العالمية منذ حملة نابليون على مصر، وها هي قد سويت بواسطة ترتيبات ما بعد الحرب التي توصلت إليها الدول الأوروبية، فأقامت بريطانيا دولا وعينت حكاما، ورسمت حدودا جديدة، وأجلست بريطانيا فؤاد الأول على عرش مصر عام 1922، وجعلت مصر محمية بريطانية مستقلة بإعلان اللنبي، وأنشأت محمية العراق بموجب معاهدتها التي عقدتها في ذات العام، وأجلست على عرشه مرشحها فيصل، وبمقتضى أحكام الانتداب على فلسطين عام 1922، وضع شرق الأردن على الطريق ليشكل وجودا سياسيا، ووضع الأمير عبدالله على رأسه، أما فلسطين فقد وعد اليهود بوطن قومي ووعد غير اليهود بحقوق كاملة.

ويؤكد الكاتب الأمريكي أن هذه التقسيمات جاءت مصطنعة، ولم يلبث أن عم الاضطراب هذه المناطق، وكانت البداية ثورة 1919 في مصر، وثورة العشرين في العراق، وانتقلت الاضطرابات إلى أفغانستان وإيران وتركيا.

وقيام هذه الدول كان أحد نتائج صراع القوى الكبرى، فالعراق والأردن اختراعان بريطانيان، وأقيمت حدود السعودية والكويت والعراق من قبل موظف مدني عام 1922، ورسمت فرنسا الحدود بين سورية ولبنان.

ويخلص الكاتب من ذلك إلى أن سيطرة الدول الأوروبية أدت إلى تدمير البنى الأساسية التي كان يعيش في ظلها الأهالي، وإقامة بنى أوروبية جديدة، ولكن السؤال الملح هو: هل يحدث في الشرق ما حدث في أنحاء العالم الأخرى من الأخذ بهذه النظم وما تحدثه من أثر عميق ودائم؟. وأهمية هذا السؤال ليس فقط لأن الشرق منطقة حضارات قديمة عريقة يفخر بها أصحابها وله معتقدات عميقة الجذور، بل لأن التغييرات الجذرية التي اقتحمت حياة الشرق تحتاج إلى أجيال متعاقبة قبل أن تضرب بجذورها في الأرض.

فقد صاغ السياسيون الغربيون النظام الجديد، ونشروا الجنود والطائرات في مساحة تمتد من مصر إلى العراق، وسقط الحكم التركي للشرق ولم تتوقف المعارضة المحلية ولا الرفض العميق لهذه النظم. ويعاني التقسيم الجديد منذ اللحظات الأولى لقيامه من التناقض والاضطراب، فمثلا لم تكن الحكومة البريطانية راضية عن اختيار كيتشنر بين عامي 1914 و1916، رعايته الهاشميين كزعماء للشرق العربي، ومع حلول عام 1918، أخذ البريطانيون يعتبرون الشريف حسين عبئا عليهم، فهو يدفعهم إلى صراع خاسر مع ابن سعود، ومع حلول عام 1919، أخذوا ينظرون إلى فيصل ابن الحسين حاكم العراق باعتباره غادرا وإلى عبدالله حاكم الأردن باعتباره غير فعال. وما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى اضطر مجلس الوزراء البريطاني للاعتراف بأن سياسته اختلفت في شبه الجزيرة العربية، نتيجة الخصومة بين حليفي بريطانيا الحسين ملك الحجاز وابن سعود سيد نجد، واشتكى الحسين من أنه مضطر لإنفاق 12 ألف جنيه شهريا من المساعدة البريطانية التي يتلقاها في سبيل الدفاع عن نفسه من هجمات يشنها عليه ابن سعود الذي يتلقى بدوره مساعدة تبلغ خمسة آلاف جنيه شهريا.

وتتغير السياسات وتتبدل المواقف ويستخلص الكاتب: (تطرح الأوضاع في الشرق الأوسط حق الوجود لبلدان قامت كالعراق وإسرائيل والأردن ولبنان، لذلك لا يزال الشرق الأوسط حتى اليوم، المنطقة التي تشهد حروبا من أجل البقاء. وتستمر المقاومة للسياسات الغربية وتشكل خاصية تميز هذه المنطقة، نتيجة غياب الإحساس بالشرعية من جانب، وغياب قواعد اللعبة السياسية المتفق عليها من جانب آخر. فالشرق الأوسط منطقة لبلدان لم تصبح أمما بعد، وربما أصبح الشرق الأوسط شبيها بوضع أوروبا في القرن الخامس الميلادي، عندما انهارت سلطة الإمبراطورية الرومانية، ودخلت الإمبراطورية في خضم صراع حضاري طويل، حتى انبثق من هذا الصراع نظام سياسي جديد).

وهذه الفقرات التي نقلتها عن الكاتب بنصها تعبر عن الرسالة التي يحملها كتابه، وهي هشاشة النظام العربي وقابليته للتغيير، وهي أخطر ما يتضمنه كتابه، مما يفرض على العقل العربي استخلاص عبر الماضي ودروسه، ومعالجة طبيعة العقبات التي تواجه هذا النظام من موقع وطني يحرص على مستقبل أهله.

القومية والدين

وإذا كان الشرق الأوسط يواجه احتمالات التغيير التي يتوقعها الكاتب، فما أجدرنا بقراءته، لكي نتأمل كيف فعلها الغرب، وأعاد رسم خريطة المنطقة.

يقف إلى جانب فكرة الكاتب المحورية، تفاصيل كثيرة يجدر تأملها، ولعل أهمها تراوح السياسة البريطانية بين تأييد فكرة انتقال الخلافة العثمانية إلى العرب أو إقامة الدول الجديدة في المنطقة على أساس الفكرة العربية.

وهنا يلاحظ عدم اهتمام بريطانيا بمضمون الأفكار المطروحة، وتركز اهتمامها على مصالحها، وتصبح الأفكار لديها أداة فعالة للانقسام والتناحر، وهذه المرحلة التاريخية تزخر بالمراوغة والخداع والوعود الكاذبة، والعرب سكان المنطقة ليسوا بشرا كغيرهم بل أشباحا بلا ملامح أو مطامح أو أهداف.

بل ولم تكن السياسة البريطانية قائمة على خطة استراتيجية، إنما على سياسات تتغير بتغير الأحوال، ولم تكن القضية العربية أكثر من واجهة تأمل بريطانيا أن تحكم من خلفها.

ترتبط الخريطة الجديدة للشرق الأوسط باللورد كيتشنر، الذي رسم الخطة الرئيسية للاستيلاء على دول الشرق الأوسط، وأمسك بكل خيوط المسألة، فهو صاحب الحرب المنتصرة ضد الثورة المهدية في السودان، وهو الذي حكم مصر (البلد الذي كان جزءا من الإمبراطورية العثمانية من وجهة النظر الرسمية، ولكنه واقعيا كان بلدا مستقلا حتى احتلته بريطانيا مدعية أن هدفها هو إعادة النظام ثم ترحل، ولكنها بقيت ولم ترحل). واستمر حلمه- حتى وهو وزير للدفاع خلال الحرب- أن يعود إلى مصر من جديد، فكرته الأساسية التي سعى لتنفيذها أن لبريطانيا مصلحة حيوية في الاستيلاء على جانب كبير من الإمبراطورية العثمانية الناطقة بالعربية، حتى لا تستخدم الدولة العثمانية (الخلافة) في تقويض مركز بريطانيا في الهند ومصر والسودان، خاصة وبريطانيا تحكم أكثر من نصف مسلمي العالم، وحتى تمنع الدولة العثمانية من إعلان الجهاد ضد بريطانيا، وكان يهدف إلى استيلاء بريطانيا على طريق بري إلى الهند، يبدأ من جزيرة قبرص ثم الإسكندرون ويمتد إلى بلاد الرافدين، وكان يخشى أن تسبقه روسيا وتستولي على هذه المناطق.

وشجع كيتشنر الشرف حسين على المطالبة بالخلافة، ولكن سرعان ما تضاربت السياسات وظهر الصراع بين السلطات البريطانية في الهند ومصر، حتى لقد عاد الضابط السياسي ستورز- كما برهن الكاتب- وحذف من مذكراته ما جاء عن الخلافة في برقية كيتشنر إلى الحسين عام 1914، وادعى لورانس أن المكتب العربي آمن بالقومية العربية منذ البداية.

العباءة الخضراء

ولا يفوت الكاتب في دراسته الأعمال الأدبية التي تعبر عن صورة العرب في المخيلة الغربية، وأبرز هذه الأعمال رواية (العباءة الخضراء) التي صدرت عام 1916 لمؤلفها البريطاني جون بوتشان. وقد عبرت هذه الرواية عن المخاوف من اشتعال حرب دينية، ويتخيل استخدام ألمانيا (نبي جديد مزيف) في خطة تدمير الإمبراطورية البريطانية، وينتقل هذا النبي إلى تركيا. (ثمة ريح جافة تهب عبر الشرق، والهشيم في انتظار شرارة، وهذه الريح تهب في اتجاه الحدود الهندية). وتقول الرواية في الفصل الثاني: (إننا الجنس الوحيد الذي يستطيع تدريب رجال قادرين على النفاذإلى ما وراء جلود شعوب نائية، وربما يكون الاسكتلنديون أفضل من الإنكليز، ولكننا جميعا أفضل ألف مرة من أي جنس آخر).

والسمة العامة لأدبيات هذه المرحلة التاريخية، سوء الفهم والمراوغة والخداع. يكتب الصحفي البريطاني جورج ستيفنز عن العربي قائلا: (ابن الأكاذيب الغامض)، ويقول مبعوث الرئيس الأمريكي عن المخططات البريطانية: (هذه خطة كلها سوء، تجعل من الشرق الأوسط مكانا للقتال والحرب في المستقبل..). (وكانت الشعوب والبلدان موضع مقايضة تنتقل من سيادة دولة إلى أخرى وكأنها سلع أو بيارق، ولم يتحقق شيء لمصلحة الأهالي، إنما من أجل تهيئة الأجواء للتوفيق بين مطالب دول متنافسة)!.

سقوط الأوهام!.

ونتوقف قليلا عند عدد من الشخصيات التي يزيح عنها الكاتب الستار، والتي لعبت أدوارا هامة في ولادة الشرق الأوسط، وأول هذه الشخصيات هو لورانس العرب، الشخصية ذات الأفق الكاذب، الذي لم يكن الصدق من فضائله، ويكشف الكاتب الأمريكي سر الأسطورة الكاذب، والذي لم يكن أكثر من شخصية مصرية صنعها كاتب موهوب وطموح، فبفضل جهود أمريكي اسمه لويل توماس، وهو مقدم عروض ناشئ في الخامسة والعشرين، طموح يبحث عن الشهرة والثروة خلال الحرب العالمية الأولى، فسافر إلى جبهة القتال باحثا عن قصة تصلح لعمل مسرحي، فالتقى بلورانس وهو يرتدي اللباس العربي، فقرر أن يجعل منه بطله المنشود لقصة مثيرة تكون الأساس لعرض مسرحي يمكن تسويقه وذيوعه، وقدم في العمل كل عناصر الأسطورة، لورانس قائد وملهم ثورة عربية تدمر الإمبراطورية العثمانية. وكتب لهذا العرض النجاح والانتشار، وعرض في نيويورك على مسرح سنشرى، ونقل إلى حديقة ميدان ماديسون، وحقق نجاحا كبيرا انتقل بعده إلى لندن، واستمر يعرض بها لمدة ستة أشهر، وشاهده ما يزيد على مليون مشاهد، ثم طاف بالعرض حول العالم، وخلقت الأسطورة، وصدقها حتى صاحبها!.

ماذا بعد أن استعرضنا الكتاب الذي يروي قصة ثماني سنوات شكلت دول الشرق الأوسط بحدودها الحديثة؟. ألا يحق لنا أن نتساءل: هل يمكن أن تفرض خريطة جديدة على المنطقة من دون العودة إلى دولها وأهلها؟.

وألا يفرض ذلك على الفكر العربي ومؤسساته المبادرة، بوضع معالم المستقبل، ومواجهة العالم بفكر موحد، وحتى يصبح العرب طرفا فاعلا في صنع الحاضر والمستقبل؟.

فلم يعد مقبولا أن يكتفي (الفكر العربي) بنقد الغير عاجزا عن المبادرة وسد الفجوة بين الأفكار المجردة والوقائع القائمة، حائرا بين موازين القوى السائدة والشعارات والأهداف المطروحة كما كان عليه الحال في عشرينات القرن العشرين.

ويثير الدهشة تجاهل الجامعات ومراكز البحث هذه القضية، وكأنه كتب علينا أن يصنع مستقبلنا غيرنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق